قلب طاهر
شائعةٌ كئيبةٌ وليلٌ مضطرب
بقلم سارة العمري
تتتالى الأيامُ سريعةً، وكأنَّها تهرولُ نحو موعدِ الخطوبةِ المرتقب. في منزلِ سارة، تواصلتْ التحضيراتُ بوتيرةٍ متسارعة. فستانُ الخطوبةِ الجميل، الذي اختارتهُ سارةُ بعناية، باتَ جاهزاً، والدعواتُ وُزعتْ على المدعوينَ، والأنوارُ بدأتْ تُزينُ الشارعَ المؤدي إلى منزلِ العائلة. ولكنْ، في قلبِ هذهِ الأجواءِ الاحتفالية، بدأتْ تظهرُ غيومٌ رماديةٌ تُنذرُ بعاصفةٍ قادمة.
في الجامعة، وبينما كانتْ سارةُ تتجولُ في أحدِ الأروقة، سمعتْ همساتٍ مريبةً تترددُ بينَ زميلاتها. كانتْ الهمساتُ تدورُ حولَ اسمِها، ولكنَّ الكلماتِ المسموعةَ كانتْ مبهمةً ومقلقة. حاولتْ الاقترابَ قليلاً، ولكنَّ الزميلاتِ سرعانَ ما انفضضنَ عندَ رؤيتها. شعرتْ سارةُ ببرودةٍ مفاجئةٍ تسري في جسدها. هلْ سمعتْ ما اعتقدتْ أنها سمعته؟
لمْ يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى وصلتها رسالةٌ نصيةٌ عبرَ هاتفها، منْ رقمٍ غيرِ معروف. كانتْ الرسالةُ موجزةً، ولكنَّ محتواها كانَ كالصاعقة. "سارة، هلْ سمعتِ ما يُقالُ عنكِ وعنْ عبدِ الرحمن؟ شائعةٌ جديدةٌ انتشرتْ كالنارِ في الهشيم. يقالُ أنَّ عبدَ الرحمنَ ليسَ ملتزماً كما تظنين. وأنَّ هناكَ فتاةً أخرى في حياتهِ."
جمدَ قلبُ سارةَ. شعرتْ بالخوفِ والغضبِ يتملكانها. منْ هوَ هذا الشخصُ الذي يريدُ أنْ يفسدَ فرحتها؟ ولماذا يفعلُ ذلك؟ كانتْ تعلمُ أنَّ هناكَ منْ كانَ يحاولُ مضايقتها، ولكنَّ هذهِ الشائعةَ كانتْ أشدُّ قسوةً وأكثرَ تأثيراً.
قررتْ سارةُ أنْ تواجهَ عبدَ الرحمنِ مباشرةً. اتصلتْ بهِ، وصوتها بالكادِ كانَ مسموعاً منَ الرعبِ الذي اعتراها. "عبدُ الرحمن، هلْ يمكنُ أنْ نلتقي؟ لديَّ شيءٌ هامٌ جداً أريدُ أنْ أخبركَ به."
"بالتأكيدِ يا سارة. هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟ تبدينَ مضطربة." أجابَ عبدُ الرحمنِ بصوتٍ مليءٍ بالقلق.
اجتمعا في حديقةٍ هادئةٍ في وقتٍ متأخرٍ منَ المساء، تحتَ ضوءِ القمرِ الخافت. سردتْ سارةُ لعبدِ الرحمنِ كلَّ ما سمعتهُ، وكلَّ ما وصلها عبرَ الرسالة. كانتْ عيناها تلمعانِ بالدموع، وقلبها يكادُ ينفطرُ منَ الألم.
استمعَ عبدُ الرحمنِ بصبرٍ وهدوء. عندما انتهتْ سارةُ، أمسكَ بيديها بقوة، وقالَ بصوتٍ حازمٍ وواثق: "سارة، أرجوكِ لا تصدقي هذهِ الأقاويلَ الكاذبة. أنا أحبكِ، وحبي لكِ صادقٌ ونقيّ. لا يوجدُ في حياتي أحدٌ سواكِ. منْ يفعلُ هذا، يريدُ أنْ يدمرَ سعادتنا."
"ولكنْ، منْ يفعلُ هذا؟ ومنْ أينَ أتتْ هذهِ الشائعة؟" سألتْ سارةُ، وما زالَ الخوفُ يرتسمُ على وجهها.
