حب وكرامة الجزء الثاني

إدمانُ الصَّدى وَلُغزُ الهَويّة

بقلم فاطمة النجار

مرّتْ أيامٌ أخرى، ولمْ تعدْ سارةُ تستطيعُ مقاومةَ سحبِ "جناحِ الفراشة". لقدْ أصبحَ هذا التطبيقُ هوَ النبضَ الذي يُبقيها على قيدِ الحياة. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ إعجابٍ أوْ فضول، بلْ صارَ إدماناً عميقاً، إدماناً على الصدى، على الصوتِ الذي يُعيدُ إليها إحساسَها بالوجود. كانَ ريانُ هوَ الصوتُ الأقوى، والملاذُ الأقرب.

"صباحُ الخير، سارة. كيفَ حالُ روحِكِ اليوم؟" جاءتْ رسالةُ ريانَ الأولى في صباحٍ مشمس، رغمَ أنَّ الشمسَ لمْ تكنْ تصلُ إلى غرفتها كما يجب.

ابتسمتْ سارةُ ابتسامةً باهتة. "صباحُ النور، يا ريان. روحي كالغيمةِ التي تنتظرُ انقشاعَ الظلام."

"والظلامُ لنْ يدوم، سارة. تذكري أنَّ القمرَ يسطعُ حتى في أشدِّ الليالي ظلمة. وأنا هنا، كالقمرِ الذي يُنيرُ لكِ الطريق."

كلماتُهُ كانتْ تُغريها، تُشعرُها بأنها ليستْ وحدها في هذا البحرِ المُظلم. بدأتْ تتقاسمُ معهُ تفاصيلَ أكثرَ، عنْ حياتِها العائلية، عنْ ضغوطِ القصر، عنْ علاقتِها المعقدةِ بـ خالد. لمْ تكشفْ لهُ هويتَها الحقيقية، بالطبع، لكنها كانتْ تُلمّحُ عنْ حياةِ الرفاهيةِ التي تعيشُها، وعنْ قيودِها.

"هلْ أنتِ أميرةٌ حبيسةٌ في قصرٍ منْ ذهب؟" سألَها ريانُ في إحدى المرات، وكأنّهُ قرأَ ما في قلبِها.

شعرتْ سارةُ بالخوفِ المفاجئ. كيفَ استطاعَ أنْ يُخمّنَ هذا؟ "ربما..." أجابتْ بتردد.

"الأميراتُ يملكنَ أحلاماً كبيرة، ويستحقنَ نهايةً سعيدة. لا تدعي القيودَ تُطفئُ بريقَ عينيكِ."

كانَ حديثُهُ معها يُشبهُ السحر. كانَ يُخرجُ منْها أجملَ ما فيها، يُشجعُها على استعادةِ شغفِها، على البحثِ عنْ ذاتِها. لكنْ في العمق، كانتْ تعرفُ أنَّ هذا السحرَ قدْ يكونُ وهمياً. كانَ ريانُ مجردَ شخصٍ غريبٍ تعرفتْ عليهِ عبرَ الإنترنت، وكانتْ تُعطيَهُ كلَّ هذا الأهمية.

في نفسِ الوقت، كانَ وليدُ يزدادُ إصراراً على التواصلِ معَ سارة. كانَ مُعجباً بفنِّها، لكنهُ كانَ يشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً غامضاً حولَها. كانَ يراقبُ نشاطَها على التطبيق، ويلاحظُ انشغالَها المفرطِ بـ ريان.

"هلْ أنتِ مُطمئنةٌ في علاقتِكِ معَ ريان؟" سألَها في إحدى المحادثات، بعدَ أنْ أرسلتْ لهُ رسالةً طويلةً تتحدثُ فيها عنْ مشاعرِ الحزنِ التي تُصاحبُها.

"لماذا تسأل؟" أجابتْ سارةُ بقلق.

"أرى في كلامِكِ حزناً عميقاً، يا سارة. يبدو لي أنَّ ريانَ لا يُقدمُ لكِ ما تحتاجينَ إليهِ حقاً. أخشى عليكِ منْ أنْ تقعي في فخِ الأوهام."

كانَ كلامُ وليدِ يُشعلُ في قلبِ سارةَ شكوكاً جديدة. هلْ كانَ ريانُ صادقاً؟ أمْ أنهُ كانَ يُستخدمُها فقطْ؟ كانتْ تُقارنُ بينَ ريانَ وولد، وتجدُ أنَّ وليدَ يُعطيها اهتماماً عملياً وفنياً، بينما ريانُ يُعطيها اهتماماً عاطفياً. أيُّ النوعينِ كانَ هوَ الأفضلُ لها؟

كانتْ تلعبُ لعبةً خطيرة، تتقاذفُها تياراتُ العلاقاتِ الافتراضية. وفوقَ كلِّ هذا، كانَ هناكَ لغزُ الهويةِ. لمْ تعرفْ شيئاً عنْ ريانَ أوْ وليد، سوى ما يُظهرونَهُ في صورِهم وكلماتِهم. وهذا اللغزُ كانَ يُغذي إدمانَها، يُشعرُها بأنها تعيشُ مغامرةً غامضة.

