حب وكرامة الجزء الثاني
أثرُ الكلماتِ وهمساتُ الشك
بقلم فاطمة النجار
عادتْ هندٌ إلى منزلها ذلكَ المساءَ وشعورٌ مختلطٌ منَ التعبِ والرضا يملأُ قلبها. كانَ لقاءُ والدتها معَ فوازٍ ووالدتهِ قدْ جرى كما خططتْ لهُ، بل ربما أفضلَ مما كانتْ تتصور. لقدْ استطاعتْ، بحكمةٍ وصبر، أنْ تمنحَ والدتها الطمأنينةَ التي تحتاجها، وأنْ تُظهرَ للسيدةِ ليلى جانبًا منْ شخصيتها لم تكنْ تعرفهُ.
"والدتكِ كانتْ رائعةً يا هند." قالَ فوازٌ في مكالمتهِ معها تلكَ الليلة. "لقدْ شعرتُ براحةٍ كبيرةٍ وهيَ تتحدثُ معَ أمي. والدتي، رغمَ تحفظاتها، وجدتْ في كلامِ والدتكِ الكثيرَ منَ الهدوءِ والمنطق." "هذا جيدٌ يا فواز. أتمنى أنْ يكونَ هذا اللقاءُ قدْ زرعَ بعضَ بذورِ الثقة." "أنا متفائلٌ يا هند. أعتقدُ أنَّ أمي ستتحدثُ معَ عمتي. ربما تتغيرُ الأمورُ قليلًا."
ولكنَّ فوازًا لم يعرفْ أنَّ السيدةَ ليلى، رغمَ ما بدا عليها منْ تفهمٍ، كانتْ لا تزالُ تحتفظُ ببعضِ التحفظاتِ العميقة. فقدْ كانتْ عمتُهُ السيدةَ عواطفُ، وهيَ الشخصيةُ الأكثرُ تأثيرًا في العائلةِ فيما يتعلقُ بالزواجِ والنسب، قدْ أبدتْ معارضتها الشديدةَ منذُ البداية. كانتْ ترى في زواجِ فوازٍ منْ هندٍ تنازلًا عنْ مكانةِ العائلة، واختيارًا لزوجةٍ لا تنتمي إلى نفسِ الدائرةِ الاجتماعيةِ المرموقة.
في اليومِ التالي، اتصلتْ السيدةُ عواطفُ بالسيدةِ ليلى. كانتْ نبرتُها حادةً وصوتُها مليئًا بالغضبِ المكتوم. "يا ليلى، هلْ هذا ما أردتِ أنْ أسمعَهُ؟ أنَّ ابنَ أخي، الذي نخططُ لهُ مستقبلًا كبيرًا، يختارُ فتاةً منْ لا أحد؟" "يا عواطف، لا تبالغي. هندٌ فتاةٌ طيبةٌ، وابنتُها تربتْ على الأخلاقِ الحسنة." "أخلاقٌ حسنةٌ؟ وماذا عنْ المالِ والجاهِ والسندِ العائلي؟ هلْ لدينا وقتٌ لتعليمِ هذهِ الفتاةِ كيفَ تكونُ سيدةَ بيتٍ منْ بيوتنا؟ هلْ ستفهمُ طبيعةَ ضغوطاتِنا الاجتماعية؟" "لقدْ رأيتُ والدتها اليوم. امرأةٌ حكيمةٌ، ومتفهمة. وهندٌ نفسها، تبدو واعيةً وقوية." "واعيةٌ وقوية؟ أمْ محتالةٌ؟ يا ليلى، أنتِ دائمًا ما تكونينَ طيبةَ القلبِ زيادةً عنِ اللزوم. يجبُ أنْ نتذكرَ أنَّ هذا الزواجَ ليسَ مجردَ زواجٍ شخصي، بل هوَ ربطٌ بينَ عائلتين. يجبُ أنْ يكونَ تعزيزًا لنا، لا عبئًا."
أنهتْ السيدةُ عواطفُ المكالمةَ وهيَ تشعرُ بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ في أختها، ووعدتْ نفسَها بأنَّها ستتصرفُ بحزمٍ لإيقافِ هذا الزواج.
منْ ناحيةٍ أخرى، كانَ فوازٌ يشعرُ ببعضِ التفاؤل. لقدْ سمعَ منْ والدتهِ أنَّ لقاءَ اليومِ كانَ أفضلَ مما توقعت. لم تكنْ والدتهُ صريحةً تمامًا معه، خوفًا منْ إثارةِ قلقه، ولكنَّها أكدتْ لهُ أنَّ الأمورَ تتحسنُ وأنَّه عليهِ أنْ يتحلى بالصبر.
"لقدْ رأيتُ اليومَ أنَّ هندًا ليستْ مجردَ فتاةٍ جميلة، بل هيَ امرأةٌ واعيةٌ قادرةٌ على الحوارِ، وعلى إظهارِ قوتها بأسلوبٍ راقٍ." قالتْ السيدةُ ليلى لابنها. "وهذا ما قلتهُ لكِ يا أمي. إنَّها تستحقُّ كلَّ خير." "ولكنَّ عمتكِ عواطف... لديها رأيٌ قويٌ جدًا." "أعرفُ ذلكَ يا أمي. ولكنَّنا سنتجاوزُ ذلكَ بإذنِ الله."
كانتْ هذهِ الكلماتُ تحملُ في طياتها همساتٍ منَ الشك. فوازٌ كانَ يعرفُ جيدًا مدى تأثيرِ عمتهِ على والدتهِ وعلى قراراتِ العائلة. ورغمَ إصرارهِ على حبِّ هندٍ، إلا أنَّه كانَ يعلمُ أنَّ المعركةَ لم تنتهِ بعد.
في منزلِ هند، كانتْ تشعرُ بحالةٍ منَ الهدوءِ النسبي. لقدْ فعلتْ ما عليها، وتركَتْ الباقي على الله. بدأتْ تتفرغُ لعملها في المكتبةِ، وتقضي وقتها في قراءةِ الكتبِ التي تحبها. كانتْ تدركُ أنَّ الصبرَ هوَ مفتاحُ المرحلةِ القادمة، وأنَّ القوةَ تكمنُ في الثباتِ على المبادئ.
"ماذا تفعلينَ يا هند؟" سألَها صوتٌ مفاجئٌ عندَ بابِ غرفتها. التفتتْ هندٌ لتجدَ والدتها واقفةً في الممر، تحملُ صينيةً فيها كوبانِ منَ الشاي. "كنتُ أقرأُ يا أمي." أجابتْ وهيَ تبتسم. "هلْ تريدينَ كوبًا؟" "نعم، يا بنيتي. يبدو أنَّكِ تحتاجينَ لبعضِ الراحة." جلستْ السيدةُ فاطمةُ بجانبِ ابنتها، ووضعتْ الصينيةَ على المنضدة. "كيفَ شعرتِ بعدَ اللقاء؟" "كانَ لقاءً جيدًا يا أمي. أشعرُ أنَّني قدمتُ أفضلَ ما لدي." "وأنا فخورةٌ بكِ يا هند. لقدْ رأيتُ كيفَ واجهتِ الموقفَ بشجاعةٍ وحكمة. ولكنْ، هلْ أنتِ مستعدةٌ لما قدْ يأتي؟" "ماذا تقصدينَ يا أمي؟" "أقصدُ أنَّ هذهِ العائلةَ، خاصةً السيدةَ عواطف، لنْ تتنازلَ بسهولة. قدْ يحاولونَ إيجادَ طرقٍ أخرى لإحباطِ هذا الزواج."
نظرتْ هندٌ إلى والدتها، وشعرتْ بأنَّها محقة. لم تكنْ تتوقعُ أنَّ الأمورَ ستكونُ سهلةً، ولكنَّها لم تكنْ تعرفُ حجمَ التحدياتِ التي تنتظرها. "مهما حدثَ يا أمي، أنا مستعدةٌ. لقدْ اخترتُ فوازًا، وأنا أؤمنُ بأنَّ حبنا، وديننا، وسعينا لنكونَ صالحين، سيكونُ أقوى منْ أيِّ تحدٍّ." "وهذا هوَ الكلامُ الذي أحبُّ أنْ أسمعَهُ منكِ يا ابنتي." قالتْ السيدةُ فاطمةُ، وهيَ تحتضنُ هندًا. "تذكري دائمًا أنَّ اللهَ معَ الصابرين."
كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ تذكيرٍ لهندٍ بقوةِ إيمانها. لقدْ شعرتْ بأنَّها ليستْ وحدها في هذهِ المعركة، وأنَّ دعم