زوجي الغريب الجزء الثاني
همسات الفجر العتيقة
بقلم ليلى الأحمد
مع بزوغ الفجر، تسللت أشعة الشمس الأولى خجولةً عبر ستائر الغرفة، لتوقظ سارة من سباتها المضطرب. لم يكن نومها عميقًا، بل كان أشبه بغرقٍ متقطعٍ في بحرٍ من الأحلام الملونة بالألم. استيقظت على وقع دقات قلبها المتسارعة، وعلى صوتٍ خافتٍ كان ينبعث من قلبها: "هل أنا حقًا أسيرة؟"
حركة فهد الخفيفة بجانبها أيقظته. رفع رأسه، وابتسم ابتسامةً صباحيةً دافئةً، تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تبعث الطمأنينة في روحها.
"صباح الخير يا حبيبتي." قال بصوتٍ ناعم، يقترب منها ليقبل جبينها.
"صباح النور." أجابت، وصوتها لا يزال يحمل أثر السهر والألم.
"هل نمتِ جيدًا؟" سأل، وعيناه تتفحصان وجهها بحثًا عن أي علاماتٍ للتعب.
"لا بأس." قالت، محاولةً إخفاء ما في قلبها. لم تكن تريد أن تبدأ يومها بالشكوى، خاصةً بعد الكلمات العميقة التي تبادلها مع فهد ليلة أمس.
نهض فهد من الفراش، متوجهًا إلى خزانة الملابس. "اليوم لدي اجتماعٌ مبكر. سأذهب وأعود متأخرًا قليلاً."
"أتفهم." قالت، وهي تنهض لتجلس على حافة السرير.
"سارة…" قال فهد، وهو يلتفت إليها، وبدت على وجهه علاماتٌ من القلق. "لستُ مجبرةً على البقاء في المنزل طوال اليوم. يمكنكِ زيارة والدتكِ، أو الخروج مع صديقاتكِ. لا تجعلي نفسكِ حبيسةً لهذه الجدران."
"بالعكس يا فهد، سأكون سعيدةً لو قضيت يومًا هادئًا في المنزل. ربما أستغل الفرصة لأرتب بعض الأغراض القديمة." قالت، وهي تحاول أن تبتسم.
"كما ترين مناسبًا." قال، ثم ذهب ليرتدي ملابسه.
بعد أن غادر فهد، جلست سارة في الغرفة، والشمس بدأت تضيء أرجاءها. حاولت أن تستجمع أفكارها، وأن تفهم ما الذي يقلقها حقًا. كانت مشاعرها متضاربة. من جهة، كانت تقدر حب فهد وحرصه، ومن جهة أخرى، كانت تشعر بفراغٍ هائلٍ لا يملؤه أي شيء.
تذكرت حديثها مع فهد ليلة أمس، وكيف اعترف بأنه لم يوفق في التعبير عن مشاعره. هل كان هذا صحيحًا؟ هل كان حقًا يحبها لذاتها؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها كدوامةٍ لا تتوقف.
قامت من مكانها، وتوجهت إلى إحدى الغرف الصغيرة في المنزل، غرفةٍ كانت قد جعلتها مكتبةً صغيرةً لها. جلست على كرسيٍ خشبيٍ عتيق، وبدأت تتصفح بعض الكتب القديمة. كانت هذه الغرفة ملاذها، مكانها الخاص حيث تستطيع أن تهرب من ضغوط الحياة.
وبينما هي تتصفح أحد الدفاتر القديمة، عثرت على رسوماتٍ لطفلةٍ صغيرة، رسوماتٌ باليةٌ تعود لطفولتها. تذكرت شغفها بالرسم، وكيف كانت تحلم بأن تصبح فنانةً مشهورة. ولكن الحياة، بمتغيراتها، ألغت هذه الأحلام، واستبدلتها بواقعٍ آخر.
"هل ما زال لديّ شغفٌ بالرسم؟" تساءلت بصوتٍ خافت، وأصابعها تمر على تلك الرسومات.
"ما الذي أبحث عنه حقًا؟" سألت نفسها. هل كانت تبحث عن الذات التي فقدتها، أم عن حبٍ لم تجده؟
تذكرت لقاءها الأخير مع والدتها. كانت والدتها قلقةً عليها، وتسألها دائمًا عن حالها. كانت سارة تحاول أن تظهر لها القوة، وأن تخفي عنها كل ما في قلبها. ولكن هل كان هذا يخفف من عبء الحزن؟
"يا أمي… لو كنتِ تعرفين ما بداخلي… لو كنتِ تعرفين كم أنا ضائعة." همست، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
نهضت من مكانها، وتوجهت إلى المطبخ. أرادت أن تعد فنجانًا من القهوة، وأن تنسى كل شيءٍ للحظات. وبينما هي تضع حبات البن في آلة القهوة، سمعت صوتًا خافتًا يأتي من غرفة المعيشة. صوتٌ لم يكن مألوفًا.
اقتربت بحذر، وقلبها يخفق بسرعة. توقفت عند باب الغرفة، ورأت شيئًا جعلها تتجمد في مكانها.
كانت هناك امرأةٌ تجلس على الأريكة، امرأةٌ لم ترها من قبل. كانت ترتدي ملابس بسيطة، ولكنها كانت تحمل ملامح قوية، وملامح تبدو مألوفةً بشكلٍ غريب. كانت تحمل في يدها ورقةً تبدو قديمةً جدًا.
"من أنتِ؟" سألت سارة بصوتٍ مرتجف.
رفعت المرأة رأسها، ونظرت إليها بعينين تحملان حزنًا عميقًا. "أنا… أنا سلوى." قالت بصوتٍ هادئ، ولكن بحزنٍ أعمق.
"سلوى؟" كررت سارة، وهي تحاول أن تتذكر. لم يكن هذا الاسم مألوفًا لها.
"نعم. سلوى… زوجة فهد الأولى." قالت المرأة، والكلمات تخرج ببطءٍ، كأنها تحمل ثقل تاريخٍ كامل.
تجمدت سارة في مكانها. زوجة فهد الأولى؟ لم تتخيل أبدًا أن تلتقي بها. كانت قد سمعت عنها القليل من فهد، ولكنها لم تر صورتها قط.
"ولكن… كيف؟ كيف دخلتِ إلى هنا؟" سألت، وقد بدأت يديها ترتجفان.
"لم أدخل. كنتُ أنتظر. سمعتُ أن فهد أصبح يتردد على هذا المنزل كثيرًا." قالت سلوى، وبدأت عيناها تلمعان بالدموع. "سمعتُ أنه تزوج مرةً أخرى."
"نعم. لقد تزوجنا." أجابت سارة، وهي تحاول أن تستجمع قواها.
"لم أكن أريد أن أرى هذا. لم أكن أريد أن أرى رجلي مع امرأةٍ أخرى." قالت سلوى، وهي تخفي وجهها بيديها.
شعرت سارة بمزيجٍ من الشفقة والغضب. لماذا أتت الآن؟ لماذا أحدثت كل هذا الجدل؟
"ولكن… لماذا أتيتِ؟" سألت، محاولةً أن تتفهم.
"أتيتُ لأعيد هذه." قالت سلوى، وهي ترفع الورقة التي كانت تحملها. كانت الورقة عبارة عن رسالةٍ بخطٍ جميل، مليئةٍ بالحب والعاطفة.
"هذه رسالةٌ كتبتها لابني قبل وفاته." قالت سلوى، والدموع تنهمر على خديها. "أردتُ أن أحتفظ بها، ولكن… ولكني سمعتُ أن فهد يحتفظ بأشياءٍ كثيرةٍ تخص ابنه في هذا المنزل. فظننتُ أنني سأجدها هنا."
شعرت سارة بغصةٍ في حلقها. كم كان هذا اللقاء مؤلمًا. كم كان هذا الصراع الداخلي بينها وبين سلوى.
"أنا… أنا آسفةٌ على ما حدث لابنك." قالت سارة، بصدقٍ يخترق الروح. "لم أكن أعلم بهذا."
"لا بأس." قالت سلوى، وهي تحاول أن تتماسك. "كانت الحياة قاسيةً علينا جميعًا. ولكن… هل أنتِ سعيدةٌ يا سارة؟ هل وجدتِ السعادة مع فهد؟"
كان سؤالًا مباشرًا، سؤالًا اخترق حاجز الخوف والألم. نظرت سارة إلى سلوى، ورأت فيها انعكاسًا لحزنها، لألمها.
"أنا… أحاول." قالت سارة، بصدقٍ نادر. "لكن الأمور ليست دائمًا سهلة."
"أعلم. الحب ليس دائمًا سهلًا." قالت سلوى، وهي تبتسم ابتسامةً حزينة. "أتمنى لكِ كل الخير يا سارة. أتمنى أن تجدي ما تبحثين عنه."
نهضت سلوى من مكانها، وتوجهت نحو الباب. "سأترككِ الآن. أردتُ فقط أن أرى… وأنا أرى."
"انتظري!" نادت سارة، وقبل أن تفكر. "هل… هل لكِ أي صورٍ لابنك؟"
نظرت سلوى إليها بدهشة، ثم أومأت برأسها. "نعم. لديّ بعض الصور."
"هل يمكنني رؤيتها؟" سألت سارة، بفضولٍ لم تستطع إخفاءه.
ترددت سلوى لحظة، ثم قالت: "غدًا. سنلتقي غدًا. وسأريكِ كل شيء."
خرجت سلوى من المنزل، تاركةً سارة في صمتٍ رهيب. لم تكن تتوقع هذا اللقاء. لم تكن تعرف كيف ستتعامل مع هذا الوضع. ولكن شيئًا ما في حديثها مع سلوى، وفي نظراتها الحزينة، جعل سارة تشعر بالتعاطف، وبالرغبة في المساعدة.
ربما كان هذا هو المفتاح. ربما كان تجاوز جراح الماضي، وفهم مشاعر الآخرين، هو الطريق الوحيد إلى الشفاء. ولكن هل كان الطريق طويلًا، ومليئًا بالصعاب؟