زوجي الأمير
شكوك تساور قلب وريثة العرش
بقلم ليلى الأحمد
تنامى الشعور لدى الأميرة ليلى بأنها تسير في طريقٍ محفوفٍ بالمخاطر، وأن المعلومات التي تجمعها حول اختفاء الأميرة فاطمة تفتح أبوابًا لم تكن مستعدةً لمواجهتها. كان حديث جدتها القديم عن "ضياع الصقر" و"ضياع العرش"، بالإضافة إلى تعليق والدتها عن "يد خفية" تحميها، يزرع بذور الشك في قلبها. لم يعد الأمر مجرد استعادة ذكرى عزيزة، بل أصبح سباقًا لكشف مؤامرةٍ قد تكون أعمق وأخطر مما تخيلت.
في اليوم التالي، وبعد أن قضت وقتًا طويلًا في استقراء ما وجدته في يوميات جدتها، قررت أن تبدأ في مراقبة محيطها بحذرٍ أشد. كل ابتسامة، كل كلمة، كل نظرة، أصبحت محل تدقيق. بدأت تشعر بأن هناك عيونًا تتابعها، وأن همساتٍ قد تكون أعمق من مجرد ثرثرة.
ذهبت ليلى لزيارة السيدة أمينة، التي كانت بمثابة ذاكرة القصر الحيّة. جلست معها في غرفتها الصغيرة، التي تفوح منها رائحة الأعشاب الطبية القديمة.
"أمينة،" قالت ليلى بصوتٍ خفيض، "هل تتذكرين أي تحركاتٍ غير طبيعيةٍ في القصر قبل اختفاء الأميرة فاطمة؟ أشخاصٌ غرباء، زياراتٌ مفاجئة، أو أي شيءٍ قد يبدو غريبًا الآن؟"
تعبّرت ملامح السيدة أمينة عن تفكيرٍ عميق. "كانت هناك دائمًا حركةٌ في القصر، يا سمو الأميرة. لكن أتذكر أن بعض الأمراء من الأطراف، الذين لم نكن نراهم كثيرًا، كانوا يترددون على القصر أكثر من المعتاد في تلك الفترة. كانوا يتحدثون كثيرًا مع الملك الراحل، ومع بعض المسؤولين المقربين منه."
"هل تتذكرين أسماءهم؟"
"كان منهم الأمير سالم، الذي ذكرته من قبل. كان يمتلك طموحًا لا يعرف الحدود. وكان هناك أيضًا الأمير "راشد"، المعروف بدهائه السياسي، والذي كان دائمًا ما يبحث عن فرصٍ لزيادة نفوذه. كانا يتنافسان بشدةٍ على ود الملك."
"وهل كانت الأميرة فاطمة على خلافٍ مع أحدهما؟"
"كانت تحاول دائمًا أن تكون عادلةً في قراراتها، وأن تتبع حكم الشرع. هذا كان يزعج من يريدون اتباع أهواءهم. الأمير سالم كان يخشى أن تقف الأميرة فاطمة في طريقه لتولي العرش، لأنه كان يرى أنها تملك حب الشعب وتقدير الملك."
"وماذا عن الأمير راشد؟"
"الأمير راشد كان دائمًا يخطط، ويدبر. كان يفضل الكواليس على الظهور المباشر. كان يبدو وديًا، لكن الألسنة كانت تتحدث عن حيله ومكائده. لم يكن ليسمح لأحدٍ بأن يقف في طريقه لتحقيق أهدافه."
كانت هذه المعلومات تزيد من تعقيد الصورة. لم يكن هناك متهمٌ واحدٌ واضح، بل شبكةٌ من المصالح المتعارضة والطموحات المتصارعة. شعرت ليلى بأنها تقف على حافة بركانٍ خامد، قد ينفجر في أي لحظة.
في المساء، وبينما كانت ليلى برفقة الأمير أحمد، استغلّت الفرصة لتسأله عن أمورٍ أخرى.
"أحمد،" قالت له وهي تشير إلى إحدى الغرف الفخمة في القصر، "هل هذه الغرفة التي كانت تخص الأميرة فاطمة؟"
"نعم،" أجاب أحمد بحزن. "لم يتم تغيير شيءٍ فيها منذ رحيلها. جدتي أصرت على ذلك، كذكرى لها."
