حب وكرامة الجزء الثاني

تهافت الأقنعة وتزايد الشكوك

بقلم فاطمة النجار

بعدَ انتهاءِ اللقاءِ المشحونِ بالمشاعرِ الصادقةِ والتفاهمِ المتبادل، غادرَ كريمٌ وعائلتهُ بيتَ نورٍ وقلوبهمْ يملؤها الأمل. شعرَ كريمٌ بأنّ ثقلَ المسؤوليةِ قد خفّ عن كاهلهِ، وحلّ محلّهُ شعورٌ بالثقةِ والرغبةِ في إثباتِ الذات. أما نورٌ، فقد شعرتْ بأنّ حاجزَ الخوفِ الذي كانَ يعيقُها قد بدأَ يتلاشى، وحلّ محلّهُ شعورٌ بالاطمئنانِ لم تعهدْهُ من قبل.

"الحمدُ لله"، قالتْ والدتها بحبورٍ وهيَ تحتضنُ ابنتها. "لقد رأيتُ في عينيهِ الصدقَ، وفي كلامهِ الإيمان. واللهُ سيُكملُ لنا ما بدأناهُ على خير."

"نعم يا أمي. لقد تحدثَ القلبُ إلى القلب. وبدا لي حقاً أنّهُ يرى ما وراءَ الماديات."

"وهذا هوَ المهمُ يا نور. فالحياةُ تبنى على التفاهمِ والمودةِ، لا على الذهبِ والفضة."

في طريقِ عودتهِ، كانَ كريمٌ يتحدثُ معَ والدتهِ بحماس. "أمي، لقد تأكدتُ الآن. نورٌ هيَ الفتاةُ المناسبة. إنّها لا تعرفُ معنى الخنوع، ولا تبحثُ عن المال. هيَ تبحثُ عن الرجلِ الذي يحترمها، ويُقدرها، ويُعينها على طاعةِ الله. وهذا ما سأكونُ عليهِ بإذنِ الله."

"باركٌ اللهُ فيكَ يا بني. وسيكونُ هذا الزواجُ مباركاً بإذنِ الله. وقد تحدثنا معَ عمّكِ أحمد، وسنذهبُ لطلبِ يدها رسمياً في الأسبوعِ القادم."

وفي مكانٍ آخر، كانتْ سعادُ تشتعلُ غيظاً. لم تستطعْ تحملَ فكرةَ زواجِ كريمٍ من نور. قررتْ أنْ تتحرك. بدأتْ بنشرِ الشائعاتِ المغرضةِ بينَ نساءِ العائلةِ وبعضِ الجارات.

"هل سمعتنّ؟ كريمٌ يتزوجُ من تلكَ الفتاةِ اليتيمة؟" قالتْ إحدى النساءِ وهيَ تتحدثُ معَ أخرى في السوق.

"نعم، سمعنا. يبدو أنّ العائلةَ فقدتْ صوابها. يريدونَ أنْ يزوجوهُ من واحدةٍ لا مالَ لها ولا جاه. ما الفائدةُ من زواجِ رجلٍ مثلهُ بفتاةٍ كهذه؟"

"لعلّها خدعةٌ. لعلّ هناكَ شيئاً تخفيهِ. المرأةُ لا تُعطى كلَّ هذا الاهتمامِ دونَ سبب."

كانتْ سعادُ تستمتعُ بهذهِ الأحاديث، تزرعُ الشكوكَ والريبةَ في قلوبِ الناس. كانتْ تعلمُ أنَّ العاداتِ والتقاليدَ في المجتمعِ العربيّ تلقي بظلالها على أيِّ علاقةٍ تبدو غيرَ تقليدية.

لم تصلْ هذهِ الشائعاتُ إلى مسامعِ نورٍ أو كريمٍ في البداية. كانا منشغلينِ بالتحضيراتِ للخطبةِ الرسمية. ولكنّ الجوّ المحيطَ بهما بدأَ يتغيّرُ ببطء. بدأتْ بعضُ النساءِ من العائلةِ يلقينَ بنظراتِ الشكِّ على نورٍ، ويتحدثنَ معَ والدتها بكلماتٍ تحملُ معانيَ ضمنيةً.

"باركٌ اللهُ لكِ في ابنتكِ"، قالتْ إحدى قريباتِ العائلةِ لوالدةِ نورٍ بابتسامةٍ زائفة. "ولكنْ، هل أنتِ متأكدةٌ أنَّ كريمٌ مناسبٌ لها؟ سمعنا أنّهُ من عائلةٍ مرموقةٍ جداً. قد لا تتأقلمُ الفتاةُ معَ حياتهم."

شعرتْ والدةُ نورٍ بالضيقِ. كانتْ تفهمُ المعنى المقصود. "نورٌ فتاةٌ قويةٌ، وستتأقلمُ بإذنِ الله. والأهمُّ هوَ صلاحُ الزوجِ وخلقهُ."

"نعم، نعم، بالطبع. ولكنّ المالَ لهُ دورٌ أيضاً في بناءِ بيتٍ سعيد."

كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ وخزاتٍ مؤلمةٍ في قلبِ والدةِ نور. لم تكنْ تريدُ أنْ تشعرَ ابنتها بأيِّ إحراجٍ أو نقص.

في نفسِ الوقت، بدأَ بعضُ أصدقاءِ كريمٍ يطرحونَ عليهِ أسئلةً غيرَ مباشرة.

"سمعنا خبرَ خطبتكَ، مبروكٌ يا كريم"، قالَ أحدُ أصدقائهِ. "ولكنْ، هل أنتَ متأكدٌ من قراركَ؟ الفتاةُ من عائلةٍ بسيطةٍ جداً. هل تعرفُ حقاً كيفَ تتعاملُ معَ الحياةِ الراقية؟"

"وما شأنُ ذلك؟" أجابَ كريمٌ بحزم. "أنا أرى فيها ما يُسعدني. وهذا يكفي."

"ولكنّ مجتمعنا لهُ عاداتهُ وتقاليده. قد تواجه صعوباتٍ. لا نريدُ لكَ إلا الخير."

كانتْ هذهِ المحادثاتُ تزرعُ بذرةَ الشكِّ في قلبِ كريم. لم يكنْ يتوقعُ هذهِ ردودَ الأفعال. كانَ يظنُّ أنَّ الجميعَ سيرحبونَ بقرارهِ.

في منزلِ سعاد، كانتْ تتابعُ ردودَ الأفعالِ بفرحٍ خبيث. كانتْ تدركُ أنَّ هذهِ الشائعاتِ بدأتْ تؤتي ثمارها. قررتْ أنْ تزيدَ من الضغط. بدأتْ بإرسالِ رسائلَ مجهولةٍ إلى والدةِ نورٍ، تُحذرها من كريم، وتُلمحُ إلى أنّهُ ليسَ كما يبدو.

"احذري يا أيتها الأمُّ من هذا الزواج. فليسَ كلُّ ما يلمعُ ذهباً. قد تكونُ هناكَ أسرارٌ تخفى. وقد تكونُ هذهِ مجردَ خطوةٍ لتحقيقِ مصلحةٍ."

شعرتْ والدةُ نورٍ بالخوفِ والقلق. بدأتْ تشكُّ في نوايا كريم. هل حقاً كانَ صادقاً؟ هل كانَ هناكَ شيئٌ يخفيهِ؟

"يا نور"، قالتْ لوالدتها بتوتر. "هل أنتِ متأكدةٌ من كريم؟ والدتي أرسلتْ لي رسالةً مجهولةً تُحذرني منهُ. وتقولُ إنّهُ ليسَ كما يبدو."

نظرتْ نورٌ إلى والدتها بدهشة. "رسالةٌ مجهولةٌ؟ من؟ وماذا تقول؟"

"تقولُ إنّ هناكَ أسراراً."

تجمدتْ نورٌ في مكانها. "أسرارٌ؟ أيُّ أسرار؟"

"لا أعرفُ يا ابنتي. ولكنّ كلامَ النساءِ حولَ اختلافِ المستوى، وردودِ أفعالِ بعضِ الأقاربِ، كلها تجعلني أشعرُ بالقلق."

شعرتْ نورٌ بأنّ الأرضَ تميدُ بها. هل يمكنُ أنْ يكونَ كلُّ ما حدثَ مجردَ وهم؟ هل كانَ كريمٌ يلعبُ بها؟

في هذهِ الأثناء، كانَ كريمٌ يشعرُ بأنّ والدتهُ أصبحتْ أكثرَ تردداً.

"يا بني"، قالتْ والدتهُ بحذر. "هل أنتَ متأكدٌ حقاً من هذا الزواج؟ سمعنا بعضَ الكلامِ منَ الأقارب. يقولونَ إنّ عائلةَ نورٍ قد لا تتحملُ المسؤوليةَ إذا لم تكنْ هناكَ مساعدةٌ ماديةٌ دائمة. وأنا، يا بني، لا أريدُ لكَ أنْ تقعَ في مشاكلَ بسببِ هذا الزواج."

"أمي! هل بدأتِ تشكّينَ بي؟ لقد تحدثتُ معَ نورٍ، وتحدثتُ معَ عمّي. وكلُّ شيءٍ كانَ واضحاً. ما هذهِ الأقاويل؟"

"إنّها مجردُ أقاويلِ الناسِ يا بني. ولكنّ أحياناً، يكونُ في كلامِ الناسِ شيءٌ من الحقيقة."

كانتْ كلماتُ والدتهِ كالصاعقةِ على كريم. لقد شعرَ بأنّ جهودَهُ في بناءِ الثقةِ بدأتْ تتآكل. هل كانَ سببُ كلِّ هذا هوَ اختلافُ المستوى الماديّ؟ أم كانَ هناكَ من يُريدُ تخريبَ علاقتهِ؟

كانتْ الشكوكُ تتزايد، والأقنعةُ بدأتْ تتساقط. ما كانَ يبدو واعداً، بدأَ يتعرّضُ لاختبارٍ قاسٍ. والقلقُ بدأَ يلقي بظلالهِ الداكنةِ على القلوبِ المترقبة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%