زوجي الغريب الجزء الثاني
رسائل مجهولة في صندوق الزمن
بقلم ليلى الأحمد
في شقة والدة فهد، السيدة سعاد، كانت الأجواء تختلف تماماً عن هدوء الأمس. كانت السيدة سعاد، بابتسامتها التي لا تفارق وجهها، ولكن بعينيها بريق القلق، تتصفح مجموعة من الرسائل القديمة. كانت هذه الرسائل تخص ليلى، تركها لها والدها المتوفى، قبل سنوات طويلة، مع وصية بأن تسلمها لها في الوقت المناسب. لم تكن السيدة سعاد تعرف محتوى هذه الرسائل، ولكنها كانت تشعر بأنها تحمل أهمية قصوى، ربما مرتبطة بماضي ليلى الذي طالما حاولت إخفاءه.
"يا أمي، هل ما زلتِ تتصفحين تلك الأوراق؟" جاء صوت فهد من باب الغرفة، كان يحمل معه رائحة قهوة عربية أصيلة.
أغلقت السيدة سعاد الصندوق بسرعة، وابتسمت لولدها. "أهلاً بك يا بني. نعم، كنت أتأمل في هذه الرسائل. لا أدري لماذا، ولكنها تثير فضولي. إنها تخص ليلى، ووالدها رحمة الله عليه أوصاني بأن أسلمها لها."
"رسائل؟" رد فهد، واقترب منها. "ولم لم تسلميها لها منذ البداية؟"
"لم أشعر أن الوقت كان مناسباً، يا فهد. كنت أعرف أن ليلى قد مرت بظروف صعبة، وأنها كانت بحاجة للابتعاد عن كل ما يذكرها بالماضي. والآن، بعد زواجها منك، وبعد أن بدأت تتفتح وتصبح أكثر سعادة، ربما يكون الوقت قد حان. ربما تكون هذه الرسائل مفتاحاً لفهم أعمق لجوانب من حياتها لم تشاركها معنا."
كان فهد يفكر في حديثه مع ليلى بالأمس. لقد كشفت له عن جزء من ماضيها، ولكنها بدت وكأن هناك المزيد. هل كانت هذه الرسائل تحمل التفاصيل التي لم تتحدث عنها؟
"ربما يا أمي. هل قرأتِ شيئاً منها؟" سأل فهد.
"لا، لم أقرأ أي شيء. هذه رسائل شخصية. ولكن، في الرسالة الأولى، لاحظت أن الاسم الموجه إليه هو 'ابنتي الغالية ليلى'. وكان التاريخ قبل سنوات طويلة. ثم وجدت رسائل أخرى، ولكنها لم تكن موجهة إليها، بل كانت عبارة عن ملاحظات، أو ربما ردود على رسائل أخرى. هذا صندوق غريب حقاً."
كان فهد يشعر بأن هناك شيئاً ما يحدث. شعر بأن هناك قوى خفية تعمل، وأن الماضي بدأ يتكشف عن نفسه بطرق غير متوقعة. "ما رأيكِ يا أمي، أن نجلس معاً ونقرأ هذه الرسائل؟ ربما نفهم القصة كاملة."
ابتسمت السيدة سعاد، وهي ترى حكمة في كلام ولدها. "فكرة جيدة يا بني. ولكن، يجب أن نكون حذرين. أي شيء يخص ليلى، يجب أن نتعامل معه بحساسية واحترام."
جلسا معاً، وبدأا في تصفح الرسائل. كانت الرسالة الأولى، التي حملت عنوان "ابنتي الغالية ليلى"، مكتوبة بخط يد والدها، وعبارات مليئة بالحنان والألم. كان يتحدث فيها عن حبه لها، وعن أسفه لعدم قدرته على حمايتها من بعض أقدار الحياة. ثم جاءت الرسائل الأخرى، وهي عبارة عن قصاصات، أحياناً تبدو كرسائل من أشخاص آخرين، وأحياناً أخرى كملاحظات تركها والد ليلى لنفسه.
"هذه الرسالة مكتوبة بلغة أجنبية،" قالت السيدة سعاد، وهي تشير إلى إحدى القصاصات. "لا أفهمها."
