حب وكرامة الجزء الثاني
أنين الروح في دروب القدر
بقلم فاطمة النجار
ألقى الرجل سلامهُ، فارتدت له الوجوهُ أبها ابتساماتها، لكن نورًا، في عمق قلبها، شعرت بزلزالٍ خفيٍّ. لم يكن الضيفُ الذي توقعته، لم يكن "أحمد" الذي تكررت الأحاديث عنه مؤخرًا، بل كان شخصًا آخر، وجهٌ لم تلتقه عيناها من قبل، لكنه حملَ طيفًا من الألفة المدهشة، وكأنه قادمٌ من عالمٍ موازٍ، من أغوار أحلامٍ طالما راودتها.
كان الضيفُ رجلاً شامخًا، في بداية عقده الرابع، ببنيةٍ قويةٍ تحملُ معاني الثبات، ورجلٌ ذو هيبةٍ يشي بها وقارٌ لا يصطنعه. ملامح وجهه كانت منحوتةً بدقةٍ، بها خطوطٌ عميقةٌ عند جانبي عينيه تدل على كثرة الابتسام، ولحيةٌ خفيفةٌ تزيد من وسامته. كانت عيناه بلون العسل الداكن، فيها لمعةٌ ذكيةٌ، تبدو وكأنها تترجمُ ألفَ حكايةٍ في نظرةٍ واحدةٍ. كان يرتدي ملابسًا عربيةً أصيلةً، ثوبًا أسودَ فاخرًا، وعقالًا أنيقًا، يمنحهُ حضورًا لافتًا.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال بصوتٍ فيه عمقٌ ودفءٌ، يملؤه الاحترام.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجاب الجميعُ في انسجامٍ، غير أن نورًا، بتأثرٍ لا إراديٍّ، شعرت بشيءٍ من الارتباك يسري في عروقها.
"تفضل يا سيدي، البيتُ بيتكم. أهلاً بكَ في أي وقت." قال عبد الرحمن، والد نور، بترحيبٍ حارٍّ، وهو يفسح له الطريق للدخول.
"بارك الله فيك. شكرًا جزيلًا على حسن استقبالكم." رد الضيفُ، وقد علت وجهه ابتسامةٌ مشرقةٌ، كأنما ترسمُ نورًا في جنبات المكان.
تبعته فاطمة، والدة نور، وهي تومئ برأسها بحماسٍ، بينما ظلت نور في مكانها للحظاتٍ، وعيناها ترصدان كل حركةٍ يقوم بها، كل نفسٍ يتنفسه. لم يكن أحمد، الشاب الذي دارت حوله الأحاديث، والذي بدا مناسبًا لعائلتها من حيث النسب والمكانة، بل كان هذا الرجل، الذي لا تعرفه، يحملُ شيئًا جعل قلبها يخفقُ بخفةٍ، وكأنها تعثر على لحنٍ قديمٍ أضاعت مفاتيحه.
"تفضّل يا ابنتي، لِمَ تقفين هكذا؟" نادتها والدتها بلطفٍ، وهي ترى شغفها الواضح بنظراتها.
ابتسمت نور ابتسامةً خجولةً، وأسرعت لتلحق بوالديها، وهي تشعرُ بأن الأجواء قد تغيرت فجأةً.
جلس الضيفُ في المكان المخصص له، وتجاذبت الأطرافُ الأحاديثُ. كان الضيفُ، كما علموا لاحقًا، اسمه "يوسف". كان مهندسًا معماريًا ناجحًا، يعملُ في مشاريعٍ كبيرةٍ في الخارج، وقد عاد مؤخرًا لزيارةِ أهله. لكنه لم يكن قادمًا لأجل زيارةٍ عاديةٍ. كانت عيناه تتسللان بين الحين والآخر إلى نور، نظراتٌ لا تحملُ أيَّ جرأةٍ أو تعدٍّ، بل فيها شيءٌ من التقدير، والفضول، وربما شيءٌ آخر أعمق، شيءٌ كان يخفيه خلف هذا الهدوء الظاهر.
"لقد سمعتُ عن جمالِ رياضِكم، وعن طيبِ أخلاقِكم. وقد تشرفتُ بلقائكم." قال يوسف، وقد علّت وجهه ابتسامةٌ أهدأ.
"الجمالُ هو في حسنِ التربيةِ، وفي حسنِ المعاملةِ. ونحنُ أسرةٌ بسيطةٌ، نحاولُ أن نعيشَ وفقَ ما أمرنا الله." أجابت فاطمة، وهي تبتسمُ بلطفٍ.
"صدقتِ. إنَّ القيمَ الأصيلةَ هي ما تجعلُ للحياةِ معنىً. وقد سمعتُ عن ابنتكم، السيدة نور، وعن حُسنِ سيرتها، وتديّنها. وهذا ما شجّعني على طلبِ هذا اللقاء." أردف يوسف، وقد اتجهت عيناه نحو نور، التي كانت تجلسُ بصمتٍ، مستمعةً بتركيزٍ.
