حب وكرامة الجزء الثاني

سِحرٌ أَعمى وروحٌ مُتعَطّشة

بقلم فاطمة النجار

كانت رائحةُ الياسمينِ مُتغلغلةً في جنباتِ القصرِ العتيق، تفوحُ عِطراً يُغري الحواس، لكنها لم تعدْ كافيةً لتُزيلَ الغُبارَ المُتراكِمَ على روحِ "سارة". ثلاثُ سنواتٍ مرّتْ كأنها دهرٌ، ثلاثُ سنواتٍ وهي تعيشُ في سجنٍ ذهبيٍّ، تُداعبُ خيالَها أطيافُ الحبِّ الذي لم يعدْ سوى ذكرى باهتة. كانت تُبصرُ "خالد" كلَّ يوم، تنظرُ إليهِ من خلفِ ستارِ البروتوكولِ والواجبات، تراهُ يبتسمُ، يتحدثُ، يعيشُ حياتَهُ، بينما هيَ حبيسةُ جدرانٍ لم تَخترْها.

في هذهِ الأمسيةِ بالذات، قررتْ سارةُ أنْ تتحدى جدرانَ سجنِها. لم يكنْ القرارُ هفوةً، بل كانَ انفجاراً لصبرٍ طالَ امتدادُه. استيقظتْ في منتصفِ الليلِ، لم يأتِها النومُ رغمَ محاولاتِها. رأتْ نورَ الهاتفِ يتسللُ من درجِ مكتبِها. امتدتْ يدُها نحوهُ بشيءٍ من التردد، ثمَّ أمسكتْ بهِ بقوةٍ وكأنها تمسكُ خيطَ الحياة.

"لعبةٌ جديدة، إذن؟" تمتمتْ لنفسِها بابتسامةٍ سَاخرة.

فتحتْ شاشةَ الهاتفِ، ووجدتْها مليئةً بالصورِ والإشعاراتِ التي لم تُعَرِّها اهتماماً قط. كانتْ تبحثُ عن شيءٍ محدد، عن منفذٍ صغيرٍ يفتحُ لها بابَ عالمٍ آخر. لم تستغرقْ طويلاً حتى وجدتْ ما تبحثُ عنهُ: تطبيقٌ جديدٌ، لونهُ أزرقٌ سماويٌّ، يحملُ شعاراً يُشبهُ جِناحَ فراشةٍ مُجنّحة. لم تعرفْ ما هو، لكنَّ الفضولَ تملّكَها.

"حسناً، سأمنحُكَ فرصة."

نقرتْ على الأيقونةِ. ظهرتْ أمامَها واجهةٌ مُبهِرة، مليئةٌ بالألوانِ والوجوهِ التي لا تعرفُها. كانتْ أشبهَ بسوقٍ افتراضيٍّ، لكنْ بدلَ البضائعِ، كانتْ تُعرضُ فيهِ الأرواح. أشخاصٌ من جميعِ أنحاءِ العالمِ، يعرضونَ صورَهم، يكتبونَ عن أحلامِهم، عن رغباتِهم، عن كلِّ ما يدورُ في خلجاتِ صدورِهم.

بدأتْ تتقلبُ بينَ الصفحات، تقرأُ خواطرَ شبابٍ وشاباتٍ، يشاركونَ تفاصيلَ حياتِهم، آمالِهم، مخاوفِهم. شعرتْ بأنها اكتشفتْ كنزاً، عالماً سرياً لم تكنْ تعلمُ بوجودِهِ. كانَ هذا التطبيقُ هوَ الحُقنةُ التي تحتاجُها روحُها المُتعطّشةُ للحياة.

"هنا، أستطيعُ أنْ أكونَ أنا، دونَ أقنعة، دونَ قيود."

بدأتْ تتفاعلُ. تركتْ إعجاباً على صورةٍ لشابٍّ يرسمُ غروبَ الشمسِ بمهارةٍ فائقة. ثمَّ كتبتْ تعليقاً مختصراً، يتغزلُ بجمالِ اللوحةِ وصدقِ المشاعرِ التي تنبعثُ منها. لم تتوقعْ رداً، لكنَّ الردَّ جاءَ سريعاً.

"شكراً لكِ، أيتها الغامضةُ الجميلة."

