زوجي الغريب الجزء الثاني

الصدى الأول للشوق

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء باردًا، لا يزال يحمل بقايا شتاءٍ عنيدٍ قرر أن يتمسك بأطراف الربيع. وقفَتْ ليالي على شرفة منزلها العتيق، تتنفس بعمقٍ رائحة الياسمين التي بدأت تتفتح، ممزوجةً بشذى الأرض الندية بعد مطرٍ خفيفٍ هطل ليلاً. كان المشهدُ أمامها ساحرًا؛ مدينةٌ تستيقظ ببطءٍ على إيقاعِ الأذانِ الأول، وبيوتٌ متراصةٌ تعكسُ ضوءَ الشمسِ الخجولَ على جدرانها البيضاء، وشوارعٌ بدأت تمتلئُ بوجوهٍ مألوفةٍ تسعى لأرزاقها. لكنّ قلبَ ليالي لم يكنْ مرتاحًا لهذا الجمالِ الهادئ. كانتْ تخفي خلفَ ابتسامتها الرقيقةِ وضحكتها المعتادةِ عاصفةً من المشاعرِ المتضاربة.

قبلَ ساعاتٍ قليلة، وطأتْ قدماها أرضَ القاهرةِ بعدَ رحلةٍ طالتْ شهرين، قضتها بينَ عائلتها في بلدتهم الصغيرةِ الهادئة. كانتْ العودةُ دائمًا تحملُ معها شعورًا بالانكسارِ المختلطِ بالأمل. الانكسارُ لأنها تاركةٌ وراءها دفءَ العائلةِ وأمانَ حضنِ الأم، والأملُ لأنها تعودُ إلى حياتها، إلى عملها، إلى… إلى زوجها.

"زوجها الغريب". هكذا كانَ لقبُه الذي أطلقتهُ عليهِ منذُ اليومِ الأولِ لزواجهما. رجلٌ لم تعرفهُ إلا عبرَ جلساتِ النظرةِ الشرعيةِ الرسمية، ورجلٌ وافقَ عليهِ أهلها لِما عرفوا عنه من صلاحٍ واستقامةٍ وخلقٍ رفيع. لكنّ الأقدارَ شاءتْ أنْ يكونَ لقاؤهما الأولُ كزوجينِ في ظروفٍ استثنائية، بل مأساوية.

كانَ يومَ زفافها، يومَ الحلمِ الذي طالما نسجتهُ في خيالها، يومَ الفرحِ الذي انتظرتْه بفارغِ الصبر. لكنّ بدلَ أنْ تسمعَ زغاريدَ أمها وزينتها، سمعتْ صوتَ سيارةِ إسعافٍ مسرعة، ورأتْ وجوهَ أقاربها شاحبةً، مليئةً بالذعر. خبرٌ كالصاعقةِ نزلَ عليها: حادثٌ أليمٌ أودى بحياةِ والدها المفاجئة، وأدخلَ والدتها في غيبوبةٍ عميقة.

توقفَ كلُّ شيء. توقفَ الزفاف، توقفتْ الأفراح، بل توقفتِ الحياةُ بأسرها. في تلكَ اللحظاتِ العصيبة، لم يكنْ أمامها سوى التماسكِ من أجلِ والدتها، ومن أجلِ عائلتها. وبدلَ أنْ تبدأَ حياتها الزوجيةَ في قفصِ الذهبِ الذي يلفّهُ الحبُّ والرومانسية، بدأتْها في قفصِ المسؤوليةِ والأحزان.

زوجها، أحمد. لم تتعرفْ عليهِ حقًا. في تلكَ الأيامِ السوداء، كانَ وجودهُ يمثلُ لها ملاذًا غريبًا. رجلٌ لا تعرفُ عنهُ إلا اسمهُ، وعملهُ كمهندسٍ مرموقٍ في إحدى الشركاتِ الكبرى، وصفاتهِ الطيبةِ التي يجمعُ عليها كلُّ من يعرفهُ. لكنّ قلبهُ، أفكارهُ، مشاعرهُ… كانتْ كلُّها مجردَ ألغازٍ لم تستطعْ حلّها بعد.

لم يرَها إلا مرةً واحدةً قبلَ الزواج، في موعدٍ رسميٍ قصيرٍ في حضورِ والديها. تبادلا بعضَ الكلماتِ العادية، لكنّها لم تشعرْ بأيِّ تواصلٍ حقيقي. هوَ كانَ هادئًا، متحفظًا، وعيناهُ تبدوانِ وكأنهما تخفيانِ عوالمهما الخاصة. لم يسألْها عن أحلامها، ولم تخبرهُ هيَ عن آمالها. كانتْ نظرةٌ أولى، وحكمٌ مسبقٌ من الأهل، وتمَّ الزواج.

