زوجي الغريب الجزء الثاني
أصداء الأمس في غرفة الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
نامتْ ليالي تلكَ الليلةَ بنومٍ مضطرب، وكأنّها تعيشُ أحلامًا متداخلةً بينَ ماضٍ مؤلمٍ وحاضرٍ غامض. كلما أغلقتْ عينيها، رأتْ وجهَ والدها الذي اختطفتهُ الحياةُ فجأة، ثمّ رأتْ وجهَ أمها الشاحبَ في سريرِ المستشفى. لكنّ هذهِ الصورَ سرعانَ ما تلاشتْ لتفسحَ المجالَ لوجهِ أحمد، بوجههِ الهادئِ الذي يحملُ كثيرًا منَ الصمت.
معَ أولِ خيوطِ الفجر، استيقظتْ ليالي على صوتِ هاتفها. نظرتْ إلى الشاشة، كانتْ رسالةٌ منَ العمل. "تذكير: اجتماعٌ هامٌ صباحَ الغدِ الساعةُ العاشرة. لا تتأخري."
ابتسمتْ ليالي. هذا هوَ الشيءُ الوحيدُ الذي كانَ يبعثُ فيها شعورًا بالروتينِ الطبيعي، بالعودةِ إلى حياتها المهنية. هيَ مهندسةٌ معماريةٌ موهوبة، ولها سمعةٌ جيدةٌ في مجالها. العملُ كانَ دائمًا ملاذها، وشغفها، ومصدرَ قوتها.
نهضتْ منْ فراشها، وتوجهتْ إلى النافذة. كانَ الصباحُ في القاهرةِ يتجلى ببطءٍ، بخيوطِ شمسٍ ذهبيةٍ تتسللُ من بينَ المباني. شعرتْ بأنّها بحاجةٍ إلى هواءٍ نقي، لتجمعَ أفكارها قبلَ أنْ تلتقيَ بزوجها.
خرجتْ إلى الشرفة، حيثُ وقفتْ بالأمس. كانَ الهواءُ لا يزالُ باردًا، لكنهُ منعش. تذكرتْ حوارها معَ أحمد. "أتمنى أنْ نصبحَ قريبينَ من بعضنا البعض." كانتْ كلماتها صادقة، نابعةً منْ رغبةٍ دفينةٍ في بناءِ علاقةٍ سليمة، حتى وإنْ بدأتْ بشكلٍ غيرِ تقليدي.
كانَ أحمدُ قدْ خرجَ قبلَ أنْ تستيقظ. تركَ لها ملاحظةً صغيرةً على طاولةِ الطعام: "صباحُ الخير، ليالي. أعددتُ لكِ القهوةَ في الترمس. سأكونُ متأخرًا اليومَ أيضًا، لكنْ سأحاولُ العودةَ مبكرًا. أحمد."
كانتْ لفتةً بسيطةً، لكنها تحملُ دفئًا. أخذتْ ترمسَ القهوة، وبدأتْ تستمتعُ بها وهيَ تنظرُ إلى المدينةِ الصاخبة.
"هذهِ هيَ بدايةُ التغيير، ليالي. بدايةُ بناءِ جسرٍ بينَ عالمين." همستْ لنفسها.
بعدَ تناولِ قهوتها، بدأتْ ليالي في الاستعدادِ ليومِ عملها. اختارتْ ملابسَ احترافيةً، لكنها أنيقة، تعكسُ ذوقها الرفيع. في المرآة، نظرتْ إلى وجهها. ما زالَ هناكَ أثرٌ للحزن، لكنّ هناكَ أيضًا لمعةُ تصميمٍ وتحدٍ.
"سأنجحُ في حياتي، سواءٌ معهُ أو بدونه." كانتْ تقولُ لنفسها. لكنّها كانتْ تعلمُ في قرارةِ نفسها، أنها تريدُ أنْ تكونَ قادرةً على بناءِ حياةٍ سعيدةٍ معَ أحمد، أنْ تجدَ فيهِ الشريكَ الذي طالما حلمتْ به.
وصلتْ إلى المكتبِ في الوقتِ المحدد. كانَ زملاؤها في استقبالها بحرارة. "أهلاً بعودتكِ يا ليالي! افتقدناكِ كثيرًا!"
"وأنا افتقدتكم." ردّتْ ليالي بابتسامةٍ دافئة.
بدأَ الاجتماعُ الذي كانَ هامًا بالفعل. كانَ يتعلقُ بمشروعِ تصميمِ دارِ أوبرا جديدةٍ في قلبِ القاهرة. كانتْ ليالي المتحمسةَ الرئيسيةَ للمشروع. أحبتْ فكرةَ دمجِ الفنِ الحديثِ معَ الطابعِ الشرقيِ الأصيل.