"أظن أنها لغة إنجليزية،" قال فهد، وأخذ القصاصة. بدأ يقرأ بصوت منخفض، وكانت العبارات تتحدث عن اتفاق، وعن خطة، وعن مبلغ مالي كبير. "هذا غريب. يبدو كأن هناك صفقة ما. ولكن، لم يتم ذكر أسماء."
ثم وجدوا قصاصة أخرى، كانت عبارة عن رسالة موقعة باسم "سامي". كانت الرسالة تحمل لهجة تهديدية، وتتحدث عن شيء قديم، وعن ديون، وعن ضرورة أن تسدد ليلى ما عليها.
"سامي؟" تمتم فهد، وتذكر اسم الشخص الذي تحدثت عنه ليلى بالأمس. "هل يمكن أن يكون هو؟"
"من هذا سامي؟" سألت السيدة سعاد بقلق.
"لقد تحدثت معه ليلى بالأمس، يا أمي. هو شخص كان في حياتها قبل أن تلتقي بي. يبدو أنه كان سبباً في ابتعادها."
بدأت الصور تتضح تدريجياً. كانت تلك السنوات التي قضتها ليلى بعيدة، لم تكن مجرد هروب من علاقة فاشلة، بل ربما كانت هروباً من تهديد، أو من مشكلة أكبر.
"وهذه الرسالة،" قالت السيدة سعاد، وهي تحمل قصاصة أخرى، "مكتوبة بخط يد ليلى. إنها تتحدث عن قرار صعب، وعن حاجة للمغادرة، وعن أمل في بداية جديدة."
قرأ فهد الرسالة، ووجد فيها لوعة وشجاعة. كانت ليلى تكتب عن أنها اختارت طريقها، وأنها لن تسمح لأحد بأن يفرض عليها ما لا تريده. ثم جاءت آخر ورقة في الصندوق، كانت عبارة عن ورقة رسمية، تحمل شعار منظمة دولية، وكان مكتوباً فيها أن ليلى قد تلقت مبلغاً مالياً كتعويض، وأن قضيتها قد أغلقت.
"تعويض؟" قال فهد، وهو ينظر إلى الورقة بدهشة. "لماذا تلقت تعويضاً؟ وما هي قضيتها؟"
نظرت السيدة سعاد إلى ولدها، ورأت في عينيه الحيرة والقلق. "يا بني، يبدو أن ليلى تخفي عنا أكثر مما نتصور. هذا الأمر يبدو خطيراً."
"ولكن، لماذا لم تخبرنا؟" سأل فهد، وكان يشعر بنوع من الخيانة، ليس من ليلى، بل من الماضي الذي يخفي أسراره. "هل هي في خطر؟ هل لا يزال هذا الرجل، سامي، يشكل خطراً عليها؟"
"لا أدري يا فهد. ولكن، علينا أن نفهم. يجب أن نتحدث مع ليلى. ولكن، ليس بطريقة تزيد من قلقها. يجب أن نعرض عليها هذه الرسائل، ونسألها بهدوء."
في تلك اللحظة، دخلت ليلى المنزل، تحمل معها حقائب السوق، وابتسامة مشرقة على وجهها. "السلام عليكم."
"وعليكم السلام يا حبيبتي،" ردت السيدة سعاد، وحاولت أن تخفي توترها. "كيف كان يومك؟"
"كان يوماً جيداً، الحمد لله. اشتريت بعض الأشياء للمطبخ. وفهد، لقد تذكرت أننا بحاجة لشراء ستائر جديدة لغرفة النوم."
نظرت ليلى إلى فهد، ورأت في عينيه شيئاً لم تستطع تفسيره. كان هناك مزيج من الحب والقلق. "هل كل شيء على ما يرام؟" سألت.
"كل شيء على ما يرام يا ليلى،" قال فهد، وحاول أن يرسم ابتسامة مطمئنة. "ولكن، هل يمكن أن نجلس مع أمي قليلاً؟ لدينا شيء مهم نريد أن نتحدث معكِ فيه."
نظرت ليلى إلى والدة زوجها، ورأت في عينيها نفس القلق الذي رأته في عيني فهد. شعرت بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. كانت تعلم أن الماضي قد بدأ يكشف عن أسراره، وأنها لم تعد قادرة على إخفاء حقيقتها للأبد.