زوجي الأمير
همسات الماضي وسرّ الأميرة
بقلم ليلى الأحمد
تسللت خيوط الفجر الأولى لتلقي بظلالها الخجولة على أروقة قصر "الذهب المترامي"، مستيقظةً الأميرة "ليلى" على صدى صوتٍ خفيٍّ اخترق سكون الليل. لم يكن صوتًا عاديًا، بل كان أشبه بتنهيدةٍ متقطعة، كأنها تستجدي الهواء ليلتقط أنفاسها. نهضت من فراشها الوثير، وقلبها يخفق بقوة، لا تعلم ما الذي أزعج نومها. اتجهت بخطواتٍ خفيفة نحو الباب، مسترشدةً بوهج القمر المتبقي، لتجد السيدة "أمينة"، مربيتها العتيقة، جالسةً على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم، ودموعٌ تجري بصمتٍ على خديها المجعدين.
"أمينة؟" نادتها ليلى بصوتٍ حنون، هامسةً كأنها تخشى إيقاظ عالمٍ كامل. "ما بالكِ؟ هل أنتِ بخير؟"
ارتجفت السيدة أمينة، ورفعت رأسها ببطء، وعيناها ترنوان إلى ليلى بحزنٍ عميق. "لا شيء يا ابنتي، مجرد ذكرياتٍ قاسيةٍ ألحت عليّ في سكون الليل."
جلست ليلى بجوارها، ووضعت يدها على يدها المرتعشة. "تحدثي إليّ يا أمينة، لعلكِ تجدين في فضفضتكِ راحةً لقلبك."
تنهدت السيدة أمينة بعمق، ثم بدأت تروي قصةً قديمة، قصةً لم تسمعها ليلى من قبل، قصةً تتعلق بشقيقة والدتها، الأميرة "فاطمة"، التي اختفت في ظروفٍ غامضةٍ قبل سنواتٍ طوال، تاركةً وراءها فراغًا لا يمكن سده. "كانت الأميرة فاطمة روحًا مشرقةً، قلبها كأنه بلسمٌ يداوي الجراح، وعقلها سماءٌ تتلألأ بنجوم الحكمة. أحبها الجميع، وكان ولي العهد، الأمير "خالد"، يعشقها عشقًا لم تشهده الأعين. ثم في ليلةٍ عاصفة، اختفت. لم نجد لها أثرًا، كأن الأرض ابتلعتها."
كانت ليلى تستمع بذهولٍ، صورٌ غريبةٌ بدأت تتشكل في ذهنها، كقطعٍ مبعثرةٍ من أحجيةٍ كبيرة. كلما سمعت عن الأميرة فاطمة، شعرت بنوعٍ غريبٍ من الألفة، كأنها تعرفها منذ زمنٍ بعيد. "هل كانت هناك أي شبهاتٍ يا أمينة؟ أي شيءٍ يمكن أن يشير إلى مصيرها؟"
"الهمسات كانت كثيرة، والظنون تتكاثر كالحشرات في الظلام،" قالت السيدة أمينة بصوتٍ متعب. "لكن لا شيء قاطع، لا دليل. بعضهم قال إنها هربت مع حبٍ قديم، وبعضهم قال إنها تعرضت لمكيدةٍ، وآخرون زعموا أنها وقعت ضحيةً لسحرٍ أسود."
أحست ليلى بشيءٍ يتحرك في أعماقها، شعورٌ بالظلم، ورغبةٌ دفينةٌ في كشف الحقيقة. كانت والدتها، الأميرة "زبيدة"، شقيقة الأميرة فاطمة، دائمًا ما تتجنب الحديث عن أختها، وكان ذلك بحد ذاته يثير الشكوك. شعرت بأن هذا السرّ لا يتعلق فقط بالأميرة فاطمة، بل ربما يمسّ حاضرها ومستقبلها، ويرتبط بشكلٍ ما بزواجها الوشيك من الأمير "أحمد"، ولي العهد.
في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، وبينما كانت ليلى في حديقة القصر، تشاهد فراشاتٍ ملونةً تتراقص بين الزهور، اقترب منها الأمير أحمد. كان وجهه يتسم بالود، وعيناه تحملان بريقًا خاصًا حين يراها.
"صباح الخير يا روح الروح،" قال بصوتٍ دافئ، وهو يقدم لها وردةً حمراء قانية.
ابتسمت ليلى، وأخذت الوردة. "صباح النور يا أمير. تبدو كأنك تقرأ أفكاري، كنت أفكر فيك."
