زوجي الغريب الجزء الثاني

همسات الماضي في حديقة الذكريات

بقلم ليلى الأحمد

ارتعش قلب ليلى وهي تتأمل وجه زوجها، فهد، تحت ضوء القمر الذي تسلل عبر ستائر غرفة المعيشة. كانت الأمسية قد بدأت عادية، حديث هادئ عن تفاصيل يومهما، لكن سرعان ما انحرف الحديث نحو ظلال الماضي التي طالما حاولت ليلى إبعادها. كان فهد، ببروده المعهود الذي يخفي دفئاً لا ينكره إلا من لم يختبره، قد بدأ يستفصل عن فترة انقطاعها عن العائلة قبل زواجهما. لم تكن تعرف من أين أتى هذا الفضول المفاجئ، لكنه كان كافياً ليوقظ في صدرها خوفاً قديماً.

"ليلى،" قال فهد بصوت خفيض، كان يده تمسك بيدها برفق، "كنت أفكر اليوم. لم تحدثيني قط عن تلك السنوات التي ابتعدتِ فيها عن والدكِ ووالدتكِ. أمي كانت تقول إنكِ كنتِ في رحلة علاج، ولكني لم أفهم مطلقاً تفاصيلها."

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، حاول فيها أن تخفي ارتباكها. "كان الأمر معقداً يا فهد. مجرد فترة تحتاج فيها الروح لبعض السكينة بعيداً عن ضوضاء العالم."

"السكينة؟" رد فهد، نظراته الثاقبة تخترق صمتها. "وهل كانت تلك السكينة في مكان بعيد، بعيداً عن الأهل والأحبة؟"

شعرت ليلى بأن جدران الغرفة تضيق عليها. تذكرت كيف أن تلك الفترة لم تكن مجرد "سكينة"، بل كانت هروباً، هروباً من ألم، من وصمة، من ماضٍ حاولت دفنه تحت تراب النسيان. كانت تلك السنوات في ذلك البلد الأجنبي، الذي اختارت أن تفصّل فيه حياتها الجديدة، تحمل بين طياتها قصة لم تكن مستعدة بعد لمشاركتها مع فهد. لم تكن القصة وصمة عار بالمعنى المباشر، لكنها كانت حدثاً هزّ كيانها، وجعلها تعيد النظر في كل شيء.

"الظروف أحياناً تدفعنا لاتخاذ قرارات قد تبدو غريبة للآخرين،" قالت ليلى محاولة تغيير مسار الحديث. "لكنها الضرورية لنا في تلك اللحظة."

لاحظ فهد تماسكها، ورأى في عينيها لمعة حزن خفية. لم يكن يريد إجبارها على شيء، لكنه في نفس الوقت كان يدرك أن أي علاقة زوجية صحية تقوم على الشفافية، مهما كانت صعوبة الكشف عن بعض الحقائق. "أتفهم، يا حبيبتي. ولكن، إذا كان هناك شيء يثقل قلبكِ، فأنا هنا لأسمعه. ربما تستطيعين مشاركتي جزءاً منه."

تنفست ليلى بعمق، شعرت بأن الهواء أصبح أثقل. كان إصرار فهد، وبره، لا يشبهان إصرار الآخرين. لم يكن فضولاً جارحاً، بل كان اهتماماً صادقاً. "الأمر يتعلق... بشخص، يا فهد. شخص كان له تأثير كبير في حياتي قبل أن ألتقي بك."

رفعت ليلى رأسها، ورأت في عيني فهد بريقاً خفيفاً لم تستطع تفسيره. هل كان هناك ما يعرفه عنها؟ أم أنها كانت مجرد تخمينات؟ "شخص؟" سأل فهد بهدوء، وكأنها استدرجته بنفسها نحو هذا الموضوع.

"نعم، شخص. كان... صديقاً قديماً. نشأت بيننا علاقة، لكنها لم تكن علاقة زواج أو خطوبة. كانت علاقة معقدة، مليئة بالخيبات والأحلام التي تبخرت. دفعتني تلك التجربة للانعزال، وإعادة ترتيب أوراقي."

كانت كل كلمة تخرج من فمها كأنها قطعة من أحجار قاسية تقع على أرض هشة. تذكرت سامي، اسم ذلك الصديق الذي أصبح أكثر من ذلك، ثم أصبح لا شيء. كان سامي رجلاً طموحاً، جريئاً، جذاباً، ولكنه كان أيضاً أنانياً، متقلب المزاج. أحبته ليلى بكل ما أوتيت من قلب، وآمنت بوعوده، ولكنها اكتشفت في النهاية أن أحلامه لم تكن تتسع لها. كانت تلك الفترة نقطة تحول مفصلية في حياتها، علمتها كيف تحمي قلبها، وكيف تعرف قيمة الاستقرار والأمان.

"وهل ما زال هذا الشخص في حياتكِ؟" سأل فهد، وصوته لا يكاد يُسمع.

كان هذا هو السؤال الذي تخشاه ليلى. "لا، يا فهد. لقد انقطعت علاقتي به تماماً. لم أرَه منذ سنوات طويلة."

"ولماذا انقطعت؟" أصر فهد.