"لا أعرفُ حتى الآن. ولكنْ، أعدكِ بأنني سأكتشفُ منْ يقفُ وراءَ هذا. وأعدكِ بأنَّ هذهِ الشائعاتِ لنْ تؤثرَ على حبنا." قالَ عبدُ الرحمنِ، ونظرَ إليها بعمق. "ثقي بي يا سارة. ثقي في حبنا."
حاولتْ سارةُ استعادةَ رباطةَ جأشها، ولكنَّ الشائعةَ كانتْ قدْ تركتْ أثراً عميقاً في نفسها. كانتْ ترى في عيني عبدِ الرحمنِ الصدقَ، ولكنَّ الشكوكَ بدأتْ تتسللُ إلى قلبها.
في هذهِ الأثناء، كانَ السيدُ سمير، عمُّ عبدِ الرحمن، يلعبُ لعبتهُ الخبيثة. لمْ يكنْ هوَ منْ نشرَ الشائعةَ مباشرةً، ولكنهُ كانَ على علمٍ بمنْ فعلَ ذلك، وكانَ يرى في هذهِ الفتنةِ فرصةً لتحقيقِ أهدافه. كانَ قدْ سمعَ منْ أحدِ الأشخاصِ الذي كانَ يعرفهُ عنْ محاولةِ شابٍّ للتقربِ منْ سارةَ، وعنْ وجودِ مشاكلَ لديهِ. لمْ يترددْ في استغلالِ هذهِ المعلومة، وتشجيعِ هذا الشابِ بطرقٍ غيرِ مباشرةٍ على نشرِ المزيدِ منَ الشائعاتِ حولَ عبدِ الرحمن.
"لا أريدُ أنْ أرى عبدَ الرحمنِ سعيداً هكذا." كانَ يقولُ لنفسهِ، وعيناهُ تشتعلانِ بالحقد. "لقدْ ضاعَ مني الكثيرُ بسببِ خلافاتي معَ أخيهِ. والآنَ، لنْ أدعَ هذهِ الخطوبةَ تتمُّ على خير. سأزرعُ بذورَ الشكِ في قلبِ سارة، وسأرى كيفَ ستنهارُ هذهِ العائلةُ."
في بيتِ نورا، كانتْ الأمورُ تزدادُ سوءاً. بعدَ محاولاتٍ يائسةٍ للتواصلِ معَ أهلها، قررتْ نورا اتخاذَ خطوةٍ جريئة. اتصلتْ بسارةَ، وقالتْ بصوتٍ متهدج: "سارة، لا أستطيعُ البقاءَ هنا بعدَ الآن. لقدْ حدثَ شيءٌ خطيرٌ جداً. يجبُ أنْ أرحلَ. هلْ يمكنكِ مساعدتي؟"
فهمتْ سارةُ منْ نبرةِ صوتِ نورا أنَّ الأمرَ جلل. لمْ تترددْ لحظةً، وقالت: "تعالي إليَّ فوراً يا نورا. أنا هنا لأحميكِ."
عندما وصلتْ نورا إلى منزلِ سارة، كانتْ في حالةٍ يرثى لها. أخبرتْ سارةَ عنْ تعرضها لابتزازٍ وتهديدٍ منْ شابٍ كانتْ عائلتها تعرفهُ، وأنَّها خشيتْ على نفسها، وقررتْ الهروب. احتضنتْ سارةُ صديقتها، ووعدتها بالوقوفِ بجانبها.
في تلكَ الليلة، كانَ الليلُ مضطرباً على الجميع. الشائعاتُ تنتشرُ كالنار، والمشاكلُ تتزايد. عبدُ الرحمنِ يحاولُ كشفَ مصدرِ هذهِ الفتن، وسارةُ تحاولُ احتواءَ الأزمةِ التي تمرُّ بها صديقتها، وفي نفسِ الوقتِ تواجهُ شكوكها المتزايدة.
كانَ يلوحُ في الأفقِ أنَّ هذهِ ليستْ مجردَ فتنةٍ عابرة، بل مؤامرةٌ منظمةٌ تهدفُ إلى تدميرِ سعادةِ هؤلاءِ الأحباء. وشعرَ كلٌّ منهمْ بأنَّ نقطةً لا رجعةَ فيها قدْ اقتربت.