الفصل 2 / 25

زوجي الأمير

همسٌ في أروقةِ الشرفِ

بقلم ليلى الأحمد

لم يكنْ صباحَ يومٍ عاديٍّ. كانتْ رائحةُ الأرضِ المبتلةِ بالندى تمتزجُ برائحةِ القهوةِ التي تُعدُّ على نارِ الحطبِ، ورائحةِ الخبزِ الطازجِ الذي تُنتجهُ الأفرانُ التقليديةُ. الشمسُ بدأتْ تُشرقُ، تخترقُ ضبابَ الصباحِ، وتُلقي بأشعتها الذهبيةِ على خيامِ قبيلتِنا، قبيلةِ بني سعيدٍ. كنا قد صمدنا في وجهِ الهجومِ، ولم تكنْ الخسائرُ فادحةً كما خشينا، وذلكَ بفضلِ حكمةِ والديَ، وصمودِ رجالِنا.

كنتُ أُساعدُ أمي في ترتيبِ الأمتعةِ المتناثرةِ بعدَ ليلةِ القلقِ، ورائحةُ الوردِ البريِّ التي تتسلقُ جدرانَ بيتِنا تمنحُ المكانَ عبقاً مميزاً. نظرتُ إلى الوجوهِ من حولنا، وجوهُ النساءِ اللواتي قضينَ الليلَ في صلاةٍ ودعاءٍ، ووجوهُ الأطفالِ الذينَ استيقظوا على ضوءِ الشمسِ، غيرَ مدركينَ لحجمِ الخطرِ الذي مرتْ بهِ القبيلةُ.

"ليلى، يا ابنةَ،" نادتني أمي بصوتها الحنونِ، "تعالي، ساعديني في ترتيبِ أغطيةِ الضيوفِ. يبدو أنّ الشيخَ قررَ استقبالَ وفدٍ من القبائلِ المجاورةِ لتهنئتِنا على الصمودِ."

"بالتأكيدِ يا أمي،" أجبتُ، متوجهةً نحو مخزنِ الأغطيةِ. كانتْ هذهِ فرصةً للقاءِ وجوهٍ جديدةٍ، ولكنْ أيضاً، فرصةً للتفكيرِ في ذاكَ الرجلِ الغامضِ، خالدٍ، الذي التقيتُ بهِ في الخيمةِ. لم أرهُ منذُ تلكَ الليلةِ، وكأنّهُ اختفى في غياهبِ الأرضِ. هل كانَ حلماً؟ أم حقيقةً؟

بينما كنتُ أرتبُ الوسائدَ الملونةَ، وقعَ بصري على عباءةٍ لم أتعرفْ عليها، عباءةٌ سوداءُ فاخرةٌ، ذاتُ تطريزٍ فضيٍ دقيقٍ، لا يشبهُ ما اعتدنا عليهِ. وضعتها جانباً، محاولةً تذكرَ من قد يكونُ صاحبُها.

"أمّي،" قلتُ، "من صاحبُ هذهِ العباءةِ؟ لم أرَ مثلَها من قبلُ."

نظرتْ أمي إليها، وابتسمتْ ابتسامةً واسعةً. "آه، هذهِ لضيفٍ مميزٍ جداً، يا ابنتي. يبدو أنّ والدكِ قد استقبلَ رجلاً جاءَ من بعيدٍ، رجلاً ذا شأنٍ كبيرٍ. سيلتقي بالشيخِ في وقتٍ لاحقٍ من اليومِ."

تسارعتُ دقاتُ قلبي. هل يمكنُ أن يكونَ هو؟ هل يمكنُ أن يكونَ خالدٌ قد عادَ؟

بعدَ ساعاتٍ، تجمعَ رجالُ القبيلةِ في ديوانِ الشيخِ، حيثُ كانَ الضيوفُ مجتمعينَ. لم أجرؤْ على الذهابِ، ولكنْ عيني كانتْ تبحثُ عنهُ بينَ الوجوهِ. لم أرَ تلكَ العباءةَ السوداءَ، ولكنْ سمعتُ همساتٍ عن رجلٍ غريبٍ، عن شابٍّ أنيقٍ، يحملُ حكمةً تفوقُ عمرهُ.

في المساءِ، وبينما كنتُ أُصلي صلاةَ العشاءِ في مصلى البيتِ، سمعتُ صوتاً مألوفاً، صوتاً جعلَ جسدي يرتعشُ. كانَ صوتَ خالدٍ. كانَ يتحدثُ معَ والديَ في الديوانِ، صوتهُ العميقُ الهادئُ، يحملُ وزناً ثقيلاً.

اقتربتُ من البابِ، وقلبي يخفقُ بعنفٍ. حاولتُ أن أبدو هادئةً، وأن أُخفي اهتمامي الفضوليَّ. فتحتُ البابَ ببطءٍ، متظاهرةً بتقديمِ القهوةِ.

"تفضلوا، يا سيدي،" قلتُ، وأنا أُديرُ وجهي نحوهُ.

عندما رفعَ بصرهُ، رأيتُ عينيهِ اللتينِ بلونِ الليلِ، تنظرانِ إليَّ مباشرةً. كانَ يرتدي ثياباً أنيقةً، ولكنْ لم تكنْ تلكَ العباءةَ السوداءَ. ومعَ ذلكَ، كانَ هو. خالدٌ.