ثمّ جاءَ الحادث. وفي خضمِّ الفاجعة، لم تجدْ منهُ سوى الدعمِ غيرِ المشروط. وقفَ بجانبها، تحملَ جزءًا كبيرًا من مسؤولياتِ ترتيباتِ الدفنِ والعزاء، رافقها في زياراتِ المستشفى، وكانَ صامتًا، قويًا، سندًا لا يُمكنُ الاستغناءُ عنهُ. لكنّ صمتهُ هذا كانَ يزيدُ من غرابتِهِ في عينيها.

"هلْ يشعرُ بشيءٍ تجاهي؟" كانَ هذا السؤالُ يتسللُ إلى ذهنها في الليالي الطويلةِ التي قضتها بجوارهِ في غرفتهما الفارغة. لم يتقربْ منها بكلمةٍ عاطفية، ولم يحاولْ إظهارَ أيِّ مودةٍ صريحة. في بدايةِ الأمر، كانتْ تفهمُ ذلكَ، فهوَ رجلٌ في ظرفٍ صعبٍ مع زوجةٍ في حالةٍ صدمة. لكنّ الأيامَ تحولتْ إلى أسابيع، والأسابيعُ إلى أشهر، ولم يتغيرْ شيء. كانَ يعاملها بلطفٍ واحترام، يوفرُ لها كلَّ ما تحتاجُ إليه، لكنّ العلاقةَ بينهما ظلتْ سطحيةً، باردةً، تفتقرُ إلى دفءِ العشرةِ الزوجية.

كانتْ تخشى أنْ تعترفَ لنفسها بأنّها بدأتْ تشعرُ بشيءٍ تجاهَهُ. هذا الرجلُ الغريب، الذي دخلَ حياتها في أسوأِ الظروف، لم يستغلْ ضعفها، ولم يستغلْ حزنها. بل على العكس، كانَ رحيمًا، صبورًا، وكانَ يمنحها مساحةً لِتتعافى. وفي عينيهِ، كانتْ ترى شيئًا… شيئًا عميقًا، وربما حزنًا مشابهًا لحزنها، لكنهُ لا يجرؤُ على البوحِ به.

اليوم، وبعدَ رحلةِ العودةِ من بيتِ أهلها، أصبحتْ شقتها في القاهرةِ هيَ المنزلَ الوحيدَ الذي يجمعهما. بابُ الشقةِ الذي كانَ يمثلُ حتى الأمسِ بابَ بيتِ عائلتها، أصبحَ الآنَ بابَ بيتِ زوجها. دخلتْ بأمتعتها، وأولُ ما فعلتهُ هوَ وضعُ صورتها المصغرةِ مع والدتها على طاولةٍ جانبية. كانتْ تهمسُ لها: "أمي، لقد عدتُ. أريدُ أنْ أحاولَ. أريدُ أنْ أبنيَ حياتي من جديد."

سارتْ في أرجاءِ الشقةِ التي زينتها هيَ بنفسها، تذكرتْ كيفَ اختارتْ الألوانَ الهادئة، الأثاثَ المريح، وكيفَ كانتْ تتخيلُ أنْ تبدأَ حياةً جديدةً فيها معَ منْ سكنَ قلبها. لكنّ الواقعَ كانَ مختلفًا. الغرفةُ الزوجيةُ كانتْ تبدو فارغةً، كقلبها.

كانَ أحمدُ لا يزالُ في العمل. سيصلُ متأخرًا، كعادته. تنهدتْ ليالي، ثمّ بدأتْ في ترتيبِ أمتعتها. سمعتْ صوتَ هاتفها يرن. نظرتْ إلى الشاشة، ورأتْ اسمَ والدتها. ابتسمتْ على الرغمِ منْ تعبها.

"ألو يا أمي، لقد وصلتُ بخير. الحمدُ لله."

جاءَ صوتُ والدتها القادمُ منَ المدينةِ الساحليةِ بصعوبةٍ بسببِ ضعفِ الشبكة: "الحمدُ لله يا ابنتي. طمنيني عنكِ. وعن… عن أحمد؟"

كانَ السؤالُ مباشرًا، ولكنهُ طبيعي.

"هو بخير يا أمي. ما زالَ في العمل. سيعودُ متأخرًا."

"هلْ… هلْ أنتما بخير؟" كانَ صوتُ والدتها يحملُ قلقًا واضحًا، قلقَ أمٍّ تخشى على ابنتها.

