زوجي الأمير
شرفٌ تحت سماءٍ غائرة
بقلم ليلى الأحمد
كانت الريحُ تحملُ في طياتها أزيرَ المعركة، صوتَ الصراخِ والأنينِ، ورنينَ السيوفِ الذي يترددُ صداهُ كعاصفةٍ هوجاء. وقفتُ، أنا، ليلى، ابنةَ الشيخِ saudável، في قلبِ هذا العنفِ، لا أدفعُ سيفاً ولا ألوي رمحاً، بل أُدارُ بخفةٍ قدميَّ، أغزلُ بخيوطِ القماشِ نسيجَ الأملِ الذي أردتُ أن أُعلقَه فوقَ خيامِ رجالِنا. كانَ درعُ الخوفِ يلفُّ قلبي، لكنّ واجبي كانَ أثقلَ، أثقلَ من دماءٍ تسيلُ، ومن أرواحٍ تزهقُ.
من بعيدٍ، كانَ صوتُ والديَ، الشيخِ saudável، يخترقُ ضجيجَ الحربِ، صوتهُ القويُّ الجهورُ، يُشعلُ في النفوسِ حماسةَ البقاءِ، ويُذَكِّرُنا بجذورِنا الراسخةِ، بأرضِنا التي تستصرخُ. كنتُ أراقبُ المعركةَ من حافةِ المخيمِ، حيثُ كانتْ نارُ الموتِ تتأججُ. رجالٌ يصولونَ ويجولون، وجوهٌ متخمةٌ بالغضبِ والعزيمةِ، لكنّ النصرَ كانَ يميلُ، يميلُ بثقلٍ نحو أعدائِنا، أولئكَ الذينَ جاءوا بغيٍ وظلمٍ.
تسللتُ بينَ الخيامِ، أحملُ حقيبتي المليئةَ بخيوطٍ ملونةٍ، وأدواتِ تطريزٍ دقيقةٍ. لم يكنْ هذا ميداني، ولكنْ كانَ هناكَ نساءٌ أخرياتٌ، كُسِرَتْ إرادتُهنَّ، جُفِّفَتْ عيونهنَّ بالدموعِ. أردتُ أن أُعيدَ إليهنَّ بصيصَ الأملِ، أن أُقنعهنَّ بأنّ الحياةَ تستمرُّ، وأنّ الجمالَ ينتصرُ في النهايةِ، حتى لو كانَ ذلكَ في ظلِّ الهزيمةِ.
كانَ المطرُ بدأَ يصبُّ، ماطراً خفيفاً في البدايةِ، ثمّ ازدادتْ غزارتُهُ، وكأنّ السماءَ تبكي على ما يحدثُ. تسارعتُ في خطواتي، أبحثُ عن مكانٍ آمنٍ لأُكملَ عملي. وقعَ بصري على خيمةٍ صغيرةٍ، بعيدةٍ قليلاً عن الضجيجِ، كانَ بابُها مفتوحاً جزئياً. بدتْ مهجورةً، لكنّها كانتْ ملاذاً.
لم أكدْ أدخلُ حتى سمعتُ صوتاً عميقاً، رجولياً، يخلو من آثارِ الخوفِ أو اليأسِ. "من أنتِ؟" قالَ الصوتُ، يحملُ رنيناً غريباً، كأنهُ صدىً من زمنٍ بعيدٍ.
التفتُّ بسرعةٍ، وقلبي يخفقُ بعنفٍ. كانَ واقفاً في زاويةِ الخيمةِ، تحتَ ضوءٍ خافتٍ ينبعثُ من مصباحٍ زيتٍ قديمٍ. شابٌّ، لم أتجاوزْ عمري العشرينَ، لكنّ هيئتهُ كانتْ تحملُ وقارَ رجلٍ لم يعشْ إلا قروناً. شعرهُ داكنٌ، وعيناهُ بلونِ الليلِ، عميقتانِ، تنظرانِ بحدّةٍ ولكنْ ببريقٍ لا يمكنُ تفسيرُهُ. كانَ يرتدي ملابسَ عربيةً أصيلةً، لكنّها كانتْ تبدو وكأنها جزءٌ من كيانهِ، لا مجردَ زيٍّ.
"أنا ليلى، ابنةُ الشيخِ saudável،" قلتُ بصوتٍ مرتجفٍ قليلاً. "وجدتُ هذهِ الخيمةَ تبدو آمنةً."
اقتربَ مني بخطواتٍ رصينةٍ، وكلُّ حركةٍ منهُ كانتْ تحملُ أناقةً طبيعيةً. "آمنةٌ؟" قالَ بابتسامةٍ خفيفةٍ، لم تصلْ إلى عينيهِ. "في هذهِ الليلةِ، لا شيءَ يمكنُ أن يكونَ آمناً."
"ولكنْ،" قلتُ، أحاولُ استعادةَ رباطةِ جأشي، "يجبُ أن نبقى أقوياءَ. وأن نُظهرَ لهم أنّنا لن نستسلمَ."
رفعَ حاجبهُ الأيسرُ. "وماذا تفعلينَ هنا، يا ابنةَ الشيخِ، وأنتِ تحملينَ أدواتِ التطريزِ، بدلَ أن تحملي سيفاً؟"
احمرَّ وجهي قليلاً، لكنّي أجبتُ بصدقٍ: "أُحاولُ أن أُعيدَ الأملَ. وأن أُذكِّرَ النساءَ بأنّ للحياةِ معنىً، حتى في أحلكِ الظروفِ."
رمقني بنظرةٍ طويلةٍ، ثمّ أشارَ إلى المقعدِ الخشبيِّ القريبِ. "اجلسي، يا ابنةَ الشيخِ. لعلّكِ تُعطينَ لي بعضَ الأملِ أيضاً."
