حب وكرامة الجزء الثاني

أشباح الماضي وزيارة للقصر المهجور

بقلم فاطمة النجار

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ملونةً السماء بألوانٍ ناريةٍ تتداخل فيها درجات البرتقالي والأحمر، عندما توقفت سيارة "عمر" الفاخرة أمام بوابةٍ حديديةٍ صدئة، تقف شامخةً كحارسٍ أثريٍ لمنزلٍ قديم. كان القصر المهجور، الذي تحدثت عنه الجدة "أمينة" والحاج "عبد الرحمن"، ينتصب خلفها، هيكلٌ شامخٌ يحكي قصصاً صامتةً عن زمنٍ مضى.

"هل أنتِ متأكدةٌ أن هذا هو المكان؟" سأل "عمر" وهو ينظر إلى "ليلى" التي كانت تحدق في القصر بعينين متسائلتين، وقد ارتسم على وجهها مزيجٌ من الرهبة والفضول.

"بناءً على وصف الجدة، ومنطقة وقوعه، يبدو أنه هو،" أجابت "ليلى" بصوتٍ خفيض، "إنه ضخمٌ جداً، ويبدو أنه كان ملكاً لأثرياء جداً."

"ولكن لماذا تم هجره؟" تساءل "عمر" وهو يترجل من السيارة. "عادةً ما تكون القصور بهذا الحجم ملكاً لعائلاتٍ عريقة، ولم يتم هجرها إلا في حالاتٍ نادرة، كالحروب أو الإفلاس."

"هذا ما سنحاول اكتشافه،" قالت "ليلى" وهي تشدّ حقيبتها. "هل سنذهب إلى الداخل؟"

"دعيني أحاول أولاً فتح البوابة،" قال "عمر" وهو يتفحص البوابة الصدئة، "قد لا تكون مقفلةً بإحكام."

بعد محاولاتٍ قليلة، نجح "عمر" في فتح البوابة بصوتٍ يصدر أنيناً خافتاً، كأنه صوتُ أرواحٍ قديمةٍ تستيقظ. تقدما ببطءٍ في الممر الطويل المؤدي إلى القصر، حيث كانت الأشجار الكثيفة قد أحكمت أغصانها، مانعةً أشعة الشمس من الوصول إلى الأرض. شعورٌ غامضٌ بالوحدة والغموض يحيط بهما.

"هل تتذكرين أي شيءٍ عن هذه العائلة؟" سأل "عمر" وهو يمسك بيد "ليلى" بحنانٍ، كأنه يريد أن يطمئنها.

"لا شيءٌ محدد،" أجابت "ليلى"، "فقط ما سمعته من أمي أو جدتي عن نزاعاتٍ قديمة. ولكن اسم العائلة الذي ذكرته الجدة... لم يكن مألوفاً أبداً."

وصلوا إلى باب القصر الرئيسي، بابٌ خشبيٌ ضخمٌ مزخرفٌ بنقوشٍ قديمة، وقد تآكل بفعل الزمن. دفعه "عمر" برفق، ليفتح الباب بصريرٍ عالٍ، كأنه صوتُ صراخٍ مكتوم. دخلوا إلى قاعةٍ واسعة، مغطاةً بالغبار، والأثاث القديم مبعثرٌ هنا وهناك، وكأنه يعكس فوضىً عارمة.

"يبدو أن هناك شيئاً ما قد حدث هنا،" قال "عمر" وهو يشير إلى بعض الأثاث المقلوب. "لم يكن الهجر مجرد هجرٍ عادي."

"أشعر بوجود طاقةٍ غريبة هنا،" تمتمت "ليلى" وهي تتحسس جداراً مزيناً بلوحاتٍ قديمة، "كأن المكان يحمل ذكرياتٍ مؤلمة."

تقدموا بحذرٍ في أرجاء القصر. في كل غرفةٍ وجدوا شيئاً يدل على حياةٍ سابقة، كتبٌ قديمة، ملابسٌ مخمليةٌ بالية، صورٌ باهتةٌ لم تعد ملامح أصحابها واضحة. كل شيءٍ كان يحكي قصةً عن الثراء، ثم عن الانهيار.

في إحدى الغرف، وجدوا مكتباً خشبياً كبيراً، وعليه كومةٌ من الأوراق. بدأ "عمر" يتصفحها بعناية. كانت رسائلٌ قديمة، وبعض السجلات المالية. "هذه السجلات تتحدث عن ديونٍ كبيرة،" قال "عمر" وهو يرفع إحدى الأوراق، "يبدو أن هذه العائلة قد تعرضت لخسائر مالية فادحة."

