حب وكرامة الجزء الثاني

همسات الياسمين في ليالي الانتظار

بقلم فاطمة النجار

عادت نور إلى غرفتها، بعد أن انفضَّ سمارُ المساءِ، تاركةً خلفها جوًّا مشحونًا بالترقبِ والأملِ. أغلقت باب الغرفةِ ببطءٍ، وكأنها تغلقُ على نفسها بابًا يفصلُ بينَ عالمينِ. عالمٌ عاشتهُ حتى الأمسِ، وعالمٌ بدأَ بلمحةٍ من وجهِ "يوسف" الجديدِ.

جلست على طرفِ السريرِ، تحتَ ضوءِ المصباحِ الخافتِ الذي ينسابُ من نافذةِ الغرفةِ، ويُلقي بظلالٍ راقصةٍ على الجدرانِ. كانت يداها ترتعشانِ قليلاً، وقلبها يخفقُ كطائرٍ مسجونٍ، لا يدري إن كانَ سيُطلقُ سراحهُ أم لا.

تذكرتَ كلماتِ والدها الحانيةِ، وابتسامةَ والدتها المليئةِ بالأملِ. لقد كانا يبحثانِ عن السعادةِ لها، وها هو ذا رجلٌ صالحٌ يتقدمُ، رجلٌ يبدو من مظهرهِ وكرمِ أخلاقهِ أنه يستحقُّ الثقةَ. لكن، لماذا هذا الشعورُ المتناقضُ بداخلها؟ لماذا تشعرُ بأنها تقفُ على حافةِ الهاويةِ، لا تدري إن كانت ستسقطُ أم ترتفعُ؟

مدّت يدها إلى رفِّ الكتبِ، حيثُ كانت تتكومُ مجموعةٌ من الكتبِ الدينيةِ، وبعضُ الرواياتِ القديمةِ التي تعشقُ قراءتها. التقطتْ نسخةً من المصحفِ الشريفِ، وبدأتْ تتصفحُ الآياتِ، عسى أن تجدَ فيها بعضَ السكينةِ.

"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ."

تمتمتْ نورُ الآيةَ بصوتٍ هامسٍ، وكأنها تستجدي من اللهِ أن يُلهمها الطريقَ الصحيحَ. نعم، الزواجُ سكنٌ ومودةٌ ورحمةٌ، ولكن هل سيجدُ قلبها السكنَ معَ هذا الرجلِ الذي لم تعرفهُ إلا لساعاتٍ؟

خرجتْ من غرفتها، متسللةً إلى الشرفةِ، حيثُ كانت تجلسُ في الصباحِ. نفسُ نسمةِ الفجرِ النديةِ كانت تلتفُّ حولها، لكنها هذهِ المرةَ بدتْ تحملُ عبقَ الياسمينِ الممزوجَ بعبيرِ الوردِ. رفعتْ رأسها إلى السماءِ، تتأملُ النجومَ المتلألئةَ، وكأنها تتحدثُ إليها.

"يا نجومَ السماءِ، دلوني. يا قمرَ الليلِ، أرشدني."

كانت مجردَ فتاةٍ مسلمةٍ، تعيشُ في مجتمعٍ يحترمُ القيمَ والعاداتِ، وتربيةُ والديها قد غرستْ فيها حبَّ الحلالِ، والخوفَ من الشبهاتِ. لم تسمحْ لنفسها يومًا أن تخطو خطوةً خارجَ حدودِ الشرعِ، ولم تفتحْ قلبها لأيِّ حبٍّ قبلَ أن يكونَ في إطارِ الزواجِ.

في الأيامِ التاليةِ، بدأَ الحديثُ يتواصلُ بينَ العائلتينِ. جاءَ يوسفُ معَ والدتهِ، السيدةَ "أمينة"، وهي امرأةٌ وقورةٌ، تحملُ وجهها آثارَ الطيبِ والتقوى. كان لقاءً رسميًّا، تمَّ فيهِ تبادلُ الأحاديثِ حولَ التفاصيلِ، وتحديدُ موعدٍ لـ "الملكةِ"، أي الخطبةِ الرسميةِ.

شعرتْ نورُ بأن كلَّ شيءٍ يسيرُ بسرعةٍ خاطفةٍ، وكأنها تركبُ قطارًا لا تستطيعُ إيقافهُ. كانت تقضي وقتًا أطولَ معَ يوسفَ، ضمنَ الإطارِ الشرعيِّ بالطبعِ، خلالَ زياراتٍ قصيرةٍ، بحضورِ أهلها. كانت تراقبُه، تحاولُ أن تفهمَ هذا الرجلَ الذي سيشاركها حياتها.

