زوجي الغريب الجزء الثاني
الخروج من منطقة الراحة
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليلة أشبه بعاصفة هادئة، عاصفة تحمل معها قرارًا مصيريًا، وحقائق مرعبة، وخوفًا مشروعًا. بدأت ليلى وخالد في جمع متعلقاتهما، في صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت حركة الأمتعة الخفيفة. كل قطعة تم جمعها كانت تحمل عبء ذكرى، عبء حياة سيتعين عليهما تركها وراءهما.
"هل أنتِ متأكدة يا ليلى؟" سأل خالد، وهو يضع بعض الملابس في حقيبة صغيرة، وعيناه مليئتان بالأسى. "لا يمكننا التراجع الآن."
"أنا متأكدة يا خالد." أجابت ليلى، وصوتها ثابت، خالٍ من أي تردد. "لقد اتخذت قراري. لا يمكنني أن أعيش وأنا أعلم أن هناك خطرًا يهددنا، وأنك تحمل هذا العبء وحدك. أنا معك، ولن أتخلى عنك."
ابتسم خالد ابتسامة امتنان، ثم امتدت يده ليمسك بيدها. "حبكِ هو قوتي يا ليلى. هو النور الذي يهتدى به في هذه الظلمة."
واصلوا تحضيراتهم، حاولوا أن يتصرفوا بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث، لكن كل حركة، كل نظرة، كانت تحمل في طياتها وداعًا صامتًا. جمعوا بعض المال، وأوراقًا ثبوتية ضرورية، وهاتفين محمولين جديدين، تم شراؤهما خصيصًا لهذه المهمة، مع بطاقات هواتف جديدة.
"هذان الهاتفان لن يكونا متصلين بشبكة هاتفكِ العادية." شرح خالد. "سنستخدمهما فقط للتواصل بيننا، أو مع الأشخاص الذين نثق بهم تمامًا. أي اتصال آخر قد يكشف مكاننا."
"وماذا عن عائلتي؟ كيف سأطمئنهم؟" سألت ليلى، وقد بدأ صوتها يتغير، تحمل بقايا القلق.
"سأحاول أن أرتب الأمر. ربما سأرسل لهم رسالة عبر شخص موثوق به، أقول فيها أننا سنذهب في رحلة عمل طويلة، وسنكون بعيدين عن الأنظار لبعض الوقت. لا أريد أن يقلقوا أكثر من اللازم."
"لكنهم سيشعرون أن هناك شيئًا ما."
"نعم، أعلم. ولكن في هذه المرحلة، السلامة تأتي أولاً. سأحاول أن أجعل الأمر يبدو طبيعيًا قدر الإمكان."
تذكرت ليلى جدتها، قلبها الحنون، ونظراتها التي تحمل دائمًا دفئًا لا ينتهي. وفكرت في والديها، حبهما الذي لم تفقدانه قط. شعرت ببعض الألم، لكنها أدركت أن هذه هي التضحية التي يتوجب عليهما تقديمها.
"هل تعتقد أننا سنعود؟" سألت ليلى، بعينين زائغتين.
"سأفعل كل ما في وسعي للعودة يا ليلى. سنبقى أقوياء، وسنقاوم. لن ندع سليم ينتصر علينا."
مع بزوغ أول خيوط الفجر، وقف خالد وليلى عند الباب، حقائبهما الصغيرة بين أيديهما. نظر كل منهما إلى الآخر، في نظرة تحمل مزيجًا من الخوف، والحزم، والحب العميق.
"هل أنتِ مستعدة؟" سأل خالد.
"نعم." أجابت ليلى، وحاولت أن تبدو قوية.
فتح خالد الباب، وبدأت رحلتهما نحو المجهول. مروا عبر الشوارع الهادئة، قبل أن يستيقظ العالم، شعروا وكأنهم أشباح، أشباح تحمل أحلامًا جديدة، وأعباء قديمة.
وصلوا إلى مكان انتظار سيارة أجرة، كان خالد قد رتب لها مسبقًا. سائق سيارة أجرة لم يعرفهما من قبل، وسيأخذهما إلى وجهة لم يحددها لهما إلا قبل دقائق.
