قصة حب الجزء الثالث
السقوط في هوة اليأس
بقلم ليلى الأحمد
باتت أيام عمر في المدينة الجامعية أشبه بسيرة ذاتية سوداء، كل صفحة فيها تمزقت بفعل إدمانه المتزايد. لم يعد الأمر يتعلق بلحظة ضعف عابرة، بل أصبح نزيفًا مستمرًا، يجرف معه ما تبقى من إرادته وقيمه. استيقاظه المتأخر أصبح قاعدة، وغيابه عن المحاضرات هو النميمة التي تتداولها ألسنة الطلاب. لم يكن يهتم، فكل ما كان يهمه هو ذلك العالم الافتراضي الذي ابتلعه، عالمٌ أبعده عن واقعه، وجعله سجينًا لرغباته.
كان يعلم أن ما يفعله خطأ. كان هذا الصوت الداخلي، صوت الضمير، يصرخ فيه كلما انغمس في عالمه المظلم. لكن صوت الرغبة كان أعلى، أقوى، وأكثر إلحاحًا. كانت تلك اللحظات التي يستسلم فيها للإدمان أشبه بالجرعة التي يحتاجها ليواصل العيش، أو هكذا كان يظن. كان يشعر بلذةٍ لحظية، يتبعها فراغٌ أعمق، ثم رغبةٌ أكبر في تكرار تلك اللحظة. كانت حلقة مفرغة، لا مخرج منها.
في غرفته، التي تحولت إلى وكرٍ له، كانت الأضواء خافتة دائمًا. ستائر نافذته مسدلة، وكأنها تحاول أن تحجب عنه نور الشمس، ونور الحياة. هاتفه الذكي، الذي كان أداةً للتواصل والتعلم، أصبح الآن هو سيد عالمه. يتصفحه لساعات، يفتح الصور، يشاهد المقاطع، يتخيل، يحلم، ثم يغرق في بحرٍ من الندم. كان هذا الندم بمثابة الشرارة التي تُعيد إشعال الرغبة، ليبدأ الدائرة المظلمة من جديد.
أصبح هزيلًا، شاحب الوجه. اختفت تلك البريق في عينيه، وحل محلهما تعبٌ عميقٌ ورماد. كانت شهيته قد تراجعت، ونومه مضطربًا. لم يعد يتناول طعامه إلا قليلًا، وكان ذلك القليل أشبه بالعبء. كان أصدقاؤه يحاولون الوصول إليه، يتصلون به، يطرقون بابه، لكنه كان يتجنبهم. كان يشعر بالخجل، بالذنب، بالعار. كيف يواجههم وهو بهذا الحال؟ كيف يشرح لهم هذا الضعف الذي استولى عليه؟
في أحد الأيام، جاءه زميله المقرب، أحمد. أحمد، الذي لطالما كان سندًا له، وصديقًا وفيًا. طرق أحمد باب غرفته بإصرار. في البداية، رفض عمر فتح الباب، لكن أحمد لم ييأس. "عمر، أرجوك افتح. أنا أعرف أنك بالداخل. سمعنا أنك لا تأتي المحاضرات، وأنك منعزل. ما الذي يحدث؟"
بعد ترددٍ طويل، فتح عمر الباب ببطء. كشف وجهه الشاحب، وعينيه الغائرتين، وجسده المنهك. كان أحمد مصدومًا. لم ير صديقه بهذا الحال من قبل. "يا عمر! ما الذي فعلته بنفسك؟"
جلس أحمد بجانبه على السرير، وروحه تفيض قلقًا. "لماذا لا تتحدث معي؟ ما الذي تخفيه؟ هل أنت مريض؟"
لم يستطع عمر الكلام. انهمرت دموعه، وبدأ في البكاء بصوتٍ مكتوم. كان يتحدث، لكن كلماته كانت متقطعة، مختلطة بالعبرات. روى له قصة إدمانه، عن تلك اللحظة التي أدت به إلى هذا المصير، عن تلك الصور التي لم يستطع التخلص منها، عن تلك الرغبة التي أصبحت تتحكم فيه.