ضحك أحمد برقة. "ربما نحمل في قلوبنا نفس الهموم، أو ربما تتجلى مشاعرنا في تناغمٍ عجيب. هل ما زلتِ تفكرين في ترتيبات حفل الزواج؟"
ترددت ليلى للحظة، ثم قررت أن تخوض في غمار هذا السرّ الجديد. "أحمد، هل سبق لك أن سمعت عن الأميرة فاطمة؟ شقيقة والدتي؟"
تغير تعبير وجه الأمير أحمد قليلاً، اختفت الابتسامة لتحل محلها لمحةٌ من الحزن. "بالتأكيد. كانت كالنجمة الساطعة، ثم انطفأت. كان اختفاؤها صدمةً كبيرةً للعائلة، وبالأخص لجدتي، والدة والدتك. كان الحزن يخيم على القصر لسنوات."
"هل تعرف شيئًا عن ظروف اختفائها؟ أي تفاصيل؟" سألت ليلى بلهفة، وهي تراقب ردود فعل أحمد عن كثب.
نظر إليها أحمد بعمق، ثم قال بصوتٍ هادئ: "لقد كان الأمر غامضًا جدًا. لم يظهر أي دليلٍ قاطعٍ أبدًا. تداولت الألسن الكثير من القصص، لكن لا شيء مؤكد. كان الأمر أشبه بضبابٍ كثيفٍ يحجب الحقيقة. ما الذي يجعلكِ تسألين عن الأميرة فاطمة الآن يا ليلى؟"
شعرت ليلى بأنها لا تستطيع الكشف عن كل شيءٍ دفعةً واحدة. "لا شيء معين، مجرد فضول. بما أننا سنتزوج، وشخصيات العائلة ستصبح جزءًا من حياتي، أردت أن أتعرف على الجميع، حتى من رحلوا."
أومأ أحمد برأسه متفهمًا. "أتفهم ذلك. سأخبركِ بما أعرفه، لكن ربما يكون من الأفضل أن تتحدثي إلى والدتكِ مباشرةً. ربما لديها بعض الذكريات التي يمكن أن تشاركها معكِ."
كانت هذه الكلمات كفيلةً بإشعال المزيد من الشكوك في قلب ليلى. لماذا تتجنب والدتها الحديث عن شقيقتها؟ هل تخفي شيئًا؟ أو ربما تخاف؟
في المساء، وبينما كانت العائلة مجتمعةً على مائدة العشاء، لاحظت ليلى نظرات والدتها المتعبة، والتزامها الصمت غالبًا، وكأنها تحمل عبئًا ثقيلًا. بعد العشاء، حاولت ليلى الاقتراب من والدتها.
"يا أمي، هل لي ببعض الوقت معكِ؟" قالت ليلى برفق.
جلست والدتها بجانبها على أريكةٍ مخملية، في غرفةٍ منعزلةٍ عن ضوضاء القصر. "بالطبع يا بنيتي، ماذا تريدين؟"
"أمي، لقد تحدثت اليوم مع السيدة أمينة، وذكرت لي الأميرة فاطمة، شقيقتكِ. شعرت أن هناك الكثير مما لم أعرفه عنها. هل يمكنكِ أن تحدثيني عنها؟"
تصلبت والدة ليلى للحظة، ثم استنشقت الهواء بعمق. "فاطمة؟ إنها ذكرى مؤلمة يا ليلى. كانت أجمل ما في حياتي، ثم أخذها القدر. لم تعد موجودة."
"لكن كيف؟ أين؟" سألت ليلى بصبر.
"الظروف غامضة، كما تعلمين. اختفت دون أن تترك أثرًا. كان ذلك في زمنٍ مضى، ولا فائدة من العودة إلى الماضي."
"لكن يا أمي، ألا تشعرين بأن هناك شيئًا مفقودًا؟ ألا ترغبين في معرفة الحقيقة؟"
نظرت والدة ليلى إلى ابنتها بعينين زائغتين، وكأنها ترى شبحًا من الماضي. "الحقيقة، يا ليلى، قد تكون أحيانًا أشد إيلامًا من الجهل. لا أريد أن أفتح جروحًا قديمة. فلنركز على حاضركِ ومستقبلكِ، على زواجكِ المبارك."
شعرت ليلى بأن والدتها تخفي شيئًا ما، سرًا لا تستطيع البوح به، وربما كان هذا السرّ مرتبطًا بشكلٍ وثيقٍ باختفاء الأميرة فاطمة، وبمستقبل العائلة الملكية بأكملها. شعرت بأن رحلتها لكشف الحقيقة قد بدأت للتو، وأن الأميرة فاطمة، الأخت الضائعة، تحمل مفتاحًا مهمًا لحاضرها.
في تلك الليلة، وقبل أن تغفو، لمعت في ذهنها فكرةٌ. ربما لم يكن اختفاء الأميرة فاطمة مجرد حادثٍ مؤسف، بل ربما كان هناك من خطط له، ومن كان له مصلحةٌ في إخفائها. وشعرت بشيءٍ من الخوف يتسلل إلى قلبها، لكن الرغبة في معرفة الحقيقة كانت أقوى.
انتهى الفصل على همساتٍ تحمل وعدًا بكشف أسرارٍ مدفونة، وربما بتغيير مسار حياتها ومستقبل العائلة الملكية.