حب وكرامة الجزء الثاني
بصيص أمل في بلد الغربة
بقلم فاطمة النجار
في قلب العاصمة الفرنسية، باريس، حيث تتلألأ الأضواء على نهر السين، ويتردد صدى التاريخ في شوارعها العريقة، كان "عمر" و"ليلى" يجلسان في مكتبٍ صغيرٍ يعج بالخرائط والصور، يحدّق كلٌ منهما في الشاشة أمامه. بعد أيامٍ من البحث المضني، تمكن "عمر" من العثور على خيوطٍ قد تقودهم إلى عائلة "الراوي" في فرنسا.
"لقد وجدتُ أحد أقارب عائلة 'الراوي' هنا في باريس،" قال "عمر" وهو يشير إلى صورةٍ لرجلٍ أنيقٍ ذي ملامحٍ فرنسية، "يدعى 'جان بيير الراوي'. وهو ابنٌ لأحد أبناء عمومة 'فرانسوا الراوي'، الذي كان هو رب الأسرة وقت تبني الطفل 'علي'."
"وهل لديه أي معلوماتٍ عن 'علي'؟" سألت "ليلى" بلهفة، وقد بدأت آثار التعب تظهر على وجهها، ولكن بريق الأمل ما زال متوهجاً في عينيها.
"هذا ما سنحاول اكتشافه،" أجاب "عمر"، "لقد تواصلتُ معه عبر البريد الإلكتروني، وأخبرته ببعض التفاصيل العامة حول بحثنا عن قريبٍ مفقود. وقد ردّ عليّ، ووافق على مقابلتنا غداً."
"غداً؟" قالت "ليلى" وهي تبتسم بخفّة، "كل شيءٍ يحدث بسرعةٍ كبيرة. كنتُ أظن أن هذه الرحلة ستكون أطول."
"الأمر لم ينتهِ بعد،" قال "عمر" وهو ينظر إليها بعينين حنونتين، "هذه مجرد خطوةٌ أولى. لا نضمن أن يكون 'جان بيير' على استعدادٍ للتعاون، أو أن يمتلك كل المعلومات التي نبحث عنها."
في صباح اليوم التالي، كان "عمر" و"ليلى" يقفان أمام مقهىً أنيقٍ يقع في أحد شوارع باريس الراقية. كان "جان بيير الراوي" ينتظرهما، وقد بدت عليه علامات الترقب. كان رجلاً في منتصف العمر، يتحدث العربية بلكنةٍ فرنسيةٍ واضحة.
"أهلاً وسهلاً بكم،" قال "جان بيير" بابتسامةٍ ترحيبية، "تفضلا بالجلوس."
بعد أن طلبوا القهوة، بدأ "عمر" بسرد القصة، ولكن هذه المرة، وبطريقةٍ أكثر حذراً، تحدث عن قريبٍ لهم كان يعمل مع عائلة "الراوي" في السابق، وأن هذا القريب قد ترك ابناً، وأنهم يبحثون عنه.
"تبني؟" قال "جان بيير" وهو يفكر، "صحيح، كانت عائلتي معروفةً بإتمام بعض عمليات التبني في تلك الفترة. كان والدي، 'فرانسوا'، متحمساً جداً لتكوين أسرةٍ كبيرة."
"وهل تتذكرون تفاصيل هذه العملية؟" سألت "ليلى" ببطء، "اسم الطفل، أو ظروفه؟"
"الاسم... 'علي'،" قال "جان بيير" وهو يغلق عينيه، كأنه يحاول استعادة ذكرى بعيدة. "كان اسمه 'علي'. ولكن تفاصيل التبني... كانت تتم غالباً في سريةٍ تامة. والدي لم يكن يحبذ الكشف عن هذه الأمور."
"وهل يعيش 'علي' الآن؟" سأل "عمر"، "وهل تعرفون مكانه؟"
"هنا تكمن المشكلة،" أجاب "جان بيير" بتنهيدة، "بعد أن كبر 'علي' قليلاً، اضطر والدي ووالدتي للانتقال إلى دولةٍ أخرى، ونقلوا معهم 'علي'. ثم بعد سنواتٍ، توفي والدي، وأصبحت والدتي مريضةً جداً. لم أعد أمتلك أي معلوماتٍ دقيقةٍ عن مكان إقامته الآن."
"ولكن، هل هناك أي شخصٍ آخر قد يعرف؟" سألت "ليلى" بلهجةٍ يائسة.
"هناك شيءٌ واحدٌ أتذكره،" قال "جان بيير" وهو يفتح كتاباً قديماً كان يحمله معه، "كان والدي يحتفظ بسجلٍ خاصٍ لعمليات التبني، ولكنه كان سرياً جداً. وقد أخذتُه معي بعد وفاته، خوفاً من أن يضيع."
فتح "جان بيير" السجل، وبدأ يتصفحه ببطء. كانت هناك أسماءٌ، تواريخ، وملاحظاتٌ قصيرة. توقف عند صفحةٍ معينة، وقد علت وجهه علامات الدهشة.
"هذا هو... 'علي الراوي'،" قال "جان بيير" بصوتٍ واهن، "تاريخ ميلاده... وملاحظةٌ تقول: 'تم إرساله إلى ملجأٍ في سويسرا، تحت رعايةٍ سرية، بسبب ظروفٍ استثنائية'."
"سويسرا؟" هتف "عمر"، "هذا يعني أننا اقتربنا جداً!"
"ولكن،" قال "جان بيير" وهو يغلق السجل بحزن، "هذا الملجأ قد يكون أغلق منذ زمنٍ طويل. ومن الصعب جداً العثور على معلوماتٍ عن أشخاصٍ تم إرسالهم إلى هناك."
"ولكن،" قالت "ليلى" بابتسامةٍ مشرقة، "هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن ملجأٍ محدد. وهذا يعني أننا نستطيع البحث عنه. حتى لو أغلق، ربما تكون هناك سجلاتٌ متبقية."
"أنا مستعدٌ للمساعدة بكل ما أستطيع،" قال "جان بيير" بصدق، "لقد شعرتُ بالأسف الشديد عندما علمتُ أن أخي المتبنى، 'علي'، لم يعرف أبداً عائلته الحقيقية."
"أنا أؤمن بأننا سنجده،" قالت "ليلى" بعزمٍ، وقد شعرت بأن خيوط الأمل تزداد قوة. "لقد وصلنا إلى هنا، ولا يمكننا الاستسلام الآن."
"سنعود إلى البلاد، وسنبدأ البحث عن هذا الملجأ في سويسرا،" قال "عمر" وهو ينظر إلى "ليلى" بثقة. "هذه المرة، ستكون رحلتنا أقرب إلى الحقيقة، وأقرب إلى 'علي'."
بعد ساعاتٍ قليلة، كان "عمر" و"ليلى" في طريقهما إلى المطار، قلوبهما مليئةٌ ببصيص أملٍ جديد. لقد وجدا خيطاً يقودهم إلى "علي"، خيطٌ عبر القارات