زوجي الغريب الجزء الثاني
ظلال الماضي تلاحق الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
تغلغلت أشعة الشمس المتسللة من ستائر النافذة في غرفة جلوس "ليلى" الشاسعة، لتصبغ المكان بوهج دافئ، لكن دفء المكان لم يلامس قلبها المنقبض. كانت تجلس وحدها، تحتضن كوبًا باردًا من الشاي، والكلمات التي سمعتها قبل قليل ترن في أذنيها كوقع ناقوس الموت. "خالد" لم يكن مجرد زوجها، بل كان سرًا دفينًا، ماضيًا مظلمًا كشف عن وجهه البشع فجأة، ليزرع الشك والخوف في روحها.
كانت كلمات "نورة"، صديقة والدته القديمة، ثقيلة وموجعة. "والدته لم تكن راضية عن زواجكما يا ليلى. كانت تخشى من الماضي الذي يحمله خالد، من أسرار عائلته التي ربما تجلب لكِ المشاكل. كانت تقول دائمًا إن خالد يخفي شيئًا كبيرًا، شيئًا قد يدمر كل شيء."
تذكرت ليلى تلك النظرات القلقة التي كانت تتبادلها والدة خالد معها أحيانًا، تلك الابتسامات المعتصرة التي لم تفهم سرها من قبل. هل كانت تلك القلق بشأنها؟ أم بشأن ابنها؟
"ماذا تقصدين بنوع المشاكل؟" سألت ليلى بصوت مرتجف، وقد اختنقت الكلمات في حلقها.
ابتسمت نورة ابتسامة حزينة. "الماضي يا ابنتي، الماضي لا يرحم. خالد مر بتجارب قاسية في شبابه، بعضها كان عصيًا على التجاوز. كان هناك تورط في أمور لم تكن على دراية بها، أمور تتعلق بعائلته وبيئته التي نشأ فيها. والدته كانت تخشى أن تنكشف هذه الأمور وأن تؤثر عليكِ سلبًا."
شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. خالد؟ خالد الذي عرفته هادئًا، طيب القلب، صاحب مبادئ؟ خالد الذي أحبته وأخلصت له؟ كيف يمكن أن يكون له ماضٍ كهذا؟
"هل يمكن أن توضحي أكثر؟" طلبت ليلى، وقلبها يخفق بعنف. "أي نوع من الأمور؟"
"لا أستطيع الخوض في التفاصيل يا ليلى. فهذا ليس من شأني، ولستُ معنية بمعرفة كل شيء. لكن ما أؤكده لكِ، أن هناك ماضٍ يدفع خالد للعيش بحذر شديد، ماضٍ قد يكون خطيرًا. والدته كانت تريدكِ بعيدة عن هذه الدوامة. لقد حاولت مرارًا وتكرارًا أن تفاتحه في الأمر، لكنه كان يرفض دائمًا الحديث عن ماضيه، ويغلق الباب أمامه."
انتهت زيارة نورة، وتركت خلفها رياحًا عاصفة في حياة ليلى. جلست ليلى تتأمل الصور المعلقة على الحائط، صورها مع خالد، ضحكاتهما، رحلاتهما، لحظاتهما السعيدة. كل صورة كانت الآن تبدو وكأنها تخفي وراءها حقيقة مظلمة. هل كانت تلك السعادة وهمًا؟ هل كانت تعيش مع رجل لا تعرف عنه شيئًا حقيقيًا؟
فكرت في والدة خالد، المرأة الطيبة التي فقدتها قبل أن تتعرف عليها حقًا. هل كانت تحاول حمايتها؟ هل كانت ترى في خالد خطرًا لا تراه هي؟
في تلك اللحظة، دخل خالد الغرفة، مبتسمًا. "ليلى حبيبتي، تأخرتِ في العشاء. ألم تجدي ما ترتدينه؟"
تصلب جسد ليلى. نظرت إليه بعينين متسائلتين، تحملان ثقل سؤال لم تجرؤ على طرحه بعد. رؤيته الآن، بابتسامته المعهودة، زادت من شعورها بالارتباك. هل تستطيع مواجهته؟ هل تستطيع البحث عن الحقيقة التي قد تهدم عالمهما؟
"خالد..." بدأت ليلى بصوت بالكاد مسموع. "أريد أن أتحدث معك."