استمع أحمد بصبر، وقلبه يتقطع ألمًا. لم يكن يتوقع أن يصل صديقه إلى هذا الحد. "يا عمر، هذا ليس أنت. أنت أقوى من هذا. يجب أن تواجه هذا الإدمان، لا أن تستسلم له."
"أنا أحاول، أحمد. أقسم لك أنني أحاول. لكنني أشعر أنني أغرق، وأن قوتي تتباعد عني. كلما حاولت أن أقاوم، زادت الرغبة. أشعر أنني أسقط في هوةٍ لا قاع لها."
"لا تقل هذا يا عمر. أنت لست وحدك. أنا معك. وسنجد طريقة. هل فكرت في طلب المساعدة؟"
"مساعدة؟ من؟ وكيف؟ هل سيفهمون؟ هل سيستطيعون إخراجي من هذا المستنقع؟"
"هناك متخصصون، عمر. أناسٌ يفهمون هذه الأمراض. لا تخجل من طلب المساعدة. هذا ليس عيبًا، بل قوة. أن تعرف أنك بحاجة إلى مساعدة وأن تسعى إليها."
هز عمر رأسه ببطء. كانت فكرة طلب المساعدة تبدو له غريبة، بل ربما مستحيلة. كيف يمكن لأحدٍ أن يفهم ما يمر به؟ كيف يمكن لأحدٍ أن ينقذه من نفسه؟
"لا أعرف يا أحمد. أنا أشعر باليأس. أشعر أنني فقدت كل شيء. فقدت نفسي."
"لم تفقد نفسك يا عمر. ما زلت أنت. لكنك تحتاج إلى دفعة، إلى يدٍ تمسك بيدك. هيا، دعنا نذهب إلى عيادةٍ مختصة. سأذهب معك."
لم يكن عمر مستعدًا بعد. كان يشعر بثقلٍ شديدٍ يمنعه من التحرك. رفض عرض أحمد، واعتذر منه. عاد أحمد وهو يشعر بالإحباط، لكنه لم يفقد الأمل. ترك له رقم هاتف لأخصائي نفسي، وأصر عليه أن يفكر في الأمر.
بعد رحيل أحمد، عاد عمر إلى غرفته، إلى عالمه المظلم. نظر إلى هاتفه، إلى الصور التي كانت تنتظره. شعر بقوةٍ غريبةٍ تسحبه نحوها. حاول مقاومتها، لكن قوته كانت قد استنزفت. فتح التطبيق، وبدأ يتصفح. كان يشعر بحالةٍ أشبه بالصحوة، ثم بالخدر. كان يشعر أنه يسقط، يسقط في هاويةٍ مظلمة، دون أن يكون لديه أي وسيلةٍ للإمساك بها.
تداخلت الصور والمقاطع في عقله. اختلطت بالذكريات، بالوهم، بالحقيقة. كان يشعر وكأن روحه تتلاشى، وتتحول إلى رماد. لم يعد يميز بين ما هو حقيقي وما هو خيال. كان غارقًا في بحرٍ من الشهوة، يستسلم لتياراته الجارفة.
عندما انتهى، شعر بالفراغ. فراغٌ أعمق من أي وقتٍ مضى. شعر وكأن شيئًا ثمينًا قد سُرق منه. لم يعد يشعر بشيء، سوى بالوحدة، والبرد، والندم. لكن هذا الندم لم يكن كافيًا ليوقفه. بل كان أشبه بالوقود الذي يُغذي النار، ليبدأ الحريق من جديد.
كان هذا السقوط أشدُّ من أي سقوطٍ سابق. كان يعرف أنه يمشي على حافة الهاوية، وأن أي خطوةٍ أخرى قد تكون هي الأخيرة. كان اليأس يتملكه، يلفه ببرودٍ قاتل. هل سيستمر في هذه الحياة؟ هل سيسمح لهذه الشهوة بأن تدمره بالكامل؟ أم أن هناك بصيص أمل، يدعوه إلى البحث عن خلاصٍ لم يعد يؤمن به؟ هذا ما كان يدور في رأسه، وهو يغرق في سباتٍ عميق، سباتٌ أشبه بالموت.