ترددتُ للحظةٍ، ثمّ جلستُ، واضعاً حقيبتي بجانبي. استمرَّ المطرُ في الهطولِ، يقرعُ على قماشِ الخيمةِ. كانتْ الأجواءُ مشحونةً بالتوترِ، لكنّ وجودَ هذا الشابِّ الغريبِ، هدوءهُ في خضمِّ الفوضى، أثارَ فضولي بشكلٍ كبيرٍ.
"من أنتَ؟" سألتُ أخيراً، متجاوزةً كلَّ التحفظاتِ. "لم أرَكَ هنا من قبلُ."
ابتسمَ تلكَ الابتسامةَ الغامضةَ مجدداً. "اسمي خالدٌ. وأنا ضيفٌ على هذهِ الأرضِ منذُ زمنٍ طويلٍ."
"ضيفٌ؟" كررتُ، أتساءلُ إن كانَ يعيشُ هنا، أم أنهُ جاءَ معَ الغزاةِ. "ولكنّ هذهِ أرضُنا."
"أعلمُ،" قالَ بهدوءٍ، "وأنا هنا لمراقبةِ الحقِّ."
لم أفهمْ ما يقصدُ، لكنّ صوتَهُ كانَ مُقنعاً. كانَ هناكَ شيءٌ فيهِ، شيءٌ يجعلكَ تشعرُ بأنّكَ أمامَ شخصٍ يمتلكُ حكمةً عظيمةً، وبأنّ كلماته ليستْ مجردَ كلامٍ.
"الحقُّ؟" سألتُ، "وهل يبدو لكَ أنّ ما يحدثُ هنا هو الحقُّ؟"
نظرَ إلى الخارجِ، حيثُ كانتْ أصواتُ المعركةِ لا تزالُ مسموعةً، وإنْ بدأتْ تخفتُ تدريجياً. "الحقُّ ليسَ دائماً هو ما يبدو، يا ليلى. وغالباً ما يُغَطّي عليهِ غبارُ الظلمِ."
"ولكنْ، كيفَ نُعيدُ الحقَّ؟" سألتُ، أشعرُ بأنّني أغوصُ في بحرٍ من الأسئلةِ.
"بالصبرِ، وبالإيمانِ، وبالعملِ الصادقِ،" أجابَ، "وغالباً، بالانتظارِ حتى تتكشفَ الأمورُ على حقيقتها."
شعرتُ بأنّ كلماته هذهِ موجهةٌ إليَّ شخصياً، وكأنهُ يعرفُ ما يدورُ في خلدي، وما يُثقلُ كاهلي. كانتْ هذهِ الليلةُ، ليلةَ الهزيمةِ والخوفِ، قد بدأتْ تتشكلُ بشكلٍ غريبٍ. فبدلاً من اليأسِ، شعرتُ بنوعٍ من الاطمئنانِ، وبإحساسٍ بأنّ هناكَ أمراً أكبرَ يجري، وأنّ هذا الرجلَ الغامضَ، خالدٌ، قد يكونُ لهُ دورٌ فيهِ.
"ولكنْ، كيفَ يمكنُ للمرأةِ أن تفعلَ شيئاً في ظلِّ هذهِ الظروفِ؟" سألتُ، متحدثةً عن قلقي العميقِ. "هل يكفي أن نُطرزَ ونُغني؟"
اقتربَ مني قليلاً، وبدا لي أنَّ عينيهِ أصبحتا أكثرَ نوراً. "يا ابنةَ الشيخِ، إنّ قوةَ المرأةِ لا تكمنُ في قوةِ سيفها، بل في قوةِ قلبها، وفي صبرها، وفي حكمتها. إنّها الحجرُ الأساسُ الذي يُبنى عليهِ كلُّ شيءٍ. إنّها من تُربي الأبطالَ، ومن تُحافظُ على جذورِ الأمةِ. عملُكِ هذا، ليسَ مجردَ تطريزٍ، بل هو محاولةٌ لإعادةِ الجمالِ إلى عالمٍ فقدَ معناهُ. وهو عملٌ جليلٌ، لا يُستهانُ بهِ."
تحدثَ بكلماتٍ جعلتني أشعرُ بأنّي لستُ مجردَ فتاةٍ تعيشُ في ظلِّ الحربِ، بل أنّ لي دوراً، وأنّ لعملي قيمةً. رفعتُ بصري إليهِ، ورأيتُ في عينيهِ شيئاً من الإعجابِ، وشيئاً من الفهمِ.
"ربما،" قلتُ بصوتٍ خافتٍ، "ربما أنتَ على حقٍّ."
"الحقُّ يأتي دائماً،" قالَ خالدٌ، "حتى لو طالَ الانتظارُ. والمهمُّ أن نكونَ على استعدادٍ لاستقبالهِ، وأن نُحافظَ على شرفنا، على مبادئنا، حتى في أحلكِ الظروفِ."
انتهتْ المعركةُ تدريجياً، وخفتَ ضجيجُها. كانَ المطرُ لا يزالُ يهطلُ، لكنّ صوتهُ أصبحَ مريحاً. جلستُ في تلكَ الخيمةِ معَ هذا الرجلِ الغريبِ، أشعرُ بنوعٍ من السلامِ الداخليِّ الذي لم أعهدهُ منذُ زمنٍ. كانَ لقاءً بدأَ كصدفةٍ، ولكنهُ ألقى بظلالهِ الغامضةِ على مستقبلي، وعلى حياتي، بشكلٍ لم أكنْ أتوقعهُ أبداً.