كانَ كلامها مليئًا بالشغفِ والحماس. كانتْ تشرحُ أفكارها بوضوحٍ وإتقان، ترسمُ الخطوطَ العريضةَ للمبنى، توضحُ كيفَ ستكونُ الواجهةُ مزيجًا منَ الزجاجِ والرخامِ الشرقي، وكيفَ ستتداخلُ المساحاتُ الداخليةُ معَ حدائقَ خضراء.
"تخيلوا معي،" قالتْ ليالي، وعيناها تلمعانِ بالحماس، "أنْ تكونَ هناكَ قاعةٌ رئيسيةٌ ضخمةٌ، تغطيها قبةٌ سماويةٌ، يمكنُ رؤيةُ النجومِ منها في الليل. وأنْ تكونَ هناكَ مسارحُ صغيرةٌ، مخصصةٌ للموسيقى العربيةِ التقليدية."
تلقى زملاؤها أفكارها بإعجابٍ شديد. كانَ الجميعُ متأثرًا بـ رؤيتها الثاقبةِ وعمقِ فهمها للتراث.
"ليالي، أنتِ رائعةٌ حقًا!" قالَ مديرُ المكتبِ، السيدُ فريد، وهوَ رجلٌ مسنٌّ ذو خبرةٍ واسعة. "هذا المشروعُ سيكونُ تحفةً معماريةً بكلِّ المقاييس."
شعرتْ ليالي بالفخرِ والسعادة. هذا هوَ ما تحبُّ أنْ تفعلهُ. بناءُ المستقبلِ منْ خلالِ الفنِ والإبداع.
بعدَ انتهاءِ الاجتماع، وبينما كانَ زملاؤها يتبادلونَ الأحاديثَ حولَ تفاصيلِ المشروع، سألتْ إحداهنّ، وهيَ زميلةٌ مقربةٌ تدعى سارة: "كيفَ حالُ زوجكِ يا ليالي؟ أسمعُ أنّهُ شخصٌ رائعٌ جدًا."
توقفتْ ليالي للحظة، وشعرتْ بأنّ قلبها يخفقُ بسرعة. "إنهُ بخير، سارة. أحمدُ رجلٌ… جيد."
"جيدٌ؟ هذا كلُّ ما تقولينهُ؟ سمعتُ أنّهُ وسيمٌ جدًا أيضًا." قالتْ سارةُ بابتسامةٍ واسعة.
احمرَّ وجهُ ليالي قليلاً. "نعم، هوَ كذلك."
"هلْ تزوجتما منذُ فترةٍ طويلة؟"
"لا، ليسَ وقتًا طويلاً. لقد كانَ زواجنا في ظروفٍ… خاصة."
"أفهم." قالتْ سارةُ بنبرةٍ متعاطفة. "أتمنى أنْ تكونوا سعداءَ معًا. يجبُ أنْ نرى صورَ زواجكما يومًا ما!"
ابتسمتْ ليالي بمرارةٍ طفيفة. صورُ زواجها؟ لم يكنْ هناكَ صورٌ. كانَ هناكَ حزنٌ وجنازة. "ربما يومًا ما." قالتْ ليالي، وهيَ تعلمُ أنَّ هناكَ عالمًا كاملاً منَ الذكرياتِ التي يجبُ أنْ تُبنى، وعالمًا منَ القصصِ التي يجبُ أنْ تُروى.
قضتْ بقيةَ يومِ العملِ في متابعةِ تصميماتِ المشروع، ونسيتْ تمامًا التفكيرَ في حياتها الشخصية. لكنْ عندما دقتْ ساعةُ انصرافها، عادتْ إليها فكرةُ أحمد. هلْ سيعودُ مبكرًا اليوم؟
عندما وصلتْ إلى الشقة، وجدتْ الأضواءَ مضاءةً، وشمتْ رائحةَ الطعامِ الشهي. دخلتْ إلى المطبخ، ورأتْ أحمدَ يقفُ أمامَ الموقد، يطهو العشاء. كانَ يرتدي قميصًا أبيضَ بسيطًا، وقدْ رفعَ أكمامه.
"مرحبًا بكِ في المنزل." قالَ وهوَ يلتفتُ إليها بابتسامةٍ دافئة.
"مرحبًا بكَ. رائحةُ الطعامِ شهيةٌ جدًا."
"تفضلي، اجلسي. سأقدمُ الطعامَ بعدَ قليل."
جلستْ ليالي على الطاولة، تشاهدُ أحمدَ وهوَ يضعُ الأطباقَ. كانَ هناكَ هدوءٌ مريحٌ في وجودهِ. شعرتْ بأنّها ليستْ وحدها في هذهِ الشقةِ الكبيرة.
"هلْ كانَ يومُ عملكِ جيدًا؟" سألَ أحمدُ وهوَ يجلسُ قبالتها.
"نعم، كانَ جيدًا جدًا. لدينا مشروعٌ جديدٌ ومثير."
"رائع. أحبُّ أنْ أسمعَ عن عملكِ."
بدأتْ ليالي في شرحِ تفاصيلِ المشروع، ووصفِ أفكارها. كانَ أحمدُ ينصتُ إليها باهتمامٍ شديد، يسألها بعضَ الأسئلةِ الذكيةِ التي دلتْ على فهمهِ لما تتحدثُ عنه، حتى وإنْ كانَ مجالهُ مختلفًا.
"هذا مدهشٌ يا ليالي. أنتِ حقًا موهوبة." قالَ أحمدُ بعدَ أنْ انتهتْ منَ الشرح. "أتمنى أنْ أرى هذا التصميمَ يومًا ما."
"شكرًا لكَ. هذا يعني لي الكثير."
بعدَ العشاء، جلسا معًا في غرفةِ المعيشة، يتحدثانِ عن أمورٍ مختلفة. لم يتحدثا عنْ ماضيهما، ولا عنْ مشاعرهما العميقة. كانَ الحديثُ يدورُ حولَ أمورٍ بسيطة، حولَ الأفلامِ التي شاهداها، حولَ الكتبِ التي يقرأونها. لكنّ هذهِ المحادثاتِ البسيطةَ كانتْ تبني جسرًا بينهما، جسرًا منَ الألفةِ والتقبل.
في لحظةٍ صمتٍ، سألَ أحمدُ ليالي: "هلْ تفكرينَ في العودةِ إلى منزلِ أهلكِ قريبًا؟"
فكرتْ ليالي. كانتْ بحاجةٍ إلى رؤيةِ والدتها، لكنّ فكرةَ تركِ هذا البيتِ، تركِ أحمد، كانتْ تثيرُ فيها قلقًا خفيًا.
"ربما بعدَ فترة. أمي تحتاجُ إلى رؤيتي. لكنّ… لا أعرفُ متى بالضبط."
"أتفهم." قالَ أحمدُ بهدوء. "إذا كنتِ تحتاجينَ إلى أيِّ شيء، فلا تترددي في إخباري."
"شكرًا لكَ."
بعدَ وقتٍ قصير، نهضَ أحمدُ متجهًا إلى غرفته. شعرتْ ليالي ببعضِ الإحباط. لم يحدثْ شيءٌ مهمٌ الليلة. لكنّها أدركتْ أنَّ بناءَ علاقةٍ لا يحدثُ بينَ عشيةٍ وضحاها.
جلستْ ليالي على الأريكة، تتأملُ في الهاتفِ الذي وضعتهُ على الطاولة. هلْ يجبُ أنْ تبادرَ؟ هلْ يجبُ أنْ تحاولَ التقربَ منهُ أكثر؟
تذكرتْ كلماتِ والدتها: "فقط أعطِ الأمرَ وقتًا."
"الوقتُ سيشفي كلَّ شيء،" همستْ ليالي لنفسها. "لكنّ الأمرَ يتطلبُ مني أيضًا أنْ أكونَ قويةً، وأنْ أكونَ شجاعةً. وأنْ لا أخافَ منَ البدءِ من جديد."
نظرتْ إلى بابِ غرفةِ أحمد، ثمّ نظرتْ إلى بابِ غرفتها. كانَ هناكَ مسافةٌ تفصلُ بينهما، مسافةٌ لم تمتلئْ بعد. لكنّها أدركتْ شيئًا مهمًا: لم يعدْ أحمدُ غريبًا تمامًا. بدأَ يصبحُ جزءًا منْ عالمها، جزءًا منْ يومها، وجزءًا منْ أفكارها.
أخذتْ نفساً عميقاً، وشعرتْ بأنّ الأملَ يتجددُ في قلبها. هذهِ هيَ بدايةُ طريقٍ طويل. طريقٌ قدْ يكونُ مليئًا بالعقبات، لكنه طريقٌ أرادتْ أنْ تسلكهُ. طريقٌ قدْ يقودها إلى حبٍ حقيقي، حبٍ حلال، حبٍ يجمعُ بينَ قلبينِ بعدَ ظروفٍ صعبة.