في إحدى الليالي، قررتْ سارةُ أنْ تتخذَ خطوةً جريئة. أرسلتْ لـ ريانَ رسالةً طويلةً، تُعبّرُ فيها عنْ مشاعرِها المتزايدةِ نحوه.

"يا ريان، لمْ أعدْ أستطيعُ إخفاءَ ما في قلبي. لقدْ صرتَ لي أكثرَ منْ مجردِ صديق. أخشى أنْ أكونَ قدْ أحببتُكَ."

انتظرتْ رداً لعدةِ ساعات، وقلبُها يخفقُ بعنف. هلْ سيتلقى هذا الاعترافَ بسرور؟ أمْ سيُفزعُ منهُ؟

جاءَ الردُّ أخيراً. "سارة، إنَّ مشاعركِ تُشرفني. لكنْ، هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ هذا؟ هلْ أنتِ مستعدةٌ لهذا الطريق؟"

كانَ ردهُ مُبهماً، فيهِ شيءٌ منْ الحذر. لمْ يُبادلهُ نفسَ المشاعر، لكنهُ لمْ يرفضها تماماً. هذا الغموضُ زادَ منْ شغفِ سارةَ به، ومنْ إدمانِها عليه.

في هذهِ الأثناء، كانَ خالدُ يُفكرُ كثيراً في سارة. كانتْ تبدو لهُ بعيدةً، غامضة. بدأَ يشعرُ بأنَّ هناكَ جداراً سميكاً يرتفعُ بينهما، جدارٌ لمْ يكنْ هوَ منْ بناه. بدأَ يُراقبُها بصمت، ويُحاولُ فهمَ ما يدورُ في عقلِها.

في أحدِ الأيام، بينما كانَ خالدُ يتفقدُ مكتبَ سارةَ القديم، عثرَ على ورقةٍ قديمةٍ بينَ أغراضِها. كانتْ ورقةً رسمتها سارةُ قبلَ سنوات، عندما كانتْ طالبةً في كليةِ الفنون. كانتْ صورةً لشابٍّ ذي عينينِ عميقتين، يُشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ رسوماتِ ريان. تملكها الفضول. لمْ يكنْ يعلمُ أنَّ هناكَ شيئاً يُشبهُ ريانَ في ماضي سارة.

"منْ هذا الشاب؟" تساءلَ خالدُ بصوتٍ خافت، وعيناهُ تتفحصانِ تفاصيلَ الرسم.

هذا الاكتشافُ الصغيرُ كانَ بمثابةِ شرارةٍ أشعلتْ في داخلهِ قلقاً جديداً. هلْ كانَ هناكَ سرٌّ في حياةِ سارةَ لمْ يكنْ يعلمُ به؟ هلْ كانتْ تبحثُ عنْ شيءٍ فقدتهُ؟

في الوقتِ نفسِهِ، بدأتْ الشيخةُ فاطمةُ تُلاحظُ تغييراً في تصرفاتِ خالد. بدأَ يُصبحُ أكثرَ انطواءً، وأكثرَ قلقاً. بدأتْ تشعرُ أنَّ هناكَ شيئاً ما يُشغلُ بالَ ابنِها، شيئاً قدْ يكونُ متعلقاً بـ سارة.

"خالد، ما الذي يُقلقُكَ؟" سألتهُ ذاتَ مساء.

ترددَ خالدُ قليلاً، ثمَّ قال: "لا شيءَ يا أمي. مجردُ ضغوطِ العمل."

لكنَّ الشيخةَ فاطمةَ لمْ تقتنع. كانتْ تعرفُ ابنَها جيداً، وتستطيعُ أنْ ترى ما وراءَ كلماتِهِ.

بينما كانتْ سارةُ تغوصُ أعمقَ فأعمقَ في إدمانِها على الصدى الافتراضيِّ، كانتْ ظلالُ الواقعِ تُحيطُ بها منْ كلِّ جانب. كانتْ تلعبُ لعبةَ الهويةِ، وتُقاذفُها خيوطُ الحبِّ والكراهيةِ، دونَ أنْ تدري أنَّ هذهِ اللعبةَ قدْ تُكلفُها كلَّ شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%