"هل كل شيء على ما يرام؟" سألت ليلى، وهي تنظر حولها بقلق.
"كل شيء سيكون على ما يرام." طمأنها خالد، وابتسم لها. "تذكري، نحن معًا."
دخلوا السيارة، وبدأت رحلتهم. كانت كل منعطف، كل شارع، يبدو وكأنه يمثل وداعًا لشيء ما. ليلى نظرت من النافذة، وشاهدت مدينتها، منزلها، كل شيء تعودت عليه، يبتعد تدريجيًا. شعرت بحزن عميق، لكنه كان حزنًا لا يشبه الحزن العادي. كان حزنًا يحمل في طياته أملًا بمستقبل أفضل.
"أين نحن ذاهبون؟" سألت ليلى بعد فترة، وقد شعر بالملل.
"إلى المطار." أجاب خالد. "لدينا طائرة خاصة تنتظرنا. ثم طائرة أخرى، ومن هناك، سنبدأ فصلًا جديدًا."
"طائرة خاصة؟"
"نعم. الأصدقاء الذين تحدثت عنهم. لديهم القدرة على تدبير أمور كهذه. سيكونون قادرين على إيصالنا إلى مكان بعيد جدًا، مكان لا يتوقعه سليم."
كانت كل خطوة في هذه الخطة تبدو كأنها فصل من فصول رواية خيال علمي، لكنها كانت روايتهم الحقيقية. رحلة تتطلب شجاعة، وثقة، وحبًا لا يتزعزع.
عند وصولهم إلى المطار، كان كل شيء مرتبًا بدقة. لم يواجهوا أي تفتيش أمني تقليدي. لقد كان المكان شبه خالٍ، والطائرة تنتظرهم، مع طاقم صغير.
"من هؤلاء الناس؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى الطاقم.
"إنهم أصدقاء قدامى. أناس أثق بهم. سيتأكدون من أننا سنصل إلى وجهتنا بأمان."
دخلوا الطائرة، كانت فاخرة، وأكثر مما تخيلته ليلى. جلسوا بجانب بعضهم البعض، وشاهدوا العالم من الأعلى. بدأ خالد يكتب رسالة إلى والديها، يخبرهم فيها بأنهم سيسافرون لفترة طويلة، وأنهم بخير، ويعدهم بالتواصل فور استقرارهم.
"هل سنترك هذه الرسالة مع شخص موثوق به؟" سألت ليلى.
"نعم. سأعطيها لشخص سيتأكد من وصولها إليهم. شخص لن يتمكن سليم من التعرف عليه."
كانت ليلى تشعر بمزيج من المشاعر. حزن على فراق أهلها، وخوف من المجهول، ولكن الأهم من ذلك، شعور بالراحة لأنها لم تعد وحدها. وأنها مع الرجل الذي اختارته، والذي اختارها.
"ما هي وجهتنا النهائية؟" سألت ليلى.
"بلد بعيد، لا يعرف سليم عنه شيئًا. سأجد هناك عملًا، وسنبني حياتنا من جديد. سنعيش بهدوء، وبأمان."
"ولكن، هل سنتخلى عن هوياتنا؟"
"نعم. سنحصل على هويات جديدة. سنكون أشخاصًا مختلفين. هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان سلامتنا."
نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه تصميمًا وشجاعة. كانت تعلم أن هذا الطريق سيكون صعبًا، لكنها كانت مستعدة للمضي فيه. كانت تشعر بأنها قد خرجت من منطقة راحتها، ودخلت عالمًا جديدًا، عالمًا يتطلب منها أن تكون قوية، وأن تثق بخالد، وأن تعتمد على حبها له.
مع مرور ساعات الرحلة، بدأت ليلى تشعر بشيء يتغير بداخلها. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تخشى من كل شيء. أصبحت أكثر صلابة، وأكثر تصميمًا. كانت تعلم أن هذه الرحلة هي بداية جديدة، بداية لحياة لم تكن تتخيلها، لكنها كانت حياة اختارتها بنفسها، مع الرجل الذي أحبته.