ارتسمت علامات الاستغراب على وجه خالد. "خير حبيبتي؟ هل هناك شيء يزعجك؟"
"نعم، هناك الكثير." لم تستطع ليلى إخفاء نبرة الألم في صوتها. "اليوم، تحدثت مع السيدة نورة."
تجمد وجه خالد. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة حذر مفاجئة. "السيدة نورة؟ وماذا قالت لكِ؟"
"قالت أشياء يا خالد. أشياء عن ماضيك. أشياء عن والدتك. أشياء تجعلني أشعر بالخوف."
تلاشت ألوان وجه خالد. جلس على الأريكة المقابلة لها، وأسند رأسه بين يديه. صمت ثقيل ساد الغرفة، لم يقطعه إلا صوت تكتكة الساعة المعلقة على الحائط، وكأنها تدق إيقاعًا مزعجًا لخاتمة وشيكة.
"لم أكن أريد أن تعرفي بهذا الشكل." تمتم خالد بصوت متهدج، لا يخلو من الأسى. "لم أكن أريد أن أخرب عليكِ حياتكِ."
"لكن لماذا؟ لماذا كل هذا السر؟ ما هو الشيء الذي تخفيه؟" لم تستطع ليلى السيطرة على مشاعرها. بدأت دموعها تنهمر.
"إنه أمر معقد يا ليلى. أمر يتعلق بعائلتي، بأخطاء ارتكبتها في الماضي. أخطاء لا أريد أن تتحملي تبعاتها."
"لكنني زوجتك يا خالد! ألا يحق لي أن أعرف؟ ألا يجب أن أكون معك في السراء والضراء؟"
نظر خالد إليها، وعيناه تلمعان بالحزن والألم. "أعلم ذلك يا ليلى. ولكن هذا الماضي... إنه مظلم جدًا. قد يؤذيكِ."
"أؤذيني؟ هل ستؤذيني أنت؟" سألت ليلى، وقلبها يعتصر.
"لن أفعل أبدًا!" صاح خالد، وارتعش صوته. "لكن العالم من حولنا قد يؤذيكِ. الأشخاص الذين لهم علاقة بماضيي قد يؤذونكِ. والدتي، رحمها الله، كانت تريد حمايتك. كانت ترى فيكِ مستقبلًا مشرقًا، ولم تكن تريد أن تدمره أشباح الماضي."
"إذن، هل والدتك لم تكن تريدنا أن نتزوج؟" سألت ليلى، بصدمة.
"كانت تريدني أن أكون سعيدًا، لكنها كانت تخشى أن هذه السعادة لن تدوم إذا انكشف كل شيء. كانت تخشى من ردة فعل الناس، ومن التدخلات التي قد تأتي من جهات لا نتوقعها."
"من هي هذه الجهات يا خالد؟"
وقف خالد، وبدأ يتمشى في الغرفة بقلق. "لا أستطيع قول كل شيء الآن يا ليلى. ولكن أرجوكِ، ثقي بي. حاولي أن تصدقي أنني لم أكن أفعل هذا لأخفيكِ شيئًا، بل لأحميكِ."
"كيف أثق بك وأنت تخفي عني نصف حياتك؟ كيف أثق بك وأنت تجعلني أعيش في وهم؟"
"لم يكن وهمًا يا ليلى. حبي لكِ لم يكن وهمًا أبدًا. بل هو الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي."
"ولكن، هذا الشيء الحقيقي... هل يمكن أن ينهار بسبب ماضيك؟"
نظر خالد إليها، وعيناه تلتمعان بعزم، لكنه كان عزمًا ممزوجًا بالخوف. "سأبذل كل ما في وسعي يا ليلى. سأحاول إبعاد هذا الماضي عنكِ. ولكن... هناك احتمال."
"ما هو الاحتمال؟" ضغطت ليلى، متوقعة الأسوأ.
"الاحتمال... أن لا أستطيع."
هذه الكلمات الأخيرة كانت أشبه بضربة قاتلة. شعرت ليلى بأن عاصفة هوجاء تجتاح روحها، وأن كل ما بنته من حب وأمان مع خالد بدأ يتداعى أمام أعينها. أدركت في تلك اللحظة أنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، وأن حياتها لم تعد كما كانت.