حب وكرامة الجزء الثاني

صدى الندى في رياض الورد

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمة الفجر الندية تلفح وجنتيها برفق، حاملةً معها عبق الورد المخملي الذي يتفتح في بساتين منزل عائلتها الوارفة. جلست "نور" على عتبة الشرفة العتيقة، تلك التي شهدت آلاف الحكايات، نسجت منها جدتها قصصًا عن الحب والوفاء، وعن أيامٍ كانت فيها الحياة أبسط وأصفى. كانت تحمل في يديها إبريقًا نحاسيًا مزخرفًا، ومرشًّا صغيرًا، وراح قلبها يتأمل بتأملٍ عميقٍ زهرةَ ياسمينٍ متفتحةٍ، كأنما تبحث فيها عن سرٍ دفين.

نور، في ربيعها الخامس والعشرين، كانت كالياسمينة نفسها؛ نقية، رقيقة، وتفيضُ بعبيرٍ يأسر القلوب. عيناها بلون القهوة العربية، تحملان بريقًا من الحكمة والعطف، وشعرها الأسود الفاحم ينسدل كشلالٍ على كتفيها. لم تكن مجرد فتاةٍ جميلة، بل كانت روحًا شفافةً، تنبضُ بالقيم والتمسك بالدين، تتلو آيات القرآن صباح مساء، وتستمد من تدبره قوةً لا تلين.

كانت تلك اللحظة، لحظةً تتجلى فيها روحها بعمق. رفعت المرشَّ برفق، ورشت قطرات الندى على بتلات الياسمين، كأنما تواسيها أو تحدثها. كان هذا طقسها الصباحي، منذ أن كانت طفلةً. طقسٌ تعلمت فيه الصبر، والاعتناء، والتأمل في خلق الله.

فجأةً، انكسر الصمت بوقع خطىٍ سريعةٍ على الدرج الحجري. استدارت نور، ورأت والدتها "فاطمة"، وقد علت وجهها آثار القلق المعهود. فاطمة، سيدةٌ كريمةٌ، تجاوزت الخمسين، لكنها ما زالت تحتفظ بجمالٍ يشي بحسن التربية والتدين.

"نور يا ابنتي، ألم تنتهي بعد؟ وقت صلاة الضحى قد اقترب، والغداء سيُجهز قريبًا." قالت بصوتٍ فيه لمسةٌ من الاستعجال.

ابتسمت نور ابتسامةً هادئة، ووضعت المرشَّ جانبًا. "إنني أنهي يا أمي. هذه الزهرة تبدو متعطشةً اليوم."

"كلنا متعطشون يا نور. متعطشون للسكينة، وللأخبار الطيبة." لمست فاطمة ذراع ابنتها بحنانٍ، وعيناها تبحثان في وجهها عن شيءٍ لم تستطع البوح به.

لم تكن نور غافلةً عن الأحاديث التي دارت في الآونة الأخيرة، عن الخطب التي أتت وذهبت، وعن الأمل الذي كان يراود قلب والدتها في أن ترى ابنتها قد استقرت. لطالما كانت نور محور أحلام فاطمة، تزوجها رجلًا صالحًا، رجلًا يعينها على طاعة الله، ويصون كرامتها.

"أتذكرين يا أمي، عندما كنتِ تحدثينني عن قصص العشاق في روايات جدتي؟ عن الحب الذي يكون صادقًا، طاهرًا، لا تشوبه شائبة؟" قالت نور وهي تتجه نحو الداخل، تتبعها والدتها.

"أجل يا ابنتي. تلك القصص كانت تعلمنا معنى الوفاء، ومعنى الصبر الجميل." أجابت فاطمة بصدق.

"هل تعتقدين أن هذا الحب ما زال موجودًا في زمننا؟ الحب الذي يبدأ بنظرةٍ، ويتوج بكلمةٍ مقدسةٍ، ويكون أساسه المودة والرحمة؟" سؤالٌ بدا وكأنه يخرج من أعماق روحها، يحملُ تساؤلًا عريضًا عن مستقبل قلبها.

توقفت فاطمة للحظة، وعيناها تتأملان ابنتها بعمق. "يا نور، الحب الحلال هو أثمن أنواع الحب. هو هبةٌ من الله، يُمنح لمن يستحق، ومن يسعى إليه بقلبٍ نقيٍّ ونيّةٍ صادقة. لا يزال موجودًا، بل إنه أجمل وأبقى."

وصلا إلى غرفة الجلوس الرحبة، التي تتوسطها طاولةٌ خشبيةٌ عتيقةٌ، ووسائدٌ مطرزةٌ بألوانٍ زاهية. كانت الشمس قد بدأت تلقي بأشعتها الذهبية على المكان، مكسرةً ظلال الأثاث الفخم.

"ولكن يا أمي، كيف لي أن أعرف؟ كيف لي أن أميّز هذا الحب بين زحام الحياة، بين الكلمات التي قد تكون معسولةً ولكنها زائفة؟" سألت نور، وارتسمت على وجهها علامات الحيرة.

