حب وكرامة الجزء الثاني
أَثَرُ الخُطى وَأَشباحُ الماضي
بقلم فاطمة النجار
لمْ تكُنْ سارةُ وحدَها في رحلةِ البحثِ عنْ الذاتِ في عالمِ "جناحِ الفراشة". لقدْ بدأتْ خطواتُها تتشابكُ معَ مساراتٍ أخرى، بعضُها يُضيءُ دروبَها، وبعضُها الآخرُ يُنذرُ بالخطر. كانتْ علاقتُها بـ ريانَ تتعمقُ، تحملُ في طياتِها خليطاً منَ الحماسِ والخوف. ورغمَ اعترافِها لهُ بمشاعرِها، إلا أنَّ ردودَهُ بقيتْ حذرةً، تُشبهُ الأمواجَ الهادئةَ التي تُداعبُ الشاطئَ ثمَّ تتراجعُ، تاركةً وراءَها أثراً باهتاً.
"سارة، هلْ فكرتِ حقاً في معنى هذهِ المشاعر؟" سألَها ريانُ في إحدى المرات، وكانتْ نبرتُهُ تحملُ جديّةً لمْ تعهدْها فيه. "نحنُ نتحدثُ عبرَ الشاشات، عبرَ عالمٍ اصطناعي. الحبُّ الحقيقيُّ يحتاجُ إلى رؤيةٍ، إلى لمسٍ، إلى قربٍ."
شعرَتْ سارةُ بلسعةٍ منْ خيبةِ الأمل. هلْ كانَ يتهربُ منها؟ هلْ كانَ يخبرها بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ أنَّ ما بينهما لا يُمكنُ أنْ يتطورَ إلى شيءٍ حقيقي؟ "لكنَّ روحي تشعرُ بكَ، يا ريان. ألا يكفي هذا؟"
"الروحُ تحتاجُ إلى جسدٍ لتُعبرَ عنْ وجودِها، سارة. وواقعُنا مختلفٌ تماماً."
كانَ كلامُهُ قاسياً، لكنهُ كانَ يحملُ جزءاً منَ الحقيقة. بدأتْ سارةُ تشعرُ بأنَّ هذا العالمَ الافتراضيَّ، الذي كانَ ملاذَها، بدأَ يتحوّلُ إلى سجنٍ آخر. سجنٌ منْ الأوهامِ والتوقعاتِ غيرِ الواقعية.
في هذهِ الأثناء، كانَ وليدُ يُحاولُ جاهداً أنْ يُقربَ سارةَ منْ واقعِ الفنِّ. كانَ يُشاركُها معلوماتٍ عنْ معارضَ فنيةٍ قادمة، وعنْ ورشِ عملٍ قدْ تُفيدُها. كانَ يُحاولُ أنْ يُقنعَها بأنَّ الفنَّ لا يجبُ أنْ يبقى حبيسَ الشاشة.
"لقدْ رأيتُ بعضَ أعمالِكِ الجديدة، سارة،" كتبَ لها ذاتَ يوم، "إنها رائعةٌ! أرى فيكِ موهبةً حقيقيةً، موهبةً تستحقُّ أنْ تُعرضَ أمامَ العالم. هلْ تسمحينَ لي بأنْ أُقدمَ لكِ فرصةً لعرضِ بعضِ لوحاتِكِ في معرضٍ صغيرٍ للفنانينَ الشباب؟"
شعرَتْ سارةُ بالذهولِ ممزوجاً بالخوف. معرضٌ؟ أمامَ الناس؟ لمْ تكنْ تتخيلُ أبداً أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذا الحد. "وليد، أنا... لا أعتقدُ أنني مستعدةٌ لهذا. إنها لوحاتٌ شخصيةٌ جداً."
"ولكنْ، يا سارة، إنَّ الفنَّ هوَ جسرٌ بينَ القلوب. ألا ترينَ أنَّ حزنَكِ وألمَكِ، حينَ تتحولانِ إلى فنٍّ، يُمكنُ أنْ تُلامسا قلوبَ الآخرين؟"
كانَ وليدُ يُحاولُ أنْ يُخرجَها منْ دائرةِ عزلتِها، وأنْ يُعيدَ لها ثقتها بنفسِها. لكنَّ سارةَ كانتْ لا تزالُ مُتشبثةً بعالمِها الافتراضيِّ، تخشى مواجهةَ الواقعِ ومخاطرِهِ.