"وهذا قد يفسر سبب الهجر،" قالت "ليلى"، "ولكن ماذا عن الطفل؟ أين هو في كل هذا؟"

"ربما كانت هناك أسبابٌ أخرى،" قال "عمر" وهو يتوقف عند ورقةٍ معينة. "هذه رسالةٌ موجهةٌ من أحد المحامين، يتحدث فيها عن قضيةٍ معقدة، تتعلق بوصيةٍ غير واضحة، وتطالب فيها بعض الأطراف بحقوقٍ ميراثية. ويبدو أن هذه القضية قد أدت إلى تفاقم المشاكل المالية."

"وهل هناك ذكرٌ لطفلٍ في هذه الرسائل؟" سألت "ليلى" بلهفة.

"لا، لا يوجد أي ذكرٍ صريحٍ لطفل،" أجاب "عمر" بخيبة أملٍ طفيفة، "ولكن في إحدى الوصايا، هناك بندٌ غامضٌ جداً، يتحدث عن "رعايةٍ خاصةٍ لمستقبلٍ مرهونٍ بعقدٍ سري"."

"عقدٌ سري؟" كررت "ليلى" الكلمات، وشعرت بأن شيئاً ما بدأ يتضح في ذهنها. "ماذا لو كان هذا "العقد السري" يتعلق بطفل؟ وماذا لو كان هذا الطفل هو أخي؟"

"احتمالٌ واردٌ جداً،" وافق "عمر"، "إذا كانت هذه العائلة قد خسرت كل شيء، فقد يكونون قد سعوا للتخلص من الطفل بطريقةٍ ما، أو نقله إلى مكانٍ آمن. أو ربما، كان هناك من أراد الاستيلاء عليه، مستغلاً ظروفهم."

خرجوا من المكتب، وتوجهوا إلى غرفةٍ أخرى، كانت تبدو وكأنها غرفة نوم. في أحد الأدراج، وجدوا صندوقاً معدنياً صغيراً. فتحه "عمر" ليجد بداخله بعض الأشياء الثمينة، بعض المجوهرات، و... ورقةٌ صغيرةٌ مطوية.

فضّت "ليلى" الورقة بيديها المرتعشتين. كانت صورةٌ قديمةٌ لطفلٍ صغير، وجهه بريءٌ وملامحه لطيفة. لم يكن وجهه غريباً تماماً، بل كان هناك شيءٌ ما مألوفٌ فيه. وعلى ظهر الصورة، كانت هناك كتابةٌ بخطٍ يدويٍ قديم: "ابني العزيز... أرجو أن تسامحني."

"هذا الطفل... هل هو..." قالت "ليلى" بصوتٍ مختنق، وعيناها امتلأت بالدموع.

"يبدو ذلك،" قال "عمر" بهدوء، وهو يمسك بذراعها، "هذه الورقة، وهذا الصندوق، ربما تكون هذه هي الأدلة الوحيدة المتبقية."

"ولكن من كتب هذه الرسالة؟" تساءلت "ليلى"، "ومن هو والد هذا الطفل؟"

"ربما يكون والد هذا الطفل هو أحد أفراد هذه العائلة،" قال "عمر" وهو يتفحص أوراق المكتب مرةً أخرى، "ولكن، من هي الأم؟ ولماذا لم يتم ذكرها؟"

"إذا كان والده من هذه العائلة،" قالت "ليلى" بتفكير، "فربما كان هذا الزواج سرياً، أو غير معترف به. وهذا قد يفسر لماذا لم يتم ذكر الطفل في الوصايا أو السجلات الرسمية."

"علينا أن نجد المزيد من المعلومات عن هذه العائلة،" قال "عمر" بحزم، "ونبحث عن أي سجلاتٍ عائليةٍ قد تكون موجودةً في مكانٍ آخر، ربما في الأرشيفات القديمة، أو في منازل الأقارب الذين ما زالوا على قيد الحياة."

خرجوا من القصر المهجور، تاركين خلفهم أشباح الماضي. ولكنهم حملوا معهم خيطاً جديداً، خيطاً يربطهم بالطفل الذي في الصورة، وبقصةٍ مؤلمةٍ بدأت تتكشف. كانت هذه الزيارة للقصر المهجور بدايةً مفاجئة، وبدايةً قويةً في رحلة البحث عن الحقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%