حب وكرامة الجزء الثاني

بوادر الأمل وخيوط الماضي

بقلم فاطمة النجار

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تلقي بفتورها على مدينةٍ ما زالت تتنفس عبق الليل، كان "عمر" و"ليلى" يجلسان في مكتبه، تتخللهما أجواءٌ من الجدية والترقب. أوراقٌ مبعثرةٌ على المكتب، بعضها يحمل عناوين قديمة، وبعضها الآخر تقاريرٌ حديثة. كانت بداية رحلتهما الاستكشافية، رحلة البحث عن الأخ المفقود.

"لقد استعنتُ ببعض المعارف القدامى،" بدأ "عمر" حديثه، وهو يشير إلى كومةٍ من الوثائق، "وبعض المحققين الخاصين الذين أثق بهم. لقد بدأوا في التحقق من سجلات الولادات في المستشفيات التي كانت والدتكِ فيهن وقت ولادة الأخ المفقود، وكذلك سجلات النفوس."

"وماذا عن العائلات التي ذكرها الحاج 'عبد الرحمن'؟" سألت "ليلى" بفضول، وهي تتصفح إحدى الوثائق التي تحمل تاريخاً قديماً.

"حاولنا البحث عن أي معلوماتٍ تتعلق بخلافاتٍ عقارية قديمة بين عائلتكِ وعائلة الـ... التي ذكرها،" أجاب "عمر"، "ولكن يبدو أن هذه العائلات قد اندثرت أو تفرقت. لم نجد سوى إشاراتٍ باهتةٍ في بعض الصحف القديمة عن نزاعاتٍ بين عائلاتٍ من نفس المنطقة."

"هذا غريب،" قالت "ليلى" وهي تعقد حاجبيها، "لماذا كل هذا التعتيم؟ لماذا لا توجد سجلاتٌ واضحة؟"

"ربما لأن الأمر تم بذكاء،" فكّر "عمر" بصوتٍ عالٍ، "أو ربما لأنهم لم يريدوا ترك أثرٍ يدل عليهم."

في تلك الأثناء، وصل اتصالٌ هاتفيٌ أضاء وجه "عمر" بابتسامةٍ خفيفة. "هذا من أحد المحققين،" قال لـ "ليلى"، ثم أجاب على الهاتف. "نعم؟ ما الجديد؟"

استمع "عمر" بانتباه، وقد بدأت ملامح الدهشة تتسلل إلى وجهه. "تأكيد؟ هل أنت متأكد؟"

بعد إنهاء المكالمة، التفت "عمر" إلى "ليلى" وعيناه تلمعان بالإثارة. "لدينا خيطٌ قوي، يا "ليلى". تم العثور على سجلٍ لوالدتكِ في مستشفى الولادة، يحمل تاريخاً يتطابق مع الفترة التي تحدثنا عنها. ويشير السجل إلى ولادة طفلٍ ذكر."

"ولكن... أين هو الآن؟" سألت "ليلى" بسرعة، وقد تسارع نبض قلبها.

"هنا يكمن التعقيد،" أوضح "عمر"، "السجل يشير إلى أن الطفل تم نقله إلى دار أيتامٍ تحت إشرافٍ خاص، وذلك بناءً على طلبٍ من الأم. ولكن الغريب في الأمر أن والدتكِ لم تتذكر هذا الأمر أبداً، بل وتصر على أنها لم تفعل ذلك."

"وهذا هو ما يثير الشكوك!" قالت "ليلى" بحزم، "كيف يمكن لأمي أن تنسى شيئاً كهذا؟ خاصةً طفلها الأول! لا بد أن هناك شيئاً ما قد حدث، شيئاً جعلها تفقد الذاكرة أو تجعل الجميع يعتقد أنها فقدتها."

"هذا ما نفكر فيه أيضاً،" أكد "عمر"، "لدينا عنوان دار الأيتام هذا. قد يكون فيه بعض السجلات القديمة، أو ربما بعض الأشخاص الذين قد يتذكرون شيئاً."

"إذن، ماذا ننتظر؟" قالت "ليلى" وهي تقف بخفة، وكأنها استعادت بعضاً من نشاطها السابق. "يجب أن نذهب إلى هناك الآن."

"دعيني أتأكد من بعض التفاصيل أولاً،" حاول "عمر" أن يكون هادئاً، "هذه الدار قد تكون مغلقةً الآن، أو قد تكون قد تغيرت ملكيتها. نحتاج إلى الحصول على تصريحٍ بالبحث في سجلاتها."

"ولكن،" قاطعه الحاج "عبد الرحمن" الذي كان يقف عند باب المكتب، وقد سمع جزءاً من الحديث، "لقد كنتُ في زيارةٍ أمسٍ إلى جدتي. وقد ذكرت لي شيئاً مهماً. كانت تتحدث عن طفلٍ تبنته عائلةٌ ثريةٌ في ذلك الوقت، عائلةٌ لم يكن لها أولاد، وكانت معروفةً بسعيها وراء النفوذ والمصالح. وكانت هذه العائلة على علاقةٍ وثيقةٍ ببعض الأشخاص الذين كانوا يتنازعون مع عائلتنا القديمة."

"عائلة ثرية؟" سألت "ليلى"، "وهل تعرفين اسمهم؟"

"اسم العائلة لم يتبادر لذهني حينها،" أجابت الجدة "أمينة" بصوتٍ واهنٍ، "ولكنني أتذكر أنهم كانوا يعيشون في منطقةٍ قريبةٍ من قصرهم الكبير، الذي كان يقع على مشارف المدينة. وكانوا معروفين بولعهم بجمع التحف والأعمال الفنية."

"قصر على مشارف المدينة؟" قال "عمر" وهو يفكر، "هذا يذكرني بشيءٍ ما. هناك قصرٌ قديمٌ مهجورٌ منذ سنوات، يقع في تلك المنطقة. لطالما كان محاطاً بالأساطير والقصص."

"ربما يكون هذا هو المكان،" قالت "ليلى" وعيناها تلمعان بالأمل، "ربما يكون هذا الطفل، أخي، قد عاش حياته هناك، دون أن يعرف حقيقته."

"هناك احتمالٌ آخر،" قال الحاج "عبد الرحمن" وهو يحدق في "عمر" بعينين تفحصان، "ربما لم يتم تبنيه، بل تم إخفاؤه. ربما يكون قد ترعرع في مكانٍ آخر، بعيداً عن أعين الناس، وتحت سيطرة أولئك الذين أرادوا إبعاده."

"هذه الاحتمالات كلها يجب أن نضعها في الاعتبار،" أكد "عمر"، "ولكن نبدأ بالأسهل. سنحاول الحصول على تصريحٍ لدخول دار الأيتام، وفي نفس الوقت، سنحاول جمع معلوماتٍ عن هذا القصر القديم وعن العائلة التي سكنته."

بدأت خيوط الماضي تتكشف، وبدأت بوادر الأمل تلوح في الأفق. لم تكن الأمور سهلة، ولكن وجود "عمر" بجانب "ليلى" كان يمنحها القوة. كانا فريقاً واحداً، يسعيان لكشف حقيقةٍ غامضة، حقيقةٍ قد تغير مجرى حياتهم، وتعيد لهم ما سلب منهم. كانت هذه مجرد البداية، وكانت الأسرار الأعمق ما زالت تنتظر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%