"هل يمكنني رؤيتها؟"
تردد أحمد قليلاً، ثم وافق. "بالتأكيد. لكن تذكري، إنها تحمل الكثير من الذكريات الحزينة."
دخلا الغرفة، التي كانت لا تزال تحتفظ بعبقٍ خفيفٍ من الماضي. كانت الأثاثات مكسوةً بأقمشةٍ زاهية، ورائحة الياسمين تملأ المكان. على طاولةٍ صغيرة، وُضع بعض الكتب التي لم تُفتح منذ سنوات.
"هل هناك أي شيءٍ مميزٍ هنا؟ أي شيءٍ قد يكون ذا قيمة؟" سألت ليلى وهي تتفحص المكان بعينيها.
"لم يجدوا شيئًا ذا بالٍ بعد اختفائها،" قال أحمد. "لقد بحثوا في كل مكان. كأنها تلاشت في الهواء."
مرّت ليلى بيدها على رفّ الكتب، ولفت انتباهها كتابٌ غريبٌ ذو غلافٍ جلديٍّ قديم، مخبأٌ بين مجموعةٍ من الكتب الأخرى. عند فتحه، وجدت أنه ليس كتابًا عاديًا، بل هو سجلٌّ صغيرٌ مليءٌ بالرسومات والرموز الغامضة.
"ما هذا؟" تساءلت ليلى بفضول.
"لا أعرف،" قال أحمد، "لم أره من قبل."
بدأت ليلى تتفحص الرموز، وشعرت بنوعٍ من الألفة. كانت تشبه بعض الرموز التي رأتها في يوميات جدتها. كان هناك رسمٌ لصقرٍ كبير، وعلى جناحه رموزٌ تشبه الأحرف العربية القديمة.
"هذه الرموز… أعتقد أنني رأيتها من قبل،" قالت ليلى، وضرب قلبها بقوة. "هذه قد تكون مرتبطة بنبوءة "صقر الصحراء"."
"كيف؟" تساءل أحمد بدهشة.
"لا أعرف بالتحديد، لكنني أشعر بأن هناك رابطًا. ربما كان هذا السجلّ هو ما كانت تبحث عنه الأميرة فاطمة، أو ما كانت تحاول حمايته."
وبينما كانت ليلى تفحص الكتاب، وقعت عينها على صفحةٍ معينةٍ فيها رسمٌ تخطيطيٌّ لممراتٍ سريةٍ تحت القصر، مع علاماتٍ تشير إلى مكانٍ غامضٍ في الأعماق.
"انظري إلى هذا، أحمد،" قالت ليلى وهي تشير إلى الرسم. "يبدو أن هناك ممراتٍ سريةٍ تحت القصر. وهذا المكان… يبدو وكأنه مخبأٌ مهم."
شعر أحمد بالدهشة. "ممرات سرية؟ لم نسمع بهذا من قبل."
"جدتي ذكرت في يومياتها عن "يد خفية" تحميها. ووالدتي تحدثت عن "حماية". ربما كانت هذه الممرات هي المكان الذي كانت الأميرة فاطمة تستخدمه، أو المكان الذي لجأت إليه. وربما هو المكان الذي تم إخفاؤها فيه، أو المكان الذي أخفت فيه شيئًا مهمًا."
كانت هذه الكلمات تحمل وزنًا ثقيلًا. شعر الاثنان بأنهم يقفون على أعتاب اكتشافٍ كبير، اكتشافٍ قد يكشف الحقيقة وراء اختفاء الأميرة فاطمة، وربما يعيد رسم مستقبل العائلة.
لم تكن ليلى تدري ما الذي ستجده في هذه الممرات، لكنها شعرت بشجاعةٍ جديدةٍ تملأ قلبها. كان عليها أن تخوض في هذا المجهول، وأن تواجه الأشباح التي تسكن ماضي القصر.
انتهى الفصل على اكتشافٍ جديدٍ يفتح آفاقًا للمغامرة، ويضع ليلى على أعتاب المجهول، مع وعدٍ بكشف أسرارٍ دفينةٍ قد تغير مصيرها.