زوجي الغريب الجزء الثاني

أشباح الماضي تتراقص

بقلم ليلى الأحمد

كانت ليلةً لا تشبه الليالي التي عرفتها سارة في حياتها. أظلمت سماء دبي، لا بظلام الغيوم، بل بسوادٍ يخترق الروح. عادت ذكرى تلك الليلة المشؤومة، ليلة فقدانها لابنها، لتلتهمها بنيرانٍ تلسع شغاف قلبها. جلسَتْ على حافة السرير، والغرفة من حولها تبدو وكأنها تئن بصمتٍ كئنها تحمل ثقل الحزن الذي يثقل صدرها. في يدها، كانت تتلاعب بقطعة قماشٍ زهرية صغيرة، بقايا فستانٍ لم يكتمل، ودموعٌ جافةٌ تغطي وجنتيها كوشمٍ أبدي.

"يا نور عيني… يا ولدي…" تمتمت بصوتٍ متهدج، تكاد لا تسمعه أذناها. لم يكن فقدان طفلها مجرد حزنٍ عابر، بل كان جرحًا غائرًا، ندبةً عميقةً تزين هويتها، تشوه كل لوحةٍ جميلةٍ رسمتها في حياتها. تزوجت من فهد، الرجل الذي بدا لها ملجأً من عواصف الأيام، زوجٌ رحيمٌ، وجدٌ حنون، ومنزلٌ عامرٌ بالدفء. لكن هل كان هذا الدفء كافيًا ليطرد ظلال الألم؟

نظرَتْ إلى صورةٍ معلقةٍ على الحائط، صورةٌ لها مع فهد في يوم زفافهما. ابتسامةٌ كانت تشرق على وجهيهما، ووجهُ طفلٍ رضيعٍ يحمله فهد بحنانٍ. كانت تلك اللحظة، لحظةُ أملٍ ورجاء، قبل أن تبتلعهم دوامةُ الحقيقة المرة. كان هذا الطفل، الذي لم يمر على ولادته سوى بضعة أشهر، هو ضالتها التي بحثت عنها، نور حياتها الذي انطفأ مبكرًا.

ارتدت عباءتها المنسوجة من حريرٍ فاخر، وتسللت خارج الغرفة بهدوءٍ، لتجد فهد واقفًا عند النافذة، يتأمل سواد الليل، وعيناه تعكسان قلقًا دفينًا.

"سارة؟ إلى أين؟" سأل بصوتٍ هادئ، يحمل بين طياته شفقةً وحرصًا.

"لا شيء يا فهد… فقط… أردتُ قليلًا من الهواء." أجابت، وصوتها يبدو أضعف مما أرادت.

تنهد فهد، مقتربًا منها بحذر. "أعلم أن الأمر صعب، حبيبتي. لكن علينا أن نعيش، أن نجد طريقًا للمضي قدمًا. لن ننساه أبدًا، لكن الألم يجب ألا يتحول إلى سجنٍ لنا."

مد يده ليلمس وجنتها، ولكنها تراجعت بخفة. لم يكن الأمر منها، بل كان صراعًا داخليًا. كيف تستطيع أن تجد الراحة والأمان في حضن رجلٍ أصبح بالنسبة لها، بطريقةٍ ما، مرتبطًا بتلك اللحظة الأليمة؟ لم يكن فهد هو السبب، بل كانت الحياة بأكملها، والقدر القاسي.

"أعلم يا فهد… ولكن أحيانًا… أحيانًا أشعر أنني أغرق." قالت، والصوت يرتعش.

"لن تغرقي. أنا هنا. نحن معًا." قال، ثم عانقها بقوة، وكأنما يريد أن يمتص كل ذرة ألمٍ منها. شعرت بقوته، بأمانه، ولكنه لم يكن كافيًا ليغطي الفراغ الهائل الذي تركه الطفل.

عادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة. كانت سارة في أشد حالات ضعفها، منهكةً من الولادة، وقلبها يخفق بحبٍ لا يوصف لطفلها الوليد. لم تتخيل يومًا أن تلك البهجة ستتحول إلى أسىً بهذا الحجم. تذكرت صوت بكاء رضيعٍ آخر في الغرفة المجاورة، صوتٌ لم يكن له. تساءلت في قرارة نفسها: هل كان ذلك الطفل، طفل فهد وزوجته الأولى، هو السبب في كل ما حدث؟ هل كان لقاؤهما، زواجهما، مجرد محاولةٍ يائسةٍ من فهد لإيجاد والدةٍ جديدةٍ لابنه؟

تذكرت كيف حاولت أن تكون الأم المثالية، كيف كرست كل وقتها وجهدها لرعاية الطفل. ولكن رغم كل ما فعلته، كانت تشعر دائمًا بأنها تقارن بظلالٍ غامضةٍ من الماضي، بامرأةٍ لم تلتقِ بها يومًا، ولكن صورتها كانت تتجسد في عيون فهد أحيانًا، في نبرة صوته حين يتحدث عن ابنه.

"هل تعتقد حقًا أننا سعداء يا فهد؟" سألت فجأة، وقد انفتحت نافذةٌ أخرى من الشك في صدرها.

رفع فهد حاجبه بدهشة. "ماذا تقصدين؟ ألا ترين كل النعم التي أنعم الله بها علينا؟ منزلٌ، صحة، وظيفة، وحب… كل هذه أشياءٌ ثمينةٌ لا يملكها الكثيرون."

"لكن هل هذا كل شيء؟ هل الحب وحده كافٍ؟" قالت، ودموعٌ غزيرةٌ بدأت تتساقط على خديها. "أشعر أنني أعيش في قفصٍ ذهبي، مليءٌ بالجمال، ولكنه خالٍ من الروح."

نظر إليها فهد بعمق، وقد رأى في عينيها بحرًا من الأسى لم يره من قبل. "ما الذي يدور في خاطرك يا سارة؟ تكلمي، أفضِ لي بما في قلبك."

"أنا… أنا لست متأكدةً مما أشعر به، يا فهد. أحياناً أحس أنني مجرد خادمةٍ لمنزلك، ولابنك. أتعب، وأسهر، وأعطي، ولكن لا أشعر أبدًا أنني مرغوبةٌ لذاتي. أشعر أنني مجرد بديلٍ… أو مجرد حلٍّ لمشكلة."

كانت كلماتها تخترق قلبه كسهامٍ مسمومة. لم يكن يتخيل أبدًا أن سارة تشعر بهذا. كانت بالنسبة له كل شيء، رفيقة دربه، وزوجته التي اختارها بقلبه.

"بديل؟ حلٌّ لمشكلة؟ يا سارة! كيف تقولين هذا؟ أنتِ زوجتي، وحبيبتي، وكل حياتي. لا يوجد في حياتي من يحل مكانك. أما ابننا… فهو قطعةٌ من روحي، وسيكون دائمًا جزءًا من حياتنا."

"ولكن يا فهد… ألا ترى أنني لا أستطيع أن أكون أمًا له حقًا؟ ألا ترى أنني دائمًا ما أقارن بابنتها؟" قالت، والصوت يكاد يتلاشى.

"يا حبيبتي، لم أطلب منكِ أن تكوني أمًا له. كل ما طلبته هو أن تعيشي معي، أن تشاركيني حياتي. ورعايتك له كانت دليل حبٍ لكِ، وليس واجبًا مفروضًا. أما المقارنات… فأنا لم أقم بأي مقارنات. لقد أحببتكِ لذاتكِ، لشخصكِ، لروحكِ."

"ولكن… لماذا لم تخبرني بظروف طليقتك؟ لماذا لم تخبرني أنك كنت تعاني كثيرًا؟" سألت، وفضولها الجامح بدأ يتغلب على حزنها.

تنهد فهد. "لم أرد أن أثقل كاهلكِ. كنتِ في أمس الحاجة للراحة بعد… بعد ما حدث. ظننت أنني أستطيع تدبير أموري وحدي، وأنكِ ستكونين بجانبي كزوجة، وليس كأمٍ له. ولكن يبدو أنني كنت مخطئًا."

"ماذا تقصد؟"

"أقصد أنني لم أوفق في التعبير لكِ عن مشاعري، وعن سبب قراراتي. كنتُ أخشى أن أجرحكِ، فجرحتكِ بطريقةٍ أخرى." قال، وعيناه تلمعان بالإحباط. "لا أريد أن تضلي أسيرةً للماضي، يا سارة. أريد أن نتحرر معًا."

"ولكن كيف؟ كيف نتحرر من أشياءٍ علقت بأرواحنا؟" سألت، والصوت يرتعش.

"بالحب، يا سارة. بالصدق، وبأن نفتح قلوبنا لبعضنا البعض. يجب أن نعترف بأخطائنا، وبأننا بشرٌ نخطئ. يجب أن نتجاوز جراحنا، لا أن ندفنها. أريد أن أبدأ معكِ فصلًا جديدًا، فصلًا لا يكتبه الماضي، بل يكتبه حاضرنا ومستقبلنا."

نظر فهد إلى وجهها المغمور بالدموع، ومد يده ليمسحها بلطف. "لا تدعي ظلال الماضي تسرق منا سعادتنا. لنواجه هذه الأشباح معًا، لنطردها إلى الأبد. أريد أن أكون زوجكِ الحقيقي، لا مجرد ملاذٍ مؤقت. أريد أن نعيش حبًا حلالًا، حبًا يرضي الله، ويجمع قلوبنا وقلوب أبنائنا."

ابتسمت سارة ابتسامةً خافتة، أول ابتسامةٍ منذ وقتٍ طويل. كانت كلماته تحمل دفئًا، وأملًا، ووعدًا بمستقبلٍ أجمل. ولكن خلف تلك الابتسامة، كان هناك قلقٌ لا يزال يختلج في صدرها. هل حقًا تستطيع أن تتجاوز جراحها؟ هل تستطيع أن تبني علاقةً قويةً مع فهد، علاقةً لا تطاردها أشباح الماضي؟

نظرت إلى فهد، ورأت في عينيه صدقًا وحبًا لم تراه من قبل. ربما كان هذا بداية الطريق. ربما كان هذا هو الخيط الرفيع الذي ستقوده إلى الخلاص. لكن الطريق كان ما زال طويلًا، مليئًا بالعقبات، والشكوك، والأشباح التي لم تطرد بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%