في إحدى الليالي، وبينما كانتْ سارةُ تتصفحُ مجلةَ فنٍّ قديمةً وجدتها في مكتبِ والدتِها، لفتَ انتباهَها مقالٌ قصيرٌ عنْ فنانٍ شابٍّ صاعدٍ، يُدعى "ريان". كانتْ صورةُ الفنانِ في المقالِ تُشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ الصورةَ التي استخدمَها ريانُ على تطبيقِ "جناحِ الفراشة". تملّكها الارتباكُ. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هوَ؟
بدأتْ تُقارنُ التفاصيلَ. تاريخُ ميلادٍ مُشابه، اهتمامٌ بالفنِّ، وحتى بعضُ الأساليبِ الفنيةِ التي كانتْ تصفُها المقالةُ تتطابقُ معَ ما كانَ يتحدثُ عنهُ ريان. زادَ ارتباكُها، وشعرتْ بأنَّ كلَّ شيءٍ بدأَ يتضحُ، وبأنَّ عالمَها الافتراضيَّ قدْ بدأَ يتداخلُ معَ واقعِها.
"هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا الفنانُ هوَ ريانُ الذي أعرفُهُ؟" تساءلتْ بصوتٍ مرتجف.
في نفسِ الوقت، كانَ خالدُ يُحاولُ جاهداً أنْ يُعيدَ بناءَ جسرِ التواصلِ بينَهُ وبينَ سارة. كانَ يُدركُ أنها تُعاني، لكنهُ لمْ يعرفْ كيفَ يُساعدُها. بدأَ يُراقبُها عنْ كثب، وبدأَ يُلاحظُ تعلُّقَها المفرطِ بهاتفِها.
"سارة، هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألَها بينما كانا يجلسانِ على مائدةِ العشاء.
"نعم، خالد. كلُّ شيءٍ على ما يرام." أجابتْ، دونَ أنْ ترفعَ عينيها عنْ هاتفِها.
تنهدَ خالدُ. "أشعرُ بأنكِ بعيدةٌ عني. كأنَّ هناكَ عالماً آخرَ تعيشينَ فيهِ، عالماً لا أستطيعُ الوصولَ إليه."
شعرَتْ سارةُ بالذنبِ. كلماتُ خالدِ كانتْ تُلامسُ وتراً حساساً، لكنَّ إدمانَها كانَ أقوى. "أنا فقطْ... أحتاجُ بعضَ الوقتِ لنفسي."
"لكنْ، سارة، نحنُ زوجان. يجبُ أنْ نتشاركُ أوقاتَنا، أفكارَنا، مشاعرَنا."
كانَ خالدُ يُحاولُ أنْ يُعيدَ الشرارةَ بينهما، أنْ يُعيدَ الحياةَ إلى علاقتِهما. لكنَّ أشباحَ الماضي، وأوهامَ الحاضرِ الافتراضيِّ، كانتْ تُعيقُهُ.
في تلكَ الأثناء، بدأتْ الشيخةُ فاطمةُ تشعرُ بأنَّ هناكَ أمراً ما يحدثُ بينَ سارةَ وخالد. لاحظتْ البعدَ الذي نشأَ بينهما، وبدأتْ تُحاولُ أنْ تفهمَ السبب. اقتربتْ منْ سارةَ، وبدأتْ تُبدي اهتماماً خاصاً بشؤونِها.
"يا ابنتي، أراكِ حزينةً في الآونةِ الأخيرة. هلْ هناكَ شيءٌ يُزعجُكِ؟" سألتْها بينما كانتا تتناولانِ الشايَ في إحدى نوافذِ القصرِ المطلةِ على الحديقة.
ترددتْ سارةُ. هلْ تُخبرها؟ هلْ تُخاطرُ بكشفِ سرِّها؟ "أنا فقطْ... أفتقدُ بعضَ الشغفِ في حياتي، يا جدتي."
"الشغفُ موجودٌ في كلِّ مكانٍ يا ابنتي، إنْ عرفتِ كيفَ تبحثينَ عنه. أحياناً، يكونُ أقربَ مما نتصور."
كانتْ كلماتُ الشيخةِ فاطمةَ غامضةً، لكنها تركتْ في نفسِ سارةَ بصيصَ أمل. ربما، كانتْ جدتُها على حق. ربما، كانَ الشغفُ الذي تبحثُ عنهُ موجوداً بالفعل، لكنها لمْ تعرفْ كيفَ تراهُ.
في نهايةِ المطاف، بدأتْ سارةُ تشعرُ بأنَّ عالمَها الافتراضيَّ لمْ يعدْ كافياً. بدأتْ تُدركُ أنَّ ما تبحثُ عنهُ ليسَ مجردَ كلماتٍ على شاشة، بلْ هوَ تواصلٌ حقيقيٌّ، حبٌّ صادقٌ، وحياةٌ تنبضُ بالحقيقة. بدأتْ تُشعرُ بأثَرِ خُطى أشباحِ الماضي، وبدأتْ تُدركُ أنَّ عليها أنْ تواجهَ الواقعَ، بكلِّ ما فيهِ منْ تحدياتٍ ومخاطر.