قصة حب الجزء الثالث
الشكوك تغزو القلب وذاكرة الأمس تطفو
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات المساء العليلة تداعب ستائر غرفة جلوس زينب، تحمل معها عبير الياسمين من الحديقة الخلفية، ولكنها لم تستطع أن تطفئ وهج القلق الذي استقر في قلبها. جلست على الأريكة، ووجهها شاحب، وعيناها الزرقاوان كالبحر الهائج، تبحثان عن إجابة لسؤال لم تطرحه بعد، سؤال يراودها منذ أن سمعت حديث أمها مع عمتها في الهاتف. كانت الكلمات تتراقص في ذهنها كشظايا زجاج مكسور: "لا بد أن نتصرف قبل أن تتفاقم الأمور... هناك أمور كثيرة لم تُكشف بعد... يجب أن نحميها". من هي "هي" التي يتحدثن عنها؟ وما هي "الأمور" التي تستدعي هذه الاستراتيجية؟
تنهدت زينب بعمق، وشعرت بثقل العالم كله يقع على كتفيها. لقد اعتادت أن تكون حياتها واضحة كالشمس، يسير فيها كل شيء حسب المتوقع. حبها لسالم، هذا الشاب المهذب ذي الأخلاق الرفيعة، كان بمثابة ربيع دائم في حياتها. منذ أن التقيا في ذلك المسجد الكبير، وبعد أن رأى والدها أخلاقه وطموحه، أذن له بخطبتها، وتمت الموافقة على الزواج، وبدأت تجهيزات الفرح. لكن في الآونة الأخيرة، شعرت بتغير طفيف في سلوك سالم، لم يكن كافياً ليثير قلقاً، ولكنه كان موجوداً. بدا أكثر انشغالاً، وأحياناً شارد الذهن. لم تكن تعلم إن كان السبب ضغوط العمل، أم شيئاً آخر.
ولكن حديث أمها أضاف بعداً جديداً لمخاوفها. بدأت تتذكر تفاصيل صغيرة كانت قد تجاهلتها. لقاءات سالم المفاجئة مع صديق قديم له، لم تكن تعرف عنه الكثير، كان يظهر ويختفي دون تفسير واضح. أين كان يذهب في تلك الأيام التي كان يقول فيها إنه يعمل حتى وقت متأخر؟ ولماذا كان يتلقى اتصالات هاتفية في أوقات غريبة، ويغادر الغرفة للرد عليها؟ هل كان هناك شيء يخبئه عنها؟
استدارت نحو النافذة، وعكست أشعة القمر صورة وجهها الباهت. حاولت أن تقنع نفسها بأن أمها ربما كانت قلقة فقط لأسباب عادية، أو ربما كانت تتحدث عن مشكلة تخص العائلة الكبيرة. ولكن صوت أمها كان فيه نبرة لم تسمعها فيها من قبل، نبرة تحمل طابع السرية والتكتم.
في هذه الأثناء، كان سالم يقف في شرفته، يراقب أضواء المدينة الخافتة. كان يمسك بهاتفه، يقلب بين الصور في معرضه. صورة لزينب، تبتسم له بقلب مفتوح، كانت صورتهما معاً في يوم الخطوبة، تفيض بالفرح والبراءة. ضغط على الصورة بقبضة يده، وأغمض عينيه. لقد وعد نفسه بأن يحميها، وأن يبقيها بعيدة عن أي شيء يمكن أن يؤذيها.
كانت المشكلة التي تواجهه أكثر تعقيداً مما تتخيل زينب. لقد تورط في مشروع سابق، مشروع يتعلق بتجارة استثمارية، ولكنه لم يكن يعلم أن بعض شركائه لديهم أساليب غير قانونية في إدارة أموالهم. اكتشف سالم الأمر متأخراً، عندما بدأت المشاكل تلاحقه. كان عليه أن يعيد بعض الأموال التي استثمرها، ولكنه لم يكن يملكها. كان هناك ضغط كبير من هؤلاء الأشخاص، وضغط أكبر من خوفه على مستقبل علاقته بزينب. كيف يمكن أن يفسر لها كل هذا؟ كيف يمكن أن يطلب منها تفهم هذا الموقف الذي قد يلقي بظلاله على سمعته، وربما على مستقبل حياتهما المشتركة؟
كانت الأفكار تتصارع في رأسه. هل عليه أن يصارحها بكل شيء، ويكشف لها عن هذه الورطة التي وقع فيها؟ أم يحاول أن يحل المشكلة بنفسه، دون أن يكشف لها شيئاً، حفاظاً على صورتها النقية عن عالم الأعمال؟ لقد كان يميل إلى الخيار الثاني، ولكن التكتم كان يولد لديه شعوراً بالذنب، ويزيد من الفجوة بينهما.
في تلك الليلة، لم ينم سالم كثيراً. كان يستعرض خياراته، ويحاول إيجاد حل يرضي ضميره ويحافظ على وعده لزينب. في هذه الأثناء، كانت زينب قد استيقظت من غفوتها، وشعرت ببرودة في الغرفة. نظرت إلى ساعت الحائط، وكانت قد تجاوزت منتصف الليل. جلست في سريرها، وأخذت تفكر. ربما كانت مبالغة في قلقها. ربما لم يكن هناك ما يدعو لكل هذا التفكير. ولكن صوت أمها كان يتردد في أذنيها، وكأنه نذير شؤم.
مدت يدها وأمسكت بمسبحتها، وبدأت تذكر الله. كان هذا هو ملاذها الوحيد في أوقات الشدة. استشعرت ببعض السكينة، ولكن الشكوك لم تكن لتغادر قلبها بسهولة. كانت تعلم أن الوقت قد حان لكي تواجه هذه المخاوف، وأن تبحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. لم تكن تتخيل أن هذه الليلة الهادئة، التي بدأت بنسمات الياسمين، ستكون بداية لسلسلة من الأحداث التي ستغير مسار حياتها، وربما مستقبلها مع سالم.
لم تكن تعرف زينب أن تلك "الأمور" التي تحدثت عنها أمها كانت أعمق وأكثر تعقيداً مما تتخيل. لم تكن تعرف أن تاريخ عائلتها، والذي ظنت أنه صافٍ كمرآة، يحمل في طياته أسراراً قديمة، وأن ظهور سالم في حياتها، لم يكن مجرد صدفة قدرية، بل كان بداية لمواجهة هذه الأسرار، وكشف ما كان مدفوناً تحت رمال الزمن. هذه الليلة، كانت مجرد بداية.