"لأنني أدركت أننا نسير في طريقين مختلفين. ولأنني كنت بحاجة لإيجاد نفسي من جديد، بعيداً عن أي ارتباطات سابقة."

شعرت ليلى بأنها قد كشفت جزءاً بسيطاً من الحقيقة، وأن هذا الجزء قد يكون كافياً لإثارة المزيد من التساؤلات لدى فهد. كانت تعلم أن القصة الكاملة أعقد بكثير، وأن تفاصيلها قد تجعل الأمور أكثر تعقيداً. لكنها قررت أن تتوقف عند هذا الحد، وأن تترك الباقي للزمن.

فهد ظل صامتاً لبرهة، يدقق في وجهها، ثم قال: "أنا أثق بكِ يا ليلى. وأعلم أنكِ اخترتِ طريقي. ولكن، أحياناً، فإن الحقائق الصغيرة غير المكشوفة، قد تتحول إلى جبال من الشكوك في المستقبل. إذا كان هناك شيء يخص هذا الشخص، ويخص ابتعادكِ، ويخص كل ما حدث... فأنا على استعداد لسماعه."

كانت عينا فهد تعكسان مزيجاً من القلق والتفهم. لم يكن يريد أن يضعها تحت الضغط، ولكنه كان يخشى أن تكون هناك أسرار مخفية قد تؤثر على مستقبلهما. كانت ليلى تشعر بحرارة خجله، وصدق كلماته. كانت تفكر في كل شيء، في الأسباب التي دفعتها للسفر، في الأهداف التي كانت تسعى لتحقيقها. كانت تسعى لأن تصبح أقوى، أن تكون مستندة إلى نفسها، ألا تكون ضعيفة أمام أي شخص.

"سامي... كان رجلاً يحب التملك، يا فهد. ورغباته كانت كبيرة. عندما أدركت أنه يريد أن يسيطر على كل جوانب حياتي، وأن يقيد حريتي، وأن يغيرني لأجل رؤيته هو للعالم... قررت أنني لا أستطيع الاستمرار."

"وهل حاول أن يمنعكِ من أي شيء؟" سأل فهد، وكان صوته يحمل نبرة استياء خفية.

"ليس تماماً. لكنه كان دائماً يشعر بالغيرة من أي شيء لا يخصه. من أصدقائي، من طموحاتي، من أي اهتمام يأتيني من خارج دائرته. وعندما أدركت أنني سأخسر نفسي إذا بقيت معه، قررت الرحيل. كانت خطوة صعبة، ولكني أعلم أنها كانت الصحيحة."

نظرت ليلى إلى فهد، ورأت في عينيه نوعاً من الارتياح. ربما كان ما سمعته كافياً له. "أتفهم يا ليلى. وأنا معجب بقوتكِ، وبقدرتكِ على اتخاذ القرارات الصعبة. ولكن، هل يمكنني أن أسأل؟ هل كان هناك أي سبب آخر لانقطاعكِ؟ شيء يتعلق... بالدين، أو بالتقاليد؟"

شعرت ليلى بوخزة في قلبها. كان فهد يتلمس طريقه بعناية، وكأنه يحاول فهم عمق الجرح. "كان سامي... مختلفاً عني في بعض الأمور، يا فهد. في رؤيته للحياة، وفي بعض قيمه. لم تكن هناك خلافات دينية بالمعنى المباشر، ولكنه كان يميل إلى التحرر الزائد، ولا يهتم كثيراً بالقيود الأخلاقية التي أؤمن بها. وعندما رأيت أنه لا يمكننا التوافق في هذا الجانب، أدركت أن الطريق بيننا لن يستقيم أبداً."

تنفست ليلى الصعداء، وشعرت بأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها. كانت قد شاركت فهد جزءاً كبيراً من حقيقتها، جزءاً كانت تخشى أن يكشفه. نظرت إلى فهد، ورأت في عينيه نظرة حنان وتقدير. لقد بدأ يفهم، وبدأ يتقبل.

"أشكركِ يا ليلى على ثقتكِ. وأعدكِ بأنني لن أدع أي ظلال من الماضي تؤثر على حاضرنا أو مستقبلنا. أنتِ زوجتي، وأنتِ كل عالمي."

احتضنت ليلى زوجها بقوة، وشعرت بأن دفءه يغمرها، ويمحو آثار الخوف القديم. كانت تعلم أن هذه الخطوة كانت ضرورية، وأن مشاركة أسرارها مع فهد، كانت أول خطوة نحو بناء مستقبل أكثر قوة وثقة.

في تلك اللحظة، وبينما كانت تتقاسم الأسرار مع زوجها، كانت هناك يد أخرى تحاول فتح باب الماضي المغلق. في مكان آخر، كان رجل قديم، اسمه يوسف، يقف أمام صندوق خشبي قديم، تفوح منه رائحة الأيام الخوالي. لم يكن يعرف أن ليلى قد بدأت تكشف عن بعض خيوط قصتها، وأنه هو نفسه قد يكون قريباً من اكتشاف سر كبير كان مدفوناً في أعماق النسيان. كانت الأيام القادمة تحمل في طياتها مفاجآت لم تكن ليلى أو فهد مستعدين لها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%