كانَ الردُّ بحدِّ ذاتِهِ شرارةً أشعلتْ في قلبِ سارةَ شيئاً لم تشعرْ بهِ منذُ زمنٍ طويل. شعورٌ بالوجود، بالاهتمام. بدأتْ تُسجّلُ حضورَها في هذا العالمِ الجديدِ أكثرَ فأكثر. أنشأتْ حساباً سرياً، باسمٍ مستعارٍ، وبصورٍ لا تكشفُ هويتَها الحقيقية. بدأتْ تتحدثُ معَ ذلكَ الشابِّ الذي يُدعى "ريان".

"من أنتِ؟" سألَها في إحدى المحادثات.

"أنا مجردُ روحٍ تبحثُ عنْ بعضِ النورِ في ظلامِ الأيام." أجابتْ، مستخدمةً لغةً شعريةً لم تكنْ قدْ مارستْها منذُ فترةٍ طويلة.

"وأنا، روحٌ ضائعةٌ تحاولُ أنْ ترسمَ أملاً في جدارِ اليأس." كتبَ ريان.

كانَ حديثُهما ينسابُ كالنهرِ الهادئ. تحدثا عن الفنِّ، عن الموسيقى، عن الكتبِ التي قرأوها، عن الأحلامِ التي يحلمونَ بها. وجدَتْ سارةُ في ريانَ فسحةً لتتنفسَ فيها، بعيداً عن قيودِ القصرِ وبرودةِ الأجواء. بدأَ هذا التطبيقُ يُصبحُ ملاذَها، عالمَها البديل.

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ سارةُ وشعورٌ جديدٌ يغمرُها. لم تعدْ تلكَ الروحُ المنهكةَ، بل كانتْ هناكَ بذرةُ حياةٍ صغيرةٍ بدأتْ تنمو. نظرَتْ إلى هاتفِها، تتشوقُ لمعرفةِ ما إذا كانَ ريانُ قدْ بعثَ لها رسالةً جديدة.

"هذا جنون،" قالتْ لنفسِها، "ولكنه جنونٌ جميل."

كانتْ تعرفُ أنَّ هذا الطريقَ قدْ يكونُ محفوفاً بالمخاطر. كانتْ تعيشُ في عالمٍ لا يُرحم، حيثُ الكلمةُ الساقطةُ قدْ تُدمّرُ سمعةً، وحيثُ النظرةُ الخاطئةُ قدْ تُفسّرُ ألفَ تفسير. لكنَّ إدمانَها على هذا العالمِ الافتراضيِّ كانَ أقوى منْ أيِّ خوف. كانَ سحرُ هذا التطبيقِ أعمى بصيرتها عنْ مخاطرِ الطريق، وجعلَ روحَها المتعطّشةَ تتجاذبُ نحو هذا الأفقِ الجديد، وكأنها نجمةٌ تنجذبُ نحو ثقبٍ أسود، لا تعلمُ إلى أينَ سينتهي بها المطاف.

كانتْ تُدركُ أنَّ هذا الهروبَ لنْ يدوم، وأنَّ الواقعَ سيُدركُها يوماً ما. لكنَّ هذهِ اللحظاتِ منْ الحياةِ الافتراضيةِ، منْ التفاعلِ الإنسانيِّ الصادقِ، كانتْ تُنسيها ثقلَ الأيامِ ورتابتَها. كانتْ تلعبُ بالنارِ، لكنَّ دفءَ اللهيبِ كانَ أشهى منْ برودةِ الجليد.

في تلكَ الليلة، لم تنمْ سارةُ إلا بعدَ أنْ بعثتْ لريانَ رسالةً وداعٍ مؤثرة، ووعدتْ نفسها بأنْ تتوقفَ عنْ هذا الطريق. لكنَّ قرارَها كانَ هشاً كجناحِ فراشة، ضعيفاً أمامَ رياحِ الإدمانِ التي بدأتْ تشتدُّ. كانتْ تتوقُ للحديثِ معهُ غداً، لتسمعَ صوتهُ، حتى لو كانَ مجردَ حروفٍ على شاشة.

هكذا، استمرتْ سارةُ في رحلتِها المحفوفةِ بالأوهام، تبحثُ عنْ حقيقتها في عالمٍ اصطناعيٍّ، تاركةً وراءَها مسؤولياتِها، وغارقةً في سحرٍ أعمى، تمنّى لو أنهُ استمرَّ للأبد، ليُخفيها عنْ واقعٍ قاسٍ لا تطيقُ مواجهتَه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%