الفصل 17 / 25

قلب طاهر

سرٌ مدفونٌ في غبار الزمن

بقلم سارة العمري

ارتعش قلبُ فجرٍ وهي تضعُ بصمتها على وثيقةٍ قديمةٍ كأنها تنقشُ حكماً أبدياً على روحها. الغرفةُ التي احتضنتْ هذا اللقاءَ المشحونَ كانتْ غرفةَ عمها، التي تفوحُ منها رائحةُ البخورِ والعطورِ الشرقيةِ الأصيلةِ، لكنها اليومَ بدتْ مظلمةً، كأنها تخفي بين جدرانها أسراراً قاتمة. كان ضوءُ الشمعةِ المتمايلُ يلقي بظلالٍ راقصةٍ على وجهِ عمها، الشيخَ سليمان، الذي كان ينظرُ إليها بعينينِ تحملانُ خليطاً من الحزنِ والرجاءِ.

"أتفهمُ يا فجرُ أن هذا الأمرَ قد يكونُ ثقيلاً على صدرك،" قال بصوتٍ خافتٍ، ارتجفَ منهُ بعضُ حروفه، "ولكنه ضروريٌّ لسلامةِ العائلةِ، ولسلامتكِ أنتِ قبل كل شيء."

كانتِ الوثيقةُ عبارةً عن اتفاقيةٍ قديمةٍ، صيغتْ قبلَ سنواتٍ طويلةٍ، قبلَ أن تولدَ هي حتى. تحدثتْ عن شراكةٍ تجاريةٍ بينَ والدها الراحلِ ورجلٍ غامضٍ، شراكةٌ كانتْ مبنيةً على الثقةِ والأمانةِ، لكنها انتهتْ بشكلٍ مأساويٍ، تاركةً خلفها ديوناً لم تُسدَّ، وسمعةً على المحكِّ.

"لكن يا عمي،" بدأتْ فجرُ بصوتٍ يحملُ بحةً، "لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟ لماذا تركتني أعيشُ في وهمِ الأمانِ بينما كانتْ هذهِ الديونُ