"ليلى،" قالَ بابتسامةٍ خفيفةٍ، "لقد كنتُ أتمنى أن ألتقي بكِ مرةً أخرى."

"أهلاً بكَ،" قلتُ، أشعرُ بأنّ وجهي قد احمرَّ. "لقد كنتُ أتوقعُ رؤيتكَ."

"هل كنتِ؟" سألَ، بعينينِ تلمعانِ بالفضولِ. "وما الذي جعلكِ تتوقعينَ ذلكَ؟"

"مجردُ شعورٍ،" أجبتُ، "ربما لأنّك قلتَ إنّك ستظلُّ تراقبُ الحقَّ."

أومأَ والديَ برأسِهِ، ينظرُ إلينا بفضولٍ. "أتعرفانِ بعضكما البعضَ؟" سألَ الشيخُ saudável.

"نعم، يا والدي،" قلتُ، "لقد التقيتُ بالشيخِ خالدٍ في ليلةِ الهجومِ. كانَ في خيمةٍ قريبةٍ."

نظرَ الشيخُ خالدٌ إلى والديَ، ثمّ قالَ بهدوءٍ: "لقد كانَ لقاءً عابراً، يا شيخَنا. ولكنّني وجدتُ في ابنتكَ حكمةً وروحاً قويةً، وهي ما أحوجُ ما نحتاجُ إليهِ في هذهِ الأوقاتِ."

مدحُهُ هذا، أمامَ والديَ، جعلني أشعرُ بالفخرِ. كانَ يعرفُ كيفَ يتحدثُ، وكيفَ يُقدِّرُ ما في النفوسِ.

"الشيخُ خالدٌ،" قالَ والديَ، "هو ضيفٌ كريمٌ جاءَ من بعيدٍ، ليُشاركنا مشاعرَنا ويُقدمَ لنا النصيحةَ. لقد سمعنا عن حكمتهِ، وعن عدلهِ، وعن شرفه."

"أنا مجردُ مسافرٍ، يا شيخَنا،" قالَ خالدٌ، "وعندما أرى الظلمَ، لا أستطيعُ أن أتجاهلهُ. جئتُ لأرى ما إذا كانَ بإمكاني تقديمُ أيِّ مساعدةٍ."

"نحنُ بحاجةٍ لكلِّ يدٍ، ولكلِّ عقلٍ،" قالَ والديَ، "خصوصاً بعدَ ما تعرضنا لهُ."

قضيتُ باقيَ المساءِ أُقدمُ القهوةَ والشايَ، وأنا أستمعُ إلى حواراتِ الرجالِ، ولكنّ عيني كانتْ تبحثُ دائماً عن خالدٍ. كانَ يتحدثُ بلسانٍ بليغٍ، ويُقدمُ أفكاراً عميقةً، تتجاوزُ مجردَ السياسةِ والحروبِ. كانَ يتحدثُ عن القيمِ، عن الأمانةِ، عن الشرفِ، وعن دورِ كلِّ فردٍ في بناءِ مجتمعٍ صالحٍ.

في نهايةِ اللقاءِ، اقتربَ مني خالدٌ مجدداً، بينما كانَ والديَ يُودِّعُ الضيوفَ.

"يا ابنةَ الشيخِ،" قالَ، "لقد رأيتُ فيكِ شيئاً نادراً. إنّ الروحَ القويةَ التي تتجلى في عملِكِ، هي نفسها الروحُ التي تُحافظُ على استقرارِ العائلةِ، وعلى سلامةِ المجتمعِ."

"شكراً لكَ،" قلتُ، "كلماتكَ تُشجعني."

"لا تُشجعي، بل كوني،" قالَ، "كوني ما أنتِ عليهِ، بقوةٍ وصبرٍ. فالحياةُ كالنهرِ، تأتي بالأحداثِ وتذهبُ، ولكنّ الصخورَ العميقةَ هي التي تبقى ثابتةً. وأنتِ، يا ليلى، تبدينَ لي صخرةً عميقةً."

ابتسمتُ، وأنا أشعرُ بصدقِ كلماته. "أتمنى أن أكونَ كذلكَ."

"وسأكونُ هنا،" قالَ، "إن احتجتِ شيئاً. فالحقُّ، كما ذكرتُ لكِ، يحتاجُ إلى من يُراقبهُ، ويُحافظُ عليهِ."

قالَ ذلكَ، ثمّ ألقى عليَّ نظرةً أخيرةً، تحملُ وعداً غامضاً، وانصرفَ. تركتني كلماته تلكَ، وابتسامتهُ الخفيفةُ، ونظرتُهُ العميقةُ، معَ مزيجٍ من الحيرةِ والفضولِ، ومشاعرَ بدأتْ تتفتحُ في قلبي، لم أكنْ أفهمُها تماماً. لقد دخلَ هذا الرجلُ حياتي كضيفٍ، ولكنّهُ بدا وكأنّهُ أصبحَ جزءاً من قصةٍ أكبرَ، قصةٍ بدأتْ تتشكلُ خيوطها الأولى في تلكَ الليلةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%