حب وكرامة الجزء الثاني
أسرار مدفونة ونبوءات تتكشف
بقلم فاطمة النجار
كانت قاعة الاجتماعات في منزل الحاج "عبد الرحمن" تعج بالصمت المطبق، صمتٌ أثقل من سحابةٍ حبلى بالمطر، يترقرق فيه القلق على وجوه الحاضرين. "ليلى"، وبوجهٍ شاحبٍ ارتسمت عليه علامات الذهول، تحدّق في "عمر" الذي بدا هو الآخر متأثرًا بما سمعه. لم يكن مجرد حديثٍ عابر، بل كان كشفاً عن مستور، عن ماضٍ ألقت به الأيام في دهاليز النسيان، وما كان له أن يطفو على السطح إلا في هذا التوقيت الحرج.
كان الحاج "عبد الرحمن" قد سرد بصوتٍ واهنٍ، يعلوه الأسى والحسرة، حكايةً تتعلق بزواجٍ سابقٍ لأم "ليلى"، الأستاذة "فاطمة". زواجٌ لم يستمر طويلاً، وانتهى بأمرٍ لا يعرفه إلا القليل، أمرٌ يتعلق بطفلٍ وُلد قبل "ليلى" بسنواتٍ قليلة. طفلٌ ابتلعته ظروفٌ قاسية، وتركت الأم "فاطمة" في دوامةٍ من الألم والحرمان. لم يكن هذا الطفل هو "ليلى"، بل أخٌ غير شقيقٍ لها، اختفى من حياتها وحياة والدتها في ظروفٍ غامضة.
"لم نرد أن نثقل عليكِ يا ابنتي،" قال الحاج "عبد الرحمن" مخاطباً "ليلى" بعينين دامعتين، "ظننا أن نسيان الماضي سيخفف من أعبائكِ. لكن قدر الله غالب، وقد أراد أن يظهر هذا الأمر الآن."
"ولكن... أين ذهب؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مرتعش، وقد بدأت خيوطٌ متشابكة تتلاحم في ذهنها. "كيف اختفى؟ ومن المسؤول؟"
"القضاء والقدر يا ابنتي،" تنهدت "فاطمة" بحزنٍ دفين، "لكن هناك تفاصيل لم نعلمها إلا مؤخراً، تفاصيل تجعلنا نشك في أن الأمر لم يكن مجرد حادث."
التفت الحاج "عبد الرحمن" نحو "عمر"، وتابع: "لقد علمتُ مؤخراً من مصدرٍ موثوق، أن هناك أشخاصاً كانوا يسعون لإبعاد هذا الطفل عن والدته. لا أعرف الدوافع تحديداً، ولكن الخلافات القديمة بين عائلتينا، عائلة الـ... وعائلة الـ... ربما لها دور."
"عائلة الـ...؟" كررت "ليلى" الاسم بتعجب، فذاك الاسم لم يكن مألوفاً في حديثهم عن عائلات والدتها.
"نعم،" أجاب الحاج "عبد الرحمن" بتردد، "كانت هناك نزاعاتٌ عقارية قديمة، وكيدٌ دفين. أخشى أن يكون هذا الطفل قد وقع ضحيةً لهذه الصراعات."
شعر "عمر" بثقل المسؤولية يقع على عاتقه. لقد كان شاهداً على بعض تلك الخلافات القديمة، وإن لم يكن يعرف تفاصيلها الدقيقة. ولكن الآن، وقد اتخذت منعطفاً مأساوياً بهذا الشكل، شعر بضرورة التدخل.
"ما دام الأمر كذلك،" قال "عمر" بحزمٍ، ونبرة صوته تحمل عزمًا، "فلا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي. يجب أن نكشف الحقيقة، وأن نرى ما إذا كان هذا الأخ ما زال على قيد الحياة. وإن كان كذلك، فمن حق "ليلى" ووالدتها أن تعرفا."
نظر إليه الحاج "عبد الرحمن" بإعجاب، وتابع: "أتفق معك يا بني. لقد تواصلت مع محامٍ موثوق، وقد بدأ بالفعل في البحث عن أي سجلاتٍ تتعلق بولادة هذا الطفل واختفائه. ولكنه يحتاج إلى بعض الوقت."
"لا نملك الوقت يا حاج," قالت "ليلى" وهي تنهض من مقعدها، وقد اشتعل في عينيها بريقٌ غريب، مزيجٌ من الغضب والتصميم، "لستُ على استعدادٍ لانتظار المزيد من الأسرار التي تتكشف ببطء. يجب أن نتحرك الآن."
"ولكن إلى أين؟" تساءل الحاج "عبد الرحمن" بقلق.
"إلى حيث تقودنا الأدلة،" أجابت "ليلى" بجدية، "إذا كان هناك أشخاصٌ سعوا لإخفاء أخي، فأنا سأبحث عنهم. لن أدع حقاً يضيع، ولا كرامةً تُداس."
ابتسم "عمر" بخفّة، وشعر بأن هذه الروح القوية في "ليلى" هي ما جذبته إليها منذ البداية. "أنا معكِ يا "ليلى"، في كل خطوة. لن تكوني وحدكِ."
نظرت "ليلى" إلى "عمر" بامتنان، ثم عادت لتواجه والدتها والحاج "عبد الرحمن". "أعلم أنكما قلقان، ولكن هذه المسألة تخصني، وتخص أمي. وأنا مستعدةٌ لمواجهة أي شيءٍ للكشف عن الحقيقة."
تنهدت "فاطمة" وقالت: "سنكون بجانبكِ يا حبيبتي. مهما كانت الصعوبات، فلن نتخلى عنكِ."
شعرت "ليلى" بأن هذه الكلمات كانت البلسم الذي تحتاج إليه. لقد بدأت رحلةٌ جديدة، رحلةٌ لا تعرف نهايتها، ولكنها رحلةٌ تنبع من عمقِ واجبٍ أخوي، ومن رغبةٍ صادقةٍ في استعادة ما ضاع. كانت الأسرار المدفونة قد بدأت في الظهور، والنبوءات القديمة، كما وصفتها جدة "عمر" ذات يوم، بدأت تتكشف في واقعٍ لم يكن أحدٌ يتوقعه. كانت هذه اللحظة نقطة التحول، نقطة اللاعودة.