"القلب يا ابنتي، القلب هو بوصلتك. والقلب السليم لا يضل. انظري إلى الأفعال، إلى النوايا، إلى ما يخفيه المرء خلف ابتسامته. الرجل الصالح لا يتكلم كثيرًا، بل يفعل. ويبني. ويهتم. وهو لا يجعل حياتكِ إلا نورًا وسكينة." أردفت فاطمة وهي تجلس على إحدى الوسائد.

كانت نور تستمع بانتباه، لكن شيئًا ما كان يزعجها. في الأيام القليلة الماضية، كانت هناك لقاءاتٌ قد تمت، خطبٌ أُثيرت. شابٌ من عائلةٍ معروفةٍ، "أحمد"، كان قد أبدى رغبةً في الارتباط بها. بدا شابًا مهذبًا، له سمعةٌ طيبةٌ، لكن شيئًا في دواخلها كان يمنعها من الاستسلام الكامل. ربما كانت هي فقط تخاف من أن تخيب ظنون والدتها، أو تخاف من أن تندفع نحو قرارٍ قد لا يكون صائبًا.

"وماذا عن أحمد يا أمي؟ لقد تحدثتما كثيرًا." قالت نور، محاولةً أن تبدو طبيعيةً.

تنهدت فاطمة تنهيدةً خفيفة. "أحمد شابٌ طيبٌ، ونبيلٌ. عائلته كذلك. ولكن الاختيار النهائي لكِ يا نور. لا أريد أن أضغط عليكِ. أريد لكِ السعادة الحقيقية."

كانت تلك الجملة كافيةً لتزيد من حيرة نور. لقد أُعطيت الحرية، لكن مسؤولية هذا الاختيار كانت ثقيلةً. نظرت إلى النافذة، حيث كانت ترى بستان الياسمين المتلألئ، وتسمع زقزقة العصافير. تمنت لو أن بساطة هذه اللحظة تتجسد في حياتها، وتكون قراراتها بنفس الوضوح والجمال.

"ربما أحتاجُ لبعض الوقت يا أمي. لبعض الوقت للتفكير." قالت نور بصوتٍ خافت.

"خذي وقتكِ يا ابنتي. الأيام لا زالت طويلة." ابتسمت فاطمة، لكن نظرتها كانت تحملُ أملًا كبيرًا.

في تلك اللحظة، سمعا صوت والد نور، "عبد الرحمن"، وهو يناديهما من الخارج. كان عبد الرحمن رجلًا مهيبًا، له وقارٌ وعلمٌ، وكان يحب زوجته وابنته حبًا جمًا، ويعاملهما بالتقدير والاحترام.

"هيا بنا يا فتيات. لقد وصل ضيفٌ عزيزٌ." قال بصوتٍ جهوريٍّ.

"ضيفٌ؟ من يا ترى؟" تساءلت نور بفضول.

"لنرى." أجابت فاطمة وهي تقف، وساعدت نور والدتها على النهوض.

توجها نحو الباب الأمامي، قلبهما يمتلئ بالترقب. كان البيت دائمًا ما يستقبل الضيوف ببهجةٍ، لكن هذه المرة، كان هناك شعورٌ مختلفٌ في الهواء. شعورٌ بالانتظار، ربما، وانتظار شيءٍ جديدٍ ليبدأ.

كانت نور تسير بخطواتٍ ثابتة، لكن قلبها كان يخفقُ بسرعةٍ. كانت تحلمُ بيومٍ تكون فيه سعيدةً، يملؤه الحب الحلال، وتجد فيه الرفيق الصالح الذي يعينها على دينها ودنياها. هل كان هذا اليوم قريبًا؟ هل كان هذا الضيف هو المفتاح؟

فتحت فاطمة الباب، ليظهر أمامهم رجلٌ أنيقٌ، يقف شامخًا، بابتسامةٍ واسعةٍ ترتسم على محياه. كان رجلًا في الثلاثينات، ملامحه تحملُ الجدية واللطف معًا. وكان يبدو عليه أنه يعرفهم جيدًا.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال بصوتٍ عميقٍ ومرحّب.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." رد الثلاثة معًا.

لكن نور، فور أن وقع بصرها عليه، شعرت بشيءٍ غريبٍ. لم يكن أحمد. هذا الرجل لم تقابله من قبل، ولم تسمع عنه. لكن وجهه بدا مألوفًا بطريقةٍ ما، وكأنه خرج من أحلامها أو من سطور روايةٍ قديمةٍ.

"تفضّل يا أخي. البيت بيتك." قال عبد الرحمن بحرارة.

ودخل الضيف، بينما وقفت نور تشاهده، وعيناها مثبتتان عليه، وقلبها يشعرُ بشيءٍ من الارتباك، ممزوجٍ بفضولٍ شديد. هل كان هذا لقاءً عابرًا، أم أنه بدايةٌ لشيءٍ أكبر؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%