حب وكرامة الجزء الثاني

غيمةٌ في سماء السعادة

بقلم فاطمة النجار

جلستْ هندٌ في شرفتها المطلة على حدائق بيت والدها الغناء، تتأملُ أوراقَ الياسمين المتساقطةَ بهدوءٍ كأنها تهمسُ بأسرارِ الأيامِ الخوالي. أمسكتْ بخاتمِ زواجها، ومررتْ إبهامها على نقوشه البسيطةِ الرقيقة، فتذكرتْ ليلةَ عقدِ قرانها على فواز، تلك الليلةَ التي غمرتْ فيها السعادةُ قلبها، وتلاقتْ فيها العيونُ بالوعودِ الصادقة. ابتسمتْ ابتسامةً خفيفةً، لكن سرعان ما ارتسمتْ على وجهها علاماتُ القلقِ الخفي.

لم تكنْ الأمورُ بعدُ قد استقرتْ تمامًا. صحيحٌ أنَّ فواز كانَ يبدي تجاهها كلَّ الحنانِ والرعاية، وأنَّ لقاءاتهما كانتْ مباركةً تامةً، إلا أنَّ شبحَ الماضي كانَ يلقي بظلاله بين الحينِ والآخر. كانَ لقاءُ عمةِ فواز، السيدةَ عواطف، قبلَ أيامٍ، حديثَ العائلةِ الطويل. كانتْ السيدةُ عواطفُ، وهيَ امرأةٌ ذاتُ رأيٍ متينٍ وتاريخٌ حافلٌ في العائلة، قد أبدتْ تحفظاتٍ على زواجِ ابنِ أخيها من هند. لم تكنْ اعتراضاتُها صريحةً بالكلماتِ، بل كانتْ في نظراتها الثاقبة، وفي الأسئلةِ المبطنةِ التي لم تخلُ من نبرةِ تقييمٍ قاسٍ.

"ابنةُ من أنتِ يا هند؟" سألتْها وهيَ تحتسي قهوتها ببطءٍ، وعيناها ترصدانِ كلَّ حركةٍ منها. "ابنةُ الشيخِ سالم، رحمَهُ الله." أجابتْ هندٌ بصوتٍ هادئٍ، رغمَ أنَّ قلبها كانَ ينبضُ بسرعة. "آه، الشيخُ سالم. رجلٌ طيبٌ بلا شك. ولكنْ، هلْ لديكِ من يعينكِ في هذهِ الحياةِ، يا ابنتي؟ عائلةٌ تمتدُّ جذورها، لها سندٌ قوي؟" كانَ سؤالًا غريبًا، يحملُ في طياته الكثير. كانَ يعني أنَّ نسبَ هندِ، رغمَ مكانةِ والدها، قد لا يرقى إلى مستوى الطموحاتِ التي كانتْ في ذهنِ السيدةِ عواطف لعائلةِ فواز. كانتْ عائلةُ فواز من عائلاتِ المدينةِ العريقة، ولها تاريخٌ طويلٌ في التجارةِ والوجاهة، وكانتْ السيدةُ عواطفُ ترى أنَّ زواجَ فواز يجبُ أنْ يكونَ تعزيزًا لمكانةِ العائلة، لا توسيعًا لدائرتها بوجوهٍ قد لا ترقى إلى معاييرها.

لم تكنْ هندٌ تلامُ على ماضي والدها. لقدْ كانَ تاجرًا بسيطًا، طيبَ القلبِ، لم يتركْ لها ثروةً طائلة، ولكنه تركَ لها إرثًا من الأخلاقِ الحميدةِ والتربيةِ الحسنة. كانتْ تشعرُ ببعضِ الأسى لأنَّ السيدةَ عواطفَ لم ترَ ذلك، وركزتْ على ما تراهُ نقصًا.

في الجهةِ المقابلة، كانَ فوازُ يشعرُ بضيقٍ شديدٍ بسببِ موقفِ عمته. لم يكنْ يعرفُ كيفَ يتعاملُ معَ هذهِ الاعتراضاتِ غيرِ المباشرة. كانَ يحبُّ هندًا حبًا جمًا، ويرى فيها الشريكةَ المثاليةَ لدينهِ ودنياه. كانتْ تتمتعُ بذكاءٍ لامع، وعفةٍ طاهرة، وقلبٍ رحيم. ولكنَّ السيدةَ عواطفَ كانتْ بمثابةِ صوتِ العائلةِ التاريخي، وكانَ رأيها ذا ثقلٍ لا يمكنُ تجاهله.