شعرتْ ليالي بخفقانٍ في قلبها. هلْ هما بخير؟ لم تكنْ تعرفُ الإجابة. "نحنُ نحاولُ يا أمي. كلُّ شيءٍ سيصبحُ على ما يرام."

"أتمنى ذلكَ يا صغيرتي. أنتِ تستحقينَ السعادة. وأحمدُ رجلٌ صالح. فقط… فقط أعطِ الأمرَ وقتًا."

"نعم يا أمي. شكرًا لكِ."

أغلقتْ ليالي الهاتفَ، وشعرتْ بأنّ ثقلَ العالمِ على كتفيها. حاولتْ أنْ تجدَ نفسَها في المرآة، لكنّ ما رأتهُ لم يكنْ سوى شبحٍ متعب. بدأتْ تشعرُ بالبردِ يتسللُ إلى عظامها.

"يجبُ أنْ أستعدَ لاستقبالهِ." همستْ لنفسها.

ذهبتْ إلى غرفةِ الملابس، واختارتْ ثوبًا بسيطًا، لكنه أنيق. ثوبٌ بلونِ الياقوت، طويلٌ، فضفاضٌ، يتناسبُ معَ طبيعةِ الرومانسيةِ الحلالِ التي تقتضي الاحتشام. ثمّ ذهبتْ إلى المطبخ، وأعدتْ لهُ كوبًا منَ الشايِ الساخن، معَ طبقٍ صغيرٍ منَ البسكويت. وضعتْهما على طاولةِ الطعامِ في غرفةِ المعيشة، ثمّ جلستْ على الأريكة، تشعلُ مصباحًا هادئًا، وتنتظر.

كانَ الصمتُ يلفُّ المكان، صمتٌ ثقيلٌ لا يكسرهُ سوى صوتُ عقاربِ الساعة. كانتْ تتأملُ في الأثاث، في كلِّ تفصيلةٍ في هذا البيتِ الذي أصبحَ مساحتها الخاصة، ومساحتهُ المشتركة. كانتْ تتساءلُ عن حياتهِ قبلَ أنْ تدخلَها، عن أحلامهِ، عن آلامهِ.

الوقتُ يمرُ ببطءٍ شديد. بدأتْ تشعرُ بالنعاسِ يغالبها. لكنّها لم تستطعْ أنْ تغمضَ عينيها. كانَ هناكَ شيءٌ ما ينتظرُ حدوثَهُ. شيءٌ سيغيرُ كلَّ شيء.

وأخيرًا، سمعتْ صوتَ المفتاحِ يدورُ في قفلِ الباب. تجمدتْ في مكانها. قلبها بدأَ يضربُ بقوةٍ أسرعَ منَ إيقاعِ عقاربِ الساعة. نهضتْ بخفةٍ، وانتظرتْ عندَ مدخلِ غرفةِ المعيشة.

دلفَ أحمدُ إلى الشقة. كانَ وجههُ يحملُ آثارَ التعبِ والإرهاق، لكنّ عينيهِ، عندَ رؤيتهِ لـ ليالي واقفةً على استعدادٍ لاستقبالهِ، اكتسبتْ لمعانًا خفيًا، لمحتهُ ليالي بوضوح.

"أهلاً بكَ في المنزل، أحمد." قالتْ بصوتٍ هادئ، لكنهُ خالٍ منْ أيِّ تردد.

نظرَ إليها، وفي عينيهِ شيءٌ منَ الدهشة، وشيءٌ منَ الارتياح. لم يتكلمْ فورًا، بل اكتفى بابتسامةٍ باهتةٍ مرتْ على شفتيه.

"شكرًا لكِ، ليالي. يبدو أنكِ عدتِ مبكرًا."

"نعم. أردتُ أنْ أرتبَ بعضَ الأمور." أشارتْ إلى طاولةِ الطعام. "الشايُ جاهزٌ إذا كنتَ ترغب."

"جزيتِ خيرًا. سآخذُ حمامًا سريعًا ثمّ أنزل."

ابتعدَ أحمدُ متجهًا إلى غرفته. تركتْ ليالي تنظرُ إليهِ وهوَ يختفي، وتشعرُ بقلبها يهمسُ لها: "هذهِ هيَ البداية. بدايةٌ صعبة، لكنها بداية."

تسللتْ إلى غرفةِ نومهما، وبدأتْ تستعدُ للنوم. لم يكنْ الأمرُ مريحًا. كانتْ تعلمُ أنَّ الليلةَ ستكونُ مختلفة. بعدَ كلِّ تلكَ الأشهرِ منَ الصمتِ والفراغ، بدأتْ تشعرُ بأنّ هناكَ خيطًا رفيعًا يربطهما، خيطًا منَ الأملِ، أو ربما منَ الخوف.

