زوجي الأمير
ريحٌ مُغيّرةٌ في فضاءٍ قديمٍ
بقلم ليلى الأحمد
كانَ الصباحُ يرتدي حُلّةَ الهدوءِ الممزوجِ بالحذرِ. بعدَ ليلةِ استقبالِ الضيوفِ، وبعدَ انتهاءِ النقاشاتِ الحكيمةِ التي قادها والديَ معَ الشيخِ خالدٍ، كانَ شعورٌ بالثقةِ قد بدأَ يتسربُ إلى نفوسِ أهلِ القبيلةِ. لقد أتى خالدٌ كضيفٍ، ولكنْ بذكائهِ وحكمتهِ، بدا وكأنهُ يحملُ معه حلولاً لا نراها، ويوجهُ أمورنا نحو مسارٍ لم نكنْ نتوقعهُ.
كنتُ جالسةً في حديقةِ بيتنا، أتفحصُ كتاباً قديماً عن الأعشابِ الطبيةِ. أحببتُ دائماً دراسةَ النباتاتِ، وقدرتها على الشفاءِ. رائحةُ الزعترِ البريِّ كانتْ تملأُ المكانَ، ممزوجةً بنقاءِ الهواءِ الصباحيِّ. فجأةً، سمعتُ وقعَ أقدامٍ على الترابِ، صوتٌ مألوفٌ، ولكنْ لم أكنْ أتوقعُ أن أسمعهُ بهذا القربِ.
رفعتُ بصري، فرأيتُ خالدٍ يقتربُ مني، بملابسهِ العربيةِ الأنيقةِ، وبابتسامتهِ الهادئةِ التي لم تفارقْ وجههُ. كانَ يحملُ بيدهِ صينيةً صغيرةً من الخشبِ، عليها كوبانِ من القهوةِ العربيةِ، وبعضُ التمورِ الفاخرةِ.
"صباحُ الخيرِ، يا ليلى،" قالَ، وصوتهُ يحملُ نفسَ الهدوءِ الذي يلفُّ روحهُ. "يبدو أنّكِ تجدينَ راحتكِ بينَ هذهِ الأعشابِ."
"صباحُ النورِ، يا شيخَ خالدٍ،" أجبتُ، وأنا أحاولُ ترتيبَ الكتبِ بسرعةٍ. "نعم، إنّها عالَمي الخاصُّ."
"عالمٌ جميلٌ،" قالَ، واضعاً الصينيةَ على الأرضِ بيننا. "كلُّ نبتةٍ تحملُ في طياتها سراً، وقوةً."
"تماماً كما تفعلُ أنتَ،" قلتُ، دونَ قصدٍ، ثمّ تراجعتُ قليلاً، أشعرُ بأنّي تجاوزتُ الحدودَ.
ابتسمَ، ولم يظهرْ عليهِ أيُّ انزعاجٍ. "ربما. ولكنّني ما زلتُ أتعلمُ من كلِّ كائنٍ، ومن كلِّ لقاءٍ."
جلستُ بجانبهِ، وشعرتُ بدفءٍ غريبٍ يتدفقُ من وجودهِ. كانَ يجلسُ بقربي، ولكنْ لم يكنْ هناكَ أيُّ توترٍ، بل راحةٌ غريبةٌ.
"لقد رأيتُ اهتمامَكِ بالكتبِ،" قالَ، "فهل لديكِ شغفٌ بالمعرفةِ؟"
"نعم، جداً،" أجبتُ بحماسٍ. "أحبُّ أن أتعلمَ عن كلِّ شيءٍ، عن تاريخِنا، عن ثقافتِنا، عن ماضينا وحاضرِنا."
"هذا شيءٌ رائعٌ،" قالَ، وهو يتناولُ كوباً من القهوةِ. "فالمعرفةُ هي مفتاحُ القوةِ. ومن يمتلكُ المعرفةَ، يمتلكُ القدرةَ على التغييرِ."
"ولكنْ، كيفَ يمكنُ لنا أن نُغيرَ ما يبدو لنا ثابتاً؟" سألتُ، متذكراً قسوةَ الظروفِ التي مررنا بها. "الهجومُ، الخوفُ، الظلمُ..."
"الظلمُ ليسَ أبداً ثابتاً، يا ليلى،" قالَ، وهو ينظرُ في عينيَّ مباشرةً. "إنّهُ كغيومٍ عابرةٍ، قد تُغطّي على الشمسِ لفترةٍ، ولكنّها لا تستطيعُ إطفاءَ نورها أبداً. وما نحتاجُ إليهِ هو الصبرُ، والحكمةُ، والأملُ. والأهمُّ من ذلكَ، هو العودةُ إلى جذورِنا، إلى ما يُشكلُ هويتنا وقوتنا."
"وما هي جذورُنا، برأيكَ؟" سألتُ، أشعرُ بأنّني أتعلمُ منهُ أكثرَ مما تعلمتُ من كلِّ الكتبِ.
"جذورُنا هي قيمُنا،" أجابَ، "شرفُنا، كرمُنا، إخلاصُنا، صبرُنا، إيمانُنا. إنّها الأشياءُ التي لا يمكنُ لأحدٍ أن ينتزعها منا، حتى لو حاولَ."
تحدثَ بكلماتٍ جعلتني أشعرُ بأنّي أفهمُ معنىً جديداً للشرفِ، ولمعنى القوةِ. لم تكنْ القوةُ في العضلاتِ، بل في ثباتِ المبادئِ، وفي نقاءِ الروحِ.
"أتساءلُ،" قلتُ، "لماذا أنتَ هنا، يا شيخَ خالدٍ؟ ما الذي جعلكَ تأتي إلى أرضِنا في هذا الوقتِ بالذاتِ؟"
تغيرتْ تعابيرُ وجههِ قليلاً، وأصبحَ أكثرَ جديةً. "لقد سمعتُ عن الظلمِ الذي يقعُ في هذهِ المنطقةِ. وعن بعضِ القوى التي تحاولُ السيطرةَ على أراضٍ ليستْ لها. وبما أنّني مهتمٌّ باستقرارِ هذهِ المنطقةِ، رأيتُ أن أُشارككم الرأيَ، وأن أُقدمَ ما لديَّ من خبرةٍ."
"وهل تعتقدُ أنّ الأمورَ يمكنُ أن تتحسنَ؟" سألتُ، أبحثُ عن بصيصِ أملٍ.
"كلُّ شيءٍ يمكنُ أن يتحسنَ، يا ليلى،" قالَ، "إذا كانَ هناكَ من يُريدُ ذلكَ حقاً. ولكنّ الأمرَ يتطلبُ جهداً، وصبراً، وتضحيةً. ويتطلبُ أيضاً، أن نتمسكَ بشرفِنا، وبمبادئنا، وأن لا نسمحَ لأحدٍ بزعزعةِ إيماننا."
نظرَ إليَّ طويلاً، وكأنهُ يقرأُ ما في داخلي. "أشعرُ بأنّكِ تفهمينَ ما أقولُ. وأنّكِ تمتلكينَ روحاً قويةً، قادرةً على مواجهةِ التحدياتِ."
"أنا فقط أحاولُ أن أفهمَ،" قلتُ، "وأن أكونَ مفيدةً. فهذا هو واجبي، تجاهَ عائلتي، وتجاهَ قبيلتي."
"وهذا واجبٌ نبيلٌ،" قالَ، ثمّ مدَّ يدهُ ليُمسكُ بيدي. كانتْ يدهُ دافئةً، قويةً، وحنونةً. "تذكري دائماً، يا ابنةَ الشيخِ، أنّ الشرفَ هو أثمنُ ما نملكُ. فبمجردِ أن يُفقدَ، يصبحُ كلُّ شيءٍ آخرَ بلا معنى."
كانَ لمسُ يدهِ لي، ولحظةُ التواصلِ تلكَ، مؤثرةً بشكلٍ كبيرٍ. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ عابرٍ، بل شعرتُ بأنّ هناكَ شيئاً أعمقَ، شيئاً يربطُ بيننا. كانَ يتحدثُ عن الشرفِ، ولكني شعرتُ وكأنّهُ يتحدثُ عن قلبي، عن روحي.
"سأحاولُ أن أتذكرَ دائماً،" قلتُ، وصوتي يكادُ يختنقُ.
"وأنا سأكونُ هنا،" قالَ، "لأُذكركِ، ولأُساعدكِ، إن احتجتِ."
نهضَ، ثمّ ألقى عليَّ نظرةً أخيرةً، نظرةً تحملُ وعداً، وشيئاً من العاطفةِ التي لم أستطعْ تفسيرها. تركني وحدي في الحديقةِ، ولكنّني لم أشعرْ بالوحدةِ. لقد دخلَ هذا الرجلُ حياتي كضيفٍ، ولكنّهُ بدأَ يُشكلُ فيها دوراً أكبرَ، دوراً لا أستطيعُ فهمهً تماماً، ولكنهُ يُثيرُ في نفسي مشاعرَ قويةً، لم أعهدها من قبلُ.