"لقدْ تحدثتُ معَ أمي اليوم، يا هند." قالَ فوازٌ في مكالمتهِ المسائيةِ معها. كانَ صوتهُ خافتًا، وكأنَّه يحملُ ثقلَ العالم. "وأمي، كيفَ حالها؟" سألتْ هندٌ بقلقٍ. "حالها بخير، باركها الله. ولكنَّها قلقةٌ بعضَ الشيء." "قلقةٌ من ماذا؟" "منْ أمرٍ يتعلقُ بـ... بـ... بعلاقتنا. لقدْ سمعتْ من عمتي بعضَ التحفظات." تنهدتْ هندٌ بصوتٍ مسموع. "لقدْ شعرتُ بذلكَ في لقائنا. نظراتها لم تكنْ مطمئنة." "أعلمُ أنَّ عمتي لديها معاييرٌ خاصة، ولكنَّها لم تكنْ مخطئةً تمامًا في بعضِ ما قالته." توقفَ فوازٌ قليلًا، ثمَّ أردفَ بتردد: "لم يكنْ لدينا سندٌ عائليٌ كبير، يا هند. عائلتنا، رغمَ مكانتها، كانتْ تتطلعُ دائمًا لزيجاتٍ تكونُ فيها العائلتانِ على نفسِ المستوى من القوةِ والنفوذ. وهذا... وهذا قد يجعلُ الأمرَ صعبًا عليها."

كانَ كلامُ فوازٍ، رغمَ صدقِهِ، يجرحُ هندًا في العمق. لم تكنْ تتوقعُ منهُ أنْ يرى الأمورَ من هذا المنظورِ الضيق. لقدْ رأتْ فيهِ رجلًا ينظرُ إلى القلبِ والدينِ والخلق، لا إلى ألقابِ العائلاتِ وبريقِ الأموال. "هلْ ترى أنتَ ذلكَ يا فواز؟ هلْ ترى أنَّنا لسنا على نفسِ المستوى؟" سألتْ بصوتٍ حاولَ أنْ يكونَ ثابتًا، ولكنَّه ارتجفَ قليلاً. صمتَ فوازٌ للحظة، ثمَّ قالَ بحزمٍ غريب: "أنا أرى فيكِ كلَّ ما أبحثُ عنه، يا هند. أرى فيكِ الدينَ والخلقَ والعقلَ والجمال. ولكنْ، لا يمكنني أنْ أتجاهلَ رأيَ عائلتي تمامًا. خاصةً وأنَّ هذهِ القضيةَ قدْ تؤثرُ على علاقتي بهم، وعلى مستقبلنا. أمي... أمي قلقةٌ جدًا."

كانَ هذا هوَ الجزءُ الأصعب. أنْ يضعَ فوازٌ، ولو عن غيرِ قصد، مسافةً بينهما، وأنْ يجعلَها تشعرُ بأنَّ اختيارَهُ لها كانَ تحديًا، لا قرارًا نابعًا من قناعةٍ مطلقةٍ بالانسجامِ التام. "أتفهمُ قلقَ والدتكَ، يا فواز. وأتفهمُ موقفَ عمتكَ. ولكنْ، ألا ترونَ أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ، والتقديرَ المتبادل، والوفاقَ بينَ الزوجين، هوَ ما يبني العائلاتِ ويقويها؟ ألا يكفي أنَّنا ملتزمونَ بشرعِ الله، وأنَّنا نسعى لأنْ نبنيَ بيتًا مسلمًا صالحًا؟"

لم يكنْ لديها الحلولُ الجاهزة. لم تكنْ تعرفُ كيفَ تواجهُ هذهِ العقباتِ الاجتماعيةَ التي تلتفُّ حولَ أعناقِ الكثيرين. كانتْ تحسُّ بالظلمِ والإحباط، وتتساءلُ إنْ كانَ مستقبلها معَ فوازٍ مهددًا بسببِ تحيزاتٍ لم تكنْ هيَ سببًا فيها.

"سأعملُ على إقناعهم، يا هند." قالَ فوازٌ بصوتٍ متعب. "سأجعلهم يرونكِ كما أراكِ. ولكنْ، احتاجُ بعضَ الوقتِ والصبر." "الصبرُ عندي، يا فواز. ولكنْ، هلْ أنتَ متأكدٌ أنَّ قلبكَ لم يتأثرْ بكلامهم؟" "لا، يا هند. قلبي لكِ. ولكني رجلٌ أعيشُ في مجتمعٍ، ولا بدَّ لي من مراعاةِ أعرافه."

أنهتْ هندٌ المكالمةَ وهيَ تشعرُ ببرودةٍ تتسللُ إلى أطرافِها. تذكرتْ آيةً من القرآنِ الكريم: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". كانتْ تؤمنُ بهذهِ الآيةِ إيمانًا عميقًا، ولكنَّ الطريقَ إلى المخرجِ بدا الآنَ متشعبًا ومليئًا بالعقبات. نظرتْ إلى القمرِ الساطعِ في السماء، وكأنها تستمدُّ منهُ النورَ والأمل. لم تكنْ تعلمُ أنَّ هذهِ الغيمةَ العابرةَ ستختبرُ قوةَ حبها وصلابةَ إيمانها أكثرَ مما تتصور.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%