زوجي الغريب الجزء الثاني
مواجهة الماضي ومحنة الثقة
بقلم ليلى الأحمد
اجتمعت ليلى وفهد والسيدة سعاد في غرفة المعيشة، وكان الصمت يخيم على المكان، صمت ثقيل يحمل في طياته الكثير من الأسئلة غير المجابة. وضعت السيدة سعاد صندوق الذكريات الخشبي أمام ليلى، وكان وجهها يعكس مزيجاً من الشفقة والحزن.
"ليلى يا ابنتي،" بدأت السيدة سعاد بصوت يرتعش قليلاً، "وجدنا هذه الرسائل مع والدكِ. وقد أردنا أن نتقاسمها معكِ. نحن هنا لنسمع منكِ، ولندعمكِ."
نظرت ليلى إلى الصندوق، ثم إلى فهد، ورأت في عينيه نفس القلق الذي شعرت به. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بأنها قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. لم تعد تستطيع إخفاء ماضيها.
"أعلم يا أمي،" قالت ليلى بصوت خفيض، وعيناها تترقرق بالدموع. "هذه الرسائل... إنها تحمل جزءاً كبيراً من حياتي، جزءاً حاولت أن أنساه، وأن أبتعد عنه."
بدأت ليلى تتحدث، والكلمات تتدفق منها ببطء، وكأنها تعيد فتح جرح قديم. تحدثت عن سامي، عن علاقتهما التي بدأت كصداقة قوية، ثم تطورت إلى حب. تحدثت عن أحلامها التي شاركتها معه، وعن خططهما المستقبلية. ولكن، سرعان ما تحول الحديث إلى خيبات، وإلى ألم.
"كان سامي يحب التملك،" قالت ليلى، وهي تمسح دموعها. "كان يريد أن يتحكم في حياتي، في قراراتي، في كل شيء. كان يغار من طموحاتي، ومن أصدقائي. وعندما أدركت أنه يريد أن يصنع مني شخصاً آخر، شخصاً لا أشبهني، قررت أنني لا أستطيع الاستمرار."
"ولكن، هذا لا يفسر هذه الرسائل، يا ليلى،" قال فهد بهدوء، وهو يمسك بيدها. "هذه الرسائل تتحدث عن تهديد، وعن ديون، وعن تعويض. ما كل هذا؟"
تنهدت ليلى، وشعرت بأنها تغرق في بحر من الأسرار. "عندما قررت الابتعاد عن سامي، لم يكن الأمر سهلاً. لقد تركني في وضع مالي صعب جداً. لقد كان يتلاعب بي، ويستغلني. وعندما علمت أنه يخطط لشيء ما ضدي، شعرت بالخوف. طلبت المساعدة من منظمة دولية، كانت تساعد النساء اللواتي يتعرضن للاستغلال. لقد ساعدوني في الخروج من هذا الوضع، وقدموا لي الدعم المالي والنفسي. وهذا التعويض الذي ترونه، هو جزء من الدعم الذي تلقيته."
"وهل هذا سامي هو الذي هددكِ؟" سألت السيدة سعاد، وعيناها تتسعان من الدهشة.
"نعم، يا أمي. لقد كان يحاول استغلالي مرة أخرى. لقد استغل معرفته ببعض الأمور التي حدثت بيننا، وحاول ابتزازي. وعندما رفضت، بدأ يهددني."
"ولماذا لم تخبريني بذلك من قبل؟" سأل فهد، وكان صوته يحمل نبرة من الألم. "لماذا تركتني أكتشف كل هذا هكذا؟"
"كنت خائفة يا فهد،" قالت ليلى، وعيناها مليئتان بالحزن. "كنت خائفة من أن تظن أنني لست نقية، أنني تحملت عبئاً ثقيلاً. كنت خائفة من أن تفقد ثقتك بي. لقد حاولت أن أنسى كل شيء، وأن أبدأ حياة جديدة معك. ولكن، يبدو أن الماضي لا يزال يطاردني."
"ليلى،" قال فهد، وهو يحتضنها بقوة، "أنا أحبكِ. وأنا أثق بكِ. ولكن، لست أثق في قدرتي على تحمل أن تخفي عني أموراً كهذه. أنا زوجكِ، وعلينا أن نشارك كل شيء، حتى أصعب الأشياء."
"أنا آسفة يا فهد. لقد كنت مخطئة. لم أكن أريد أن أخيب أملك."
"أنتِ لم تخيبيني يا ليلى. أنتِ قوتي. ولكن، الآن، يجب أن نعرف إلى أين ستؤدي هذه القصة. هل لا يزال هذا الرجل، سامي، يشكل خطراً عليكِ؟"
"لقد أبلغت المنظمة الدولية بذلك. لقد قاموا بواجبهم، وأغلقوا القضية. ولكن، لا أدري إن كان لديه القدرة على العودة. هو رجل لا يعرف الرحمة."
نظرت السيدة سعاد إلى ليلى، ورأت فيها شجاعة وإصراراً. "أنتِ قوية يا ابنتي. ولكن، يجب أن نبقى يقظين. ما دام هناك احتمال لوجود خطر، يجب أن نتصرف بحذر."
"ماذا تقترحين يا أمي؟" سأل فهد.
"علينا أن نراجع مع ليلى كل التفاصيل. ربما هناك شيء فاتنا. وربما، يجب علينا أن نطلب المساعدة من شخص يمكنه حمايتنا."
"شخص؟ من تقصدين؟" سأل فهد.
"أتذكرين صديق والدكِ، يوسف؟ إنه رجل ذو نفوذ، ويعرف كيف يتعامل مع مثل هذه الأمور. ربما يجب أن نلجأ إليه."
تردد فهد قليلاً، لم يكن يحب أن يتدخل الآخرون في شؤونهم. ولكن، كان يعلم أن سلامة ليلى هي أهم شيء. "حسناً يا أمي. إذا كان ذلك ضرورياً، فسنتواصل مع الأستاذ يوسف."
شعرت ليلى بالامتنان الكبير لحب ودعم زوجها ووالدة زوجها. لقد فتحت قلبها، وكشفت عن أسرارها، ولم تجد سوى الحب والتفهم. ولكن، كان هناك شعور خفي بالقلق. هل كانت نهاية القصة حقاً؟ أم أن هذا مجرد بداية لصراع جديد؟
في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تغفو في أحضان فهد، كان صدى كلمات سامي يتردد في أذنيها. كانت تعلم أن هذا الرجل لم يكن ليتركها وشأنها بسهولة. كانت تشعر بأن هناك خيطاً رفيعاً يفصلها عن الخطر، وأن هذا الخيط قد ينقطع في أي لحظة.
بينما في مكان آخر، كان يوسف، الصديق القديم لوالد ليلى، يتصفح ملفاً قديماً. كان الملف يتعلق بقضية معينة، قضية لم ينساها أبداً. كان الملف يحمل اسم "ليلى"، وكان يحمل أيضاً معلومات عن شخص اسمه "سامي". لم يكن يوسف يعلم أن ليلى قد بدأت تكشف عن ماضيها، وأنها قد تحتاج إلى مساعدته قريباً. كان عالمه، الذي كان يظن أنه قد أغلقه للأبد، على وشك أن يفتح من جديد.