جلستْ على حافةِ السرير، تتذكرُ تفاصيلَ اليوم، تفاصيلَ الرحلة، تفاصيلَ حياتها التي بدأتْ تتشكلُ من جديد. كانَ أحمدُ غريبًا، نعم، لكنهُ كانَ غريبًا بالطيبِ والرحمة. وكانَ هذا هوَ كلُّ ما تملكهُ الآنَ لتبدأَ به.

فتحَ البابَ ببطءٍ و دخلَ أحمد. رأى ليالي جالسةً تنتظرهُ، فسكنَ في مكانهِ للحظة. ثمّ تقدمَ بخطواتٍ هادئةٍ وجلسَ على الكرسيِ المقابل. لم تكنْ هناكَ طاولةُ طعامٍ تفصلُ بينهما، بل مجردُ مسافةٍ صمتٍ واضحة.

"هلْ ارتحتِ قليلًا؟" سألَ، وصوتُهُ هادئٌ كعادته.

"نعم، قليلاً. الرحلةُ كانتْ متعبة."

"أتفهم."

توقفَ أحمدُ للحظة، ينظرُ إلى كوبِ الشايِ الموضوعِ أمامه. ثمّ رفعَ بصرهُ نحوها. "ليالي، أريدُ أنْ أقولَ شيئًا."

كانتْ هذهِ أولَ مرةٍ يقولُ لها "ليالي" بهذا الشكل، لم يكنْ مجردَ نداء، بل كانَ يحملُ معنى.

"نعم؟" أجابتْ، وشعرتْ بأنّ قلبها على وشكِ الانفجار.

"أعلمُ أنَّ ظروفَ زواجنا لم تكنْ طبيعية. وأنَّ الفترةَ الماضيةَ كانتْ صعبةً على الجميع. خاصةً عليكِ." توقفَ، ثمّ واصلَ بجدية. "أردتُ أنْ أقولَ لكِ… أنني مقدّرٌ لكلِّ ما تفعلينهُ. ولصبركِ. ولتحملكِ."

كانتْ كلماته صادقة. كانتْ تعبرُ عن شكرٍ عميقٍ وتقديرٍ صادق. رفعتْ ليالي عينها لتلتقيَ بعينيهِ. رأتْ فيهما شيئًا لم ترهُ من قبل. لم يكنْ مجردَ رجلٍ طيب، بل كانَ يحملُ في داخلهِ عمقًا وحزنًا.

"شكرًا لكَ يا أحمد. أنتَ أيضًا كنتَ سندًا لي."

ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً أوسعَ هذهِ المرة. "لا عليكِ. هذهِ واجباتٌ… لا، هذهِ أشياءٌ يفعلها الأقرباء."

"نعم. الأقرباء." ردّدتْ ليالي الكلمةَ، وهيَ تشعرُ بأنّها تحملُ معنًى أعمقَ مما تبدو عليه.

تناولا الشايَ في صمتٍ مريحٍ هذهِ المرة. كانَ هناكَ إدراكٌ متبادلٌ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هيَ بدايةٌ حقيقية. بدايةٌ ليستْ مليئةً بالرومانسيةِ المشتعلة، بل مليئةً بالهدوءِ والاحترام، وربما… ببدايةِ تفهمٍ أعمق.

نظرتْ ليالي إلى أحمد. في عينيهِ، بدأتْ ترى شيئًا ما. لم يكنْ غريبًا تمامًا بعد. كانَ هناكَ احتمالٌ، هناكَ بصيصٌ منْ نورٍ في هذا الظلامِ الذي لفَّ حياتهما.

"أتمنى أنْ نصبحَ قريبينَ من بعضنا البعض." قالتْ ليالي بصوتٍ واثقٍ، وهيَ تقررُ أنْ تخوضَ هذا التحدي، تحدي بناءِ أسرةٍ على أسسٍ منَ الصدقِ والاحترام، حتى وإنْ كانَ زوجها يبدو غريبًا.

رفعَ أحمدُ حاجبيهِ بدهشةٍ طفيفة. "وأنا أتمنى ذلكَ أيضًا، ليالي. وبشدة."

صوتُهُ كانَ يحملُ وعدًا، وعدًا لا تدركُ ليالي تمامًا معناهُ بعد، لكنها شعرتْ بأنّهُ سيغيرُ حياتهما إلى الأبد. وانتهى الفصلُ الأول، تاركًا وراءهُ شعورًا بالأملِ الممزوجِ بالترقب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%