شعر قلب نور بانتفاضةٍ خفيفةٍ. فهل جاء هذا الرجلُ لخطبتها؟ هل كان هذا هو الرجلُ الذي يبحثُ عنه قلبها، أم أنه مجردُ اختبارٍ جديدٍ من أقدارِ الحياة؟
"بارك الله فيك. نورُ ابنتنا، هي زهرةُ حياتنا. نرجو لها كلَّ خيرٍ." قال عبد الرحمن، وقد ارتسمت على وجهه علاماتُ الرضا.
"إنَّ السعيَ نحو بناءِ أسرةٍ مؤمنةٍ، تسيرُ على هدى الله، هو أسمى الغايات. وقد سعيتُ، وبحمدِ الله، لكي أجدَ من تكونُ شريكةَ دربي في هذهِ الرحلةِ المباركةِ." قال يوسف، وقد زادت نظراته نحو نور عمقًا.
صمتت نور، وهي تحاولُ أن تجمعَ أفكارها. هل هي مستعدةٌ لمثلِ هذا التغيير؟ هل هي مستعدةٌ لأن تفتحَ قلبها لشخصٍ لم تعرفه إلا لبضعِ دقائق؟
"إنَّ اللهَ قد قدّرَ الأقدارَ، وجعلَ لكلِّ شيءٍ سببًا. وقد علمتُ، من بعضِ الأقاربِ، أنَّ السيدة نور لم ترتبطْ بعد. وأردتُ أن أستأذنَ منكم، وأن أطلبَ يدها للحلالِ." قال يوسف، وقد اتجهت عيناه إلى عبد الرحمن مباشرةً، طالبًا الإذن.
تلاقت نظراتُ عبد الرحمن وفاطمة. كانا يتبادلانُ أطرافَ النظرِ، وكأنما يؤكدانِ بعضهما البعض. وقد بدت على وجهيهما علاماتُ السرورِ، فابنتهما نور، كانت دائمًا محورَ اهتمامهما، وكان البحثُ عن رجلٍ صالحٍ لها، هو من أولويات حياتهما.
"يا أهلاً وسهلاً. هذا شرفٌ لنا. إنَّ نورٌ فتاةٌ طيبةٌ، ونحنُ نحسنُ الظنَّ بمن يسعى إليها بالحلالِ." قال عبد الرحمن، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ واسعةٌ.
"بارك الله فيكم. شكرًا جزيلًا على هذا الكرمِ. وإنَّني، إنْ شاءَ الله، سأتبعُ الإجراءاتِ الشرعيةَ، وسأطلبُ منكم تحديدَ موعدٍ لزيارةِ أهلِكم، والحديثِ عن التفاصيلِ." أردف يوسف.
كانت نور تسمعُ كلَّ هذا، وقلبها يغوصُ في بحرٍ من المشاعرِ المتضاربةِ. فمن جهةٍ، شعرت بسعادةٍ غامرةٍ لأن والديها قد وجدا لها رجلاً صالحًا، ومن جهةٍ أخرى، كان هناك شعورٌ بالخوفِ من المجهولِ، ومن مسؤوليةِ الزواجِ.
"يا نور، ما رأيكِ؟" سألها والدها، وقد وجّه لها نظرةً حانيةً.
نظرت نور إلى والديها، ثم إلى يوسف، الذي كان ينظرُ إليها باحترامٍ وترقبٍ. شعرت بأنها تقفُ على مفترقِ طرقٍ. طريقٌ يؤدي إلى حياةٍ جديدةٍ، إلى مستقبلٍ لم ترسمْ معالمه بعد.
"إنَّني، يا أبي، يا أمي، أثقُ برأيكم. وأعلمُ أنكم لا تختارون إلا الخيرَ لي." قالت نور بصوتٍ خافتٍ، لكنه كان واضحًا وصادقًا.
ابتسم يوسف ابتسامةً أعمق، وقد بدا عليه بعضُ الارتياح. "هذا ما أتمناهُ، أن تكونَ ثقتكم هي أساسُ بناءِ علاقتنا."
تجاذبت الأطرافُ الأحاديثُ لبضعِ دقائقَ أُخرى، ثم استأذنَ يوسف بالانصرافِ، ووعدَ بالعودةِ قريبًا.
عندما غادرَ يوسف، اشتعلت الغرفةُ بالحديثِ بينَ أفرادِ الأسرةِ.
"ما رأيكِ يا نور؟" سألت فاطمة، وقد علت وجهها علاماتُ الرضا.
"رجلٌ مباركٌ، ورجلٌ ذو أخلاقٍ طيبةٍ. أسألُ اللهَ أن يُتمَّ لنا على خيرٍ." قال عبد الرحمن.
نظرت نور إلى والديها، وشعرت بأنها في أمانٍ. "هو رجلٌ طيبٌ، يا أبي. وأخلاقهُ واضحةٌ. أسألُ اللهَ أن يكتبَ لنا الخيرَ."
لكن، في أعماقِ روحها، كان هناك سؤالٌ لم تجد له إجابةً واضحةً. هل كان هذا الرجلُ هو القدرُ الذي تنتظرهُ، أم أنه مجردُ محطةٍ في رحلةٍ أطول؟ وهل يمكنُ لحبٍّ أن ينمو بينَ روحينِ لم تلتقيا إلا في لقاءٍ واحدٍ، لقاءٍ حملَ وعدًا بالزواجِ، لكنه حملَ معه أيضًا الكثيرَ من علاماتِ الاستفهامِ؟