زوجي الغريب الجزء الثاني

ظلال الماضي تلون الحاضر

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة وشعورٌ غريبٌ يغمرها. لم يكن شعورًا بالخوف، بل مزيجًا من الفضول والرهبة. التقت بسلوى في مكانٍ هادئٍ، في حديقةٍ عامةٍ تزينها أشجار النخيل الشاهقة. كانت سلوى تنتظرها، حاملةً حقيبةً قماشيةً قديمة.

"السلام عليكم." قالت سارة، مقتربةً منها بحذر.

"وعليكم السلام." أجابت سلوى، وبدت عليها ابتسامةٌ خجولة. "شكرًا لقدومكِ."

"لا شكر على واجب. أردتُ أن أرى." قالت سارة، وهي تجلس بجانبها على المقعد الخشبي.

فتحت سلوى الحقيبة، وأخرجت منها ألبوم صورٍ قديمًا، صفحاته صفراءٌ وهشة. بدأت تتصفح الصور، وسارة تراقب بقلبٍ يرتعش. كانت الصور لطفلٍ صغير، بعينين واسعتين، وبابتسامةٍ تضيء وجهه. كان طفلًا جميلًا، مليئًا بالحياة.

"هذا كان اسمه 'ريان'." قالت سلوى، وبدا صوتها متهدجًا. "كان نور عيني."

"ما شاء الله. كان جميلًا جدًا." قالت سارة، وشعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها.

"كان يحب اللعب تحت المطر. وكان يعشق قصص الأبطال. وكان دائمًا ما يسألني عن أبيه." قالت سلوى، وهي تتصفح الصور. "كان فهد يحبه كثيرًا، ولكنه كان بعيدًا عنه. كان يسافر كثيرًا في العمل."

"هل كانا قريبين؟" سألت سارة، بفضولٍ لم تستطع إخفاءه.

"نعم. كانا قريبين جدًا. ولكنهما ابتعدا مع مرور الوقت. كان فهد يتزوج ويطلق، ويبني حياته بعيدًا عنا. وكنتُ أنا أحاول أن أحميه من عالمٍ لم يكن له." قالت سلوى، وبدت عليها علاماتٌ من الأسى.

"ولكن… لماذا لم يطلب فهد حضانته؟" سألت سارة، وهي لا تفهم.

"لم يطلب. كان يرى أنني الأم الأفضل له. ولكنه كان يعطينا المال، ويسأل عنا بين الحين والآخر. ولكنه كان دائمًا ما يتركنا." قالت سلوى، وبدا في صوتها مرارة. "ربما لم يكن مستعدًا للمسؤولية الكاملة. ربما كان يخشى أن يفسد حياته."

نظرت سارة إلى الصور، وشعرت بعمقِ المأساة. كم كانت الحياة معقدة، وكم كانت القرارات صعبة.

"ماذا حدث له؟" سألت سارة، وصوتها يكاد لا يُسمع.

"مرض. مرض فجأةً. وبقيتُ معه لأشهُر، أحاول أن أنقذه. ولكن… الله غالب." قالت سلوى، وهي تخفي وجهها بيديها. "كانت تلك أشد الأيام في حياتي. أيامٌ لن أنساها أبدًا."

شعرت سارة بقلبها ينفطر. لم تستطع تحمل رؤية حزن سلوى.

"أنا آسفةٌ جدًا." قالت سارة، وهي تمسك بيد سلوى. "لا أستطيع أن أتخيل حجم الألم الذي مررتِ به."

"لا بأس. لقد مضى كل شيء." قالت سلوى، وهي تحاول أن تتماسك. "ولكن… هل أنتِ سعيدةٌ يا سارة؟ هل وجدتِ السعادة الحقيقية مع فهد؟"

"أنا… أحاول." كررت سارة، بصدقٍ نادر. "ولكنني أشعر بأنني ضائعةٌ بعض الشيء. أشعر بأنني لا أستطيع أن أجد مكاني في هذه الحياة."

"كلنا نشعر بالضياع أحيانًا." قالت سلوى، وهي تبتسم ابتسامةً حزينة. "ولكن علينا أن نجد طريقنا. علينا أن نتمسك بالأمل."

"ولكن كيف؟ كيف نجد الأمل في ظل كل هذه الأحزان؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالدموع.

