زوجي الأمير
بين زخارف الماضي وأحلام الغد
بقلم ليلى الأحمد
كانت فاطمة تتقلب في فراشها، وعيناها تحدقان في سقف الغرفة المزخرف بالنقوش الذهبية. كل نقش كان قصة، وكل خط كان رمزًا، وكل لون كان نغمًا من ألحان الزمن. لكن في تلك الليلة، لم تكن زخارف القصر تسمعها، بل كانت صدى كلمات جدتها يتردد في أذنيها: "كان صراعه مع نفسه شديدًا، ولم يكن لديه القدرة على تجاوز إغراءات الحياة."
لم تكن تعرف شيئًا عن "إغراءات الحياة" التي تحدثت عنها الشيخة هند، لكنها كانت تشعر بأن هناك قوة خفية، قوة مظلمة، قد تكون قد سيطرت على الأمير ذياب، وجعلته يفقد طريقه. هل كانت تلك الإغراءات مالًا؟ سلطة؟ شهوات؟ أم شيئًا أكثر خفية، شيئًا يتغلغل في الروح كسم بطيء؟
"جلالة الملك… الأمير ذياب… هل كانا متشابهين؟" تساءلت في نفسها، والشعور بالبرد يسيطر عليها. لا، لم يكن جلالة الملك متشابهًا. كان أسمى، وأكثر نزاهة. كان يسعى دائمًا إلى فعل الصواب. لكن، هل كان يحمل نفس الضعف؟ نفس القابلية للسقوط؟
تذكرت نظرة جلالة الملك حينما سألته عن ثقل الماضي. كانت نظرة تحمل حزنًا عميقًا، حزنًا لم تفهم مصدره. هل كان ذلك الحزن مرتبطًا بجد جده؟ هل كان يحمل في دمه إرثًا ثقيلًا من الصراع؟
لقد أصبح الأمر بالنسبة لها أشبه بلعبة شطرنج، حيث كل قطعة لها دور، وكل حركة لها معنى. كانت هي قطعة جديدة على الرقعة، وكان عليها أن تفهم قواعد اللعبة جيدًا قبل أن تتحرك.
صوت أذان الفجر اخترق سكون الليل، داعيًا إلى الصلاة. قامت فاطمة، وتوضأت، وجلست على سجادة صلاتها. رفعت يديها، ودعت ربها أن يلهمها الصواب، وأن يحميها من كل سوء. "اللهم أنت الأعلم، بك أستجير، بك أتوكل."
بعد الصلاة، ذهبت إلى المطبخ، حيث اعتادت أن تشرب كوبًا من الشاي قبل أن يبدأ يومها. وجدت الخادمة، أمينة، تحضر الفطور. ابتسمت فاطمة لها، وقالت: "صباح الخير يا أمينة."
"صباح النور يا ست فاطمة. هل نمتِ جيدًا؟" سألت أمينة، وعيناها تبحثان في وجهها عن أي تعب.
"الحمد لله. هل يمكن أن تحضري لي كوبًا من الشاي بالنعناع؟"
"بالتأكيد."
جلست فاطمة في فناء القصر، تحت شجرة الليمون، وتنفست عبير الهواء المنعش. كانت تفكر في كل شيء. في الماضي الذي بدأ يتكشف، وفي الحاضر الذي تعيشه، وفي المستقبل الذي يرجوه.
فجأة، سمعت صوتًا قويًا، صوتًا لم تسمعه من قبل في هذا القصر الهادئ. اقتربت من مصدر الصوت، فوجدت جلالة الملك يتحدث في الهاتف، وبصوت فيه غضب مكبوت.
"لا يمكنني أن أوافق على هذا! هذا يتجاوز كل الحدود!" كان يقول، وتعبير وجهه يدل على غضب شديد. "لقد حذرتكم مرارًا وتكرارًا! لا تستهينوا بقدرتي على اتخاذ القرارات."
شعرت فاطمة بالخوف. لم تر جلالة الملك بهذه العصبية من قبل. من كان يتحدث معه؟ وما هو الأمر الذي أثار غضبه إلى هذا الحد؟
لم ترد أن تقاطعه، فجلست على مقربة، وحاولت أن لا تبدو فضولية. لكن كلماته كانت كالصواعق التي تضرب قلبها.
"هذه ليست مزحة! هذه سمعة العائلة! سمعة هذه البلاد!"
توقف جلالة الملك عن الكلام لحظة، وكأنه يستمع إلى الطرف الآخر. ثم عاد ليقول: "أنا مسؤول عن قراراتي، ولن أسمح لأي شخص بالتدخل في شؤون بلادي. إذا استمر هذا الوضع، فستكون هناك عواقب وخيمة."
أغلق جلالة الملك الهاتف، ووجهه محمر، وعضلات فكه مشدودة. تنفس بعمق، ثم أدار وجهه ليرى فاطمة. بدا وكأنه يتفاجأ بوجودها.
"فاطمة… لم أكن أعرف أنكِ هنا."
"أنا آسفة، لم أكن أرغب في الإزعاج." قالت فاطمة بصوت خافت.
اقترب منها جلالة الملك، ووضع يديه على كتفيها. "ليس إزعاجًا. بل… أنا آسف لأنكِ اضطررت لسماع هذا."
"ماذا حدث؟" سألت فاطمة بتردد.
نظر جلالة الملك إلى الأفق، وتنهد. "هناك… بعض الأطراف تحاول استغلال الوضع. استغلال ضعف معين… أو ربما استغلال تاريخ قديم."
كانت هذه الكلمات أشبه بإشارة. هل كان يتحدث عن الأمير ذياب؟ عن ضعف ما كان يحمله؟ هل كان هناك من يحاول استغلال إرث هذا الأمير؟
"هل الأمر متعلق… ببعض الأشخاص الذين يحاولون الحصول على شيء لا يخصهم؟" سألت فاطمة، وتحاول أن تكون حذرة.
ابتسم جلالة الملك بمرارة. "بالضبط. هناك من يعتقد أن ضعف الماضي يمكن أن يكون نقطة ضعف للحاضر. لكنهم مخطئون."
"وما هو هذا الضعف؟" سألت، وقلبها يدق بقوة.
"الماضي يحمل دروسًا يا فاطمة. دروسًا تجعلنا أقوى، لا أضعف. هناك من يعتقد أن بعض إغراءات الحياة يمكن أن تقضي على الرجال. لكنهم ينسون أن هناك رجالًا يتحملون المسؤولية، ويقاومون. هناك من لا يستسلم."
هل كان يتحدث عن نفسه؟ هل كان يدرك أنه قد يكون لديه نفس الضعف الذي أصاب جده؟
"وأنت… هل أنت قوي؟" سألت فاطمة، بعينيها الشفافة.
نظر جلالة الملك إليها، وفي عينيه لمعة حنان. "أنا أحاول أن أكون كذلك. أحاول أن أكون الأفضل. لأجلكِ… ولأجل هذه البلاد."
شعر جلالة الملك بيد فاطمة تلامس يده. "أنا أثق بك يا جلالة الملك. وأعلم أنك ستتجاوز أي صعاب."
كانت كلماتها كبلسم على جرح مفتوح. عاد الهدوء إلى وجه جلالة الملك، واختفى الغضب. "شكرًا لكِ يا فاطمة. وجودكِ معي يمنحني قوة لا أجدها في أي مكان آخر."
أخذ يدها، وقادها إلى الداخل. "دعنا ننسى هذا الأمر مؤقتًا. لدينا يوم طويل أمامنا."
لكن فاطمة لم تستطع أن تنسى. كانت تعلم الآن أن هناك صراعًا يدور، صراعًا لم يعد خفيًا. صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين قوة الماضي وضعف الحاضر. وكانت هي، كزوجة لهذا الأمير، جزءًا لا يتجزأ من هذا الصراع.
ذهبت فاطمة إلى جناحها، وبدأت تجهز نفسها ليوم جديد. أمسكت بمفتاح صغير، كان قد أهدته إياها جدتها. مفتاح قديم، مزين بالنقوش. تذكرت كلمات جدتها: "ربما أنتِ تحملين في قلبكِ النقاء الذي يمكن أن يشفي جراح السنين."
هل كانت مجرد كلمات؟ أم كانت إشارة إلى دورها؟ هل كانت ستكون هي من تستطيع أن تعالج هذا الجرح القديم؟ جرح الأمير ذياب، وجرح هذه العائلة؟
نظرت إلى انعكاسها في المرآة. وجه شاب، لكن عينين تحملان نظرة امرأة أصبحت أكثر نضجًا، وأكثر وعيًا. الرمال المتأججة بدأت تتطاير حولها، تحمل معها رياح التغيير. وكانت مستعدة لمواجهة أي عاصفة.