كان يوسفُ رجلًا هادئًا، كلامهُ قليلٌ لكنهُ مؤثرٌ. كان يعاملها بتقديرٍ واحترامٍ، يسألها عن حالها، عن اهتماماتها، وعن رؤيتها للحياةِ. كان يحدثها عن طموحاتهِ، وعن رؤيتهِ لدورِ الزوجِ والزوجةِ في بناءِ أسرةٍ صالحةٍ.

في إحدى هذهِ الزياراتِ، كانا يتحدثانِ في حديقةِ المنزلِ، تحتَ ظلِّ شجرةِ ليمونٍ قديمةٍ. كانت الشمسُ قد بدأتْ تميلُ نحو المغيبِ، تُلقي بضوءٍ ذهبيٍّ على المكانِ.

"السيدة نور، هل تشعرينَ بالراحةِ؟" سأل يوسفُ، وقد بدا على وجههِ قلقٌ خفيفٌ.

"الحمدُ للهِ، أشعرُ بأنَّ كلَّ شيءٍ يسيرُ على ما يرامٍ." أجابت نورُ، وهي تتأملُ زهرةَ ياسمينٍ قطفتها والدتها في الصباحِ.

"أعلمُ أنَّ هذا التغييرَ قد يكونُ مفاجئًا، وأنَّكِ ربما لديكِ الكثيرُ من التساؤلاتِ. أرجو أن تعلمي بأنَّني أسعى لكي أكونَ لكِ الزوجَ الذي ترضينهُ، والصديقَ الذي تلجئينَ إليهِ." قال يوسفُ، وقد ارتسمتْ على وجههِ صدقٌ لا تخطئه العينُ.

"وأنا، يا سيدي، أثقُ باللهِ أولًا، ثمَّ بثقتكم بوالديَّ. وأرجو أن يُتمَّ اللهُ لنا على خيرٍ." أجابت نورُ، وشعرتْ بأنَّ كلماته قد لمستْ شيئًا بداخلها.

لكن، على الرغمِ من كلِّ هذا الهدوءِ والتقديرِ، كان هناكَ شعورٌ بالوحدةِ في قلبِ نورٍ. كانت تتمنى لو أنَّها تستطيعُ أن تتشاركُ هذهِ المشاعرَ معَ شخصٍ يفهمُ ما تشعرُ بهِ.

في إحدى الليالي، وبينما كانت تنامُ، رأتْ حلمًا غريبًا. رأتْ نفسها تركضُ في صحراءَ واسعةٍ، تبحثُ عن واحةٍ. كانت الشمسُ حارقةً، وتشعرُ بالعطشِ الشديدِ. وفجأةً، رأتْ في الأفقِ نورًا ساطعًا، وكأنهُ يناديها. ركضتْ نحوهُ، وكلما اقتربتْ، زادَ النورُ وضوحًا. وعندما وصلتْ، وجدتْ نفسها أمامَ بابٍ عظيمٍ، مزخرفٍ. وقبلَ أن تفتحَ البابَ، استيقظتْ.

شعرتْ نورُ بأنَّ هذا الحلمَ يحملُ معنىً عميقًا. هل كانت تبحثُ عن السعادةِ، وعن السكنِ، وعن هذا البابِ العظيمِ هو بدايةُ طريقِها؟

في اليومِ التالي، قررتْ نورُ أن تتحدثَ إلى جدتها، السيدةَ "عائشة"، وهي أكبرُ فردٍ في الأسرةِ، ولها من الحكمةِ والخبرةِ ما لا يُقاسُ. كانت الجدةُ عائشةُ، في الثمانينِ من عمرها، تتمتعُ بذاكرةٍ قويةٍ، وعقلٍ راجحٍ، ولها رأيٌ تُحترمُ فيهِ.

وجدتْ الجدةَ جالسةً في غرفتها، تقرأُ القرآنَ بتدبرٍ. جلستْ نورُ بجانبها، وبعدَ أنْ تبادلا السلامَ، بدأتْ نورُ بالحديثِ.

"يا جدتي، أودُّ أن أستشيركِ في أمرٍ هامٍّ." قالت نورُ، وقد ارتسمتْ على وجهها علاماتُ الجديةِ.

"تفضّلي يا ابنتي. إنَّ القلبَ ما دامَ يخشى اللهَ، لا يضلُّ." قالت الجدةُ، ورفعتْ وجهها إليها بنظرةٍ حانيةٍ.

حكتْ نورُ لجدتها عن تقدمِ يوسفَ، وعن لقاءاتهما، وعن شعورها المتناقضِ.

"أنا أثقُ بوالديَّ، وأعلمُ أنهما لا يختارانِ إلا الخيرَ لي. لكنَّني، يا جدتي، أشعرُ بأنَّ هذا الزواجَ سيحملُ مسؤوليةً كبيرةً، وأخشى أن أكونَ غيرَ مستعدةٍ." قالت نورُ، وقد بدتْ على صوتها رجفةٌ خفيفةٌ.

ابتسمتْ الجدةُ ابتسامةً رقيقةً، وتناولتْ يدَ نورٍ بيدها المرتعشةِ. "يا ابنتي، كلُّ بدايةٍ جديدةٍ تأتي معها رهبةٌ. والزواجُ ليسَ إلا بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ في الحياةِ، مرحلةٍ تتشاركينَ فيها المسؤولياتِ، وتبنينَ فيها بيتًا مسلمًا. وهذا الرجلُ، يوسفُ، الذي سمعتُ عنهُ، يبدو رجلًا صالحًا، لهُ دينهُ وأخلاقُهُ."

"لكن، يا جدتي، هل الحبُّ مهمٌّ؟ هل يجبُ أن أشعرَ بالحبِّ قبلَ أن أتزوّجَ؟" سألت نورُ، وقد كانت هذهِ هيَ النقطةُ التي تشغلُ بالها بشدةٍ.

"الحبُّ يا ابنتي، ينبعُ من المودةِ والرحمةِ. وهو ينمو معَ الوقتِ، معَ العشرةِ، ومعَ الشراكةِ في بناءِ الحياةِ. لا تتوقعي حبَّ رواياتٍ خياليةٍ. الحبُّ الحقيقيُّ هوَ ذلكَ الذي تجدينهُ في تقديرِ الزوجِ، وفي حرصِهِ على رضاكِ، وفي سعيهِ لكي يُرضيَ اللهَ في علاقتكما. هذا الحبُّ ينمو، ويُزهرُ، ويُثمرُ خيرًا. لا تستعجلي في البحثِ عن شعورٍ قد يأتي متأخرًا، بل ابحثي عن الرجلِ الذي يُمكنُ أن تبنيَ معه حياةً سعيدةً."

"ولكن، كيفَ لي أن أعرفَ أنهُ الرجلُ المناسبُ؟" سألت نورُ.

"ثقي بقلبكِ، يا ابنتي. واستعيني باللهِ. وتذكري دائمًا أنَّ الاستخارةَ هيَ بوصلةُ المؤمنِ. استخيري اللهَ، وادعي أن يُريكِ الحقَّ، وأن يُيسّرَ لكِ أمركِ. اللهُ لا يُخيبُ من دعاهُ." قالت الجدةُ، وقد وضعتْ يدها على قلبِ نورٍ.

شعرتْ نورُ بأنَّ كلامَ جدتها قد أزالَ بعضَ الغموضِ الذي كانَ يلفُّ قلبها. ربما كانَ عليها أن تتوقفَ عن البحثِ عن شعورٍ مثاليٍّ، وتبدأَ بالتركيزِ على بناءِ علاقةٍ مبنيةٍ على الاحترامِ، والتقديرِ، والثقةِ، والسعيِ المشتركِ لرضا اللهِ.

"شكرًا لكِ يا جدتي. لقد أزلتِ عني الكثيرَ من الهمِّ." قالت نورُ، وهي تحتضنُ جدتها بحنانٍ.

"باركِ اللهُ فيكِ يا ابنتي. ولا تنسي، فإنَّ دعاءَ الوالدينِ مستجابٌ. ثقي باللهِ، وستجدينَ ما يُسعدكِ." قالت الجدةُ، وقد لمعتْ عيناها بدموعٍ خفيفةٍ.

خرجتْ نورُ من غرفةِ جدتها، تشعرُ بشيءٍ من الطمأنينةِ. ربما لم تكنْ مستعدةً تمامًا، لكنها كانت على الطريقِ الصحيحِ. طريقِ البحثِ عن شريكِ الحياةِ، شريكِ السكنِ والمودةِ والرحمةِ، شريكِ الآخرةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%