"بالدعاء، يا سارة. وبالحب. وبالإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا." قالت سلوى، وهي تمسك بيد سارة بقوة. "فهد رجلٌ طيب. لديه قلبٌ كبير، ولكنه كان ضائعًا هو الآخر. ربما تكونين أنتِ سبيله إلى الشفاء."

"أنا؟ ولكن كيف؟" سألت سارة، بدهشة.

"أن تحبيه بصدق. وأن تتجاوزي جراحكِ. وأن تبني معه مستقبلًا جديدًا، مستقبلًا يرضي الله. وأن تتذكري دائمًا أن الله لا يضعنا في مواقف إلا ليختبر صبرنا، وليعلمنا شيئًا جديدًا." قالت سلوى، وبدت عليها علاماتٌ من الحكمة.

"ولكن… كيف أتحرر من الماضي؟ كيف أنسى كل ما حدث؟" سألت سارة، وهي تشعر بأنها على وشك الانهيار.

"لن تنسيه أبدًا. ولكن يمكنكِ أن تتعلمي كيف تعيشين معه. يمكنكِ أن تمنحي جراحكِ معنى. يمكنكِ أن تحوليها إلى قوة، لا إلى ضعف." قالت سلوى، وهي تنظر إليها بعينين تفيضان بالشفق. "تذكري دائمًا أنكِ امرأةٌ قوية، وأن لديكِ إرادةً عظيمة."

نظرت سارة إلى سلوى، وشعرت بأنها وجدت فيها صديقةً، وأختًا. لقد كان حديثها معها بمثابة بلسمٍ لروحها.

"شكرًا لكِ يا سلوى. شكرًا على كل شيء." قالت سارة، بامتنانٍ عميق.

"لا شكر على واجب." قالت سلوى، وهي تبتسم. "أتمنى لكِ كل السعادة يا سارة. أتمنى أن تجدي حبًا حقيقيًا، حبًا يجمع بينكما، وينير حياتكما."

ودعت سارة سلوى، وعادت إلى المنزل، وهي تشعر بشعورٍ جديد. لم يكن شعورًا بالراحة التامة، بل شعورًا بالبداية. بداية طريقٍ جديد، طريقٍ يتطلب الكثير من الجهد، والكثير من الصبر، والكثير من الحب.

في هذه الأثناء، كان فهد في مكتبه، يتلقى تقريرًا عن آخر مستجدات العمل. كان يعلم أن سارة تشعر بالضيق، ولكنه لم يكن يعلم بالضبط ما الذي يجري في قلبها. كان يحبها، ويحترمها، ولكنه كان يخشى أن يضغط عليها كثيرًا.

"هل كل شيء على ما يرام يا فهد؟" سأل مساعده، وقد رأى علامات القلق على وجهه.

"نعم، كل شيء على ما يرام. ولكن… لديّ بعض الأمور التي تقلقني." قال فهد، وهو يتنهد.

"هل الأمر يتعلق بزوجتك؟" سأل المساعد، بحذر.

"نعم. أشعر أنها بعيدةٌ عني. لا أعرف ما الذي يدور في خاطرها." قال فهد، وهو ينظر من النافذة. "أتمنى أن نتجاوز هذه المرحلة معًا."

"لا تقلق يا سيدي. كل شيء سيكون على ما يرام." قال المساعد، محاولًا أن يطمئنه.

في هذه الأثناء، كانت سارة قد عادت إلى المنزل، وبدأت تشعر ببعض التغيير. لم تعد تشعر بالضياع التام، بل شعرت بأنها وجدت خيطًا رفيعًا، خيطًا من الأمل.

"هل حقًا يمكنني أن أبني مستقبلًا مع فهد؟" سألت نفسها، وهي تتأمل صور ريان. "هل حقًا يمكنني أن أحول جراحي إلى قوة؟"

نظرت إلى صورةٍ لها مع فهد في يوم زفافهما. ابتسامةٌ كانت تشرق على وجهيهما، ولكنها كانت ابتسامةٌ تحمل الكثير من الأسئلة.

"ربما… ربما علينا أن نثق بالله، ونحاول." قالت لنفسها، وهي تشعر ببعض الشجاعة. "ربما حبنا، حبنا الحلال، هو الذي سيجمعنا، ويشفينا."

ولكن الأشباح لم ترحل بعد. كانت لا تزال تتراقص في زوايا المنزل، وفي أعماق قلبها. وكان عليها أن تواجهها، أن تطردها، لتجد طريقها إلى السعادة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%