زوجي الأمير
همس الرمال المتأججة
بقلم ليلى الأحمد
ارتعش قلب فاطمة كفراشة حبست في إناء زجاجي، حينما استقر بصره على إطار الصورة. لم يكن مجرد إطار، بل كان نافذة إلى زمن مضى، زمن اختلطت فيه رائحة البخور بضحكات الأبناء، وصوت الأذان بآيات القرآن. كانت صورة والدها، الأمير الراحل، يبتسم ابتسامة تشع حكمة وهيبة، وفي يده عقال، كأنه يمسك بزمام مملكة من الماضي. لكن ما ألهب حماها، وأشعل نار الشك في جوفها، هو الظل الخافت الممتد خلف والدها، ظل رجل آخر، ملامحه مغبشة، لكنه كان يقف في موقف يوحي بالتقرب، بل، بالشراكة. من هذا الرجل؟ ولماذا لم يذكر اسمه في أي من القصص التي سمعتها عن عصر والدها الذهبي؟
"ماذا تنظرين إليه يا صغيرتي؟"
كان صوت جدتها، الشيخة هند، كوشوشة الريح بين سعف النخيل. انتبهت فاطمة، وأدارت وجهها نحوها، وحاولت أن تخفي اضطرابها. "لا شيء يا جدتي، مجرد أن هذه الصورة قديمة جدًا. هل هذه هي أرض قصركم؟"
تنهدت الشيخة هند، وجلست بجوارها على الأريكة الوثيرة، تضع يدها الحانية على كتف فاطمة. "آه يا ابنتي، هذه الصورة ليست مجرد قطعة من الماضي، بل هي قطعة من أرواحنا. هذا هو جدي، الأمير سيف، وابنه الأكبر، الأمير ذياب. كانا روحًا واحدة في جسدين، يحكمان هذه الأرض بحب وعدل."
"الأمير ذياب؟" تكررت الكلمة على لسان فاطمة، وشعرت ببرودة تسري في عروقها. لم تكن تعرف أي شيء عن أمير بهذا الاسم. كلما قرأت عن تاريخ بلادها، كان التركيز ينصب على الأمير سيف، ثم على عمها، الأمير خالد، الذي تولى الحكم بعد وفاة أخيه. أين اختفى ذكر الأمير ذياب؟ هل كان هناك تنافس مخفي؟ صراع على السلطة لم تتحدث عنه الكتب؟
"نعم يا ابنتي، الأمير ذياب. كان ذا شخصية قوية، وحكيمًا لا يجارى. لكن قدر الله كان أقوى. ابتلاه الله بمرض عضال، وأنزل عليه سخطًا من السماء. خسر كل شيء، وبات يصارع هوى نفسه في دروب مظلمة."
كلمة "هوى النفس" و "دروب مظلمة" رنت في أذني فاطمة كصيحة إنذار. هل كان هذا الأمير ذياب هو ما تشير إليه جدتها بخفية؟ هل كان الأمير الذي انجرف وراء شهواته، وفقد مجده، كما تلمح جدتها أحيانًا في أحاديثها عن "عصا الغرور" و "ضلال الطريق"؟
لقد أصبحت تفهم الآن. كانت جدتها تتحدث عن عائلة أخرى، عن فرع من العائلة ربما تم تجاهله، أو تم تغطيته بقصص أخرى. هل كانت تعني أن جلالة الملك، زوجها، هو سليلة هذا الأمير ذياب؟ هل كان هذا السر الذي لا تبوح به جدتها علانية؟
"لكن… لماذا لم يذكر اسمه كثيرًا؟" سألت فاطمة بتردد، تشعر بأنها تخوض في بحر لا قرار له.
نظرت الشيخة هند إلى الخارج، إلى الأفق البعيد الذي احتضنه لون الغروب. "بعض القصص يا ابنتي، تكون مؤلمة جدًا، فتفضل العائلات أن تدفنها في أعماق الزمن. الأمير ذياب… كان صراعه مع نفسه شديدًا، ولم يكن لديه القدرة على تجاوز إغراءات الحياة. لكن رغم كل ذلك، كان يحمل في قلبه حبًا عميقًا لهذه الأرض ولأهله."
كانتكلمات جدتها أشبه بقطرات ماء تروي عطش فضولها، لكنها في الوقت ذاته، كانت تثير فيها المزيد من الأسئلة. إذا كان جلالة الملك هو سليل الأمير ذياب، فهذا يعني أن هناك تاريخًا معقدًا يربط بينهما. هل كان هذا هو السر الذي يفسر التردد أحيانًا في عيني جلالة الملك؟ هل كان هناك ثقل من الماضي يحمله على كاهله؟
"وماذا حدث له؟" سألت فاطمة، وصوتها يرتجف قليلاً.
"توفاه الله، تاركًا وراءه جرحًا عميقًا في قلوبنا." قالت الشيخة هند، وعيناها تلمعان بدموع لم تجف. "لكن… القدر له حكمة. ربما أراد الله أن يعيد الأمور إلى نصابها. أنتِ يا فاطمة، جئتِ إلى هنا كنسيم بارد يلطف حرارة ماضٍ متأجج. ربما أنتِ تحملين في قلبكِ النقاء الذي يمكن أن يشفي جراح السنين."
كانت هذه الكلمات تشبه وعدًا، وتهمة في آن واحد. وعد بأنها قد تكون جزءًا من الحل، وتهمة بأنها قد تكون هي نفسها جزءًا من المشكلة إن لم تحسن التصرف. شعرت فاطمة بثقل مسؤولية هائلة تقع على عاتقها. إن فهم تاريخ زوجها، وفهم هذا السر العائلي، أصبح واجبًا مقدسًا، وليس مجرد فضول.
في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات تقترب. استدارت لتجد جلالة الملك يقف على عتبة الغرفة، وقد ارتدى ملابسه الرسمية، جاهزًا للقاءات المسائية. ابتسم لها ابتسامة دافئة، لكن عينيها لاحظتا ظلًا خاطفًا من التوتر خلف تلك الابتسامة.
"هل تسمحون لي أن آخذ زوجتي؟ لدينا بعض الأمور التي يجب أن نناقشها." قال جلالة الملك، وعيناه معلقتان بفاطمة.
أومأت الشيخة هند برأسها، وقالت بصوت فيه دفء: "خذها يا بني، لكن تذكر أن الحديث عن الماضي قد يكون مفتاحًا للحاضر والمستقبل."
خرجت فاطمة مع جلالة الملك، وقلبها لا يزال يدق بسرعة. أمسك بيدها، وشعرت ببرودتها. "هل كل شيء على ما يرأس؟" سأل بصوت خافت.
"نعم يا جلالة الملك، لكن… ألا تشعر أحيانًا بثقل الماضي؟" سألت فاطمة، وعيناها تبحثان عن إجابة في عينيه.
تنهد جلالة الملك، وعصر يدها برفق. "الماضي يا فاطمة، هو أرض نزرع فيها الحاضر، ونجني ثمار المستقبل. لكن بعض الأرض، تكون تربتها صعبة، مليئة بالأشواك."
لم يستطع جلالة الملك أن يقول المزيد، فقد وصلوا إلى قاعة الاستقبال، حيث ينتظره ضيوفه. لكن كلمات الشيخة هند، وصورة الأمير ذياب، وظل الرجل الغامض، كل ذلك أصبح يشكل لغزًا معقدًا بدأ يتكشف أمام عيني فاطمة. أدركت أن زواجها ليس مجرد ارتباط شرعي، بل هو رباط يمتد بجذوره في أعماق تاريخ لم تكن تعرف منه سوى القشور. كانت تشعر بأنها على أعتاب اكتشاف شيء عظيم، أو شيء مؤلم. وربما، كلاهما معًا.
أخذ جلالة الملك بيدها، وقاداها إلى القاعة. كان هناك رجال يتصافحون، وتفوح رائحة العود المعتق. لكن فاطمة لم تكن ترى إلا ظل الرجل الغامض في صورة والدتها. من هو؟ وما هو دوره في تاريخ هذه العائلة؟ وهل كان جلالة الملك يحمل جزءًا من إرث هذا الرجل، إرث لم يكن كله مشرقًا؟
همس الرمال المتأججة، التي تحدثت عنها جدتها، بدأت تتطاير حولها، تحمل معها أسرارًا وتحديات. لقد أصبحت قناعة بأن زواجها من جلالة الملك ليس نهاية القصة، بل هو بداية لفصل جديد، فصل مليء بالغموض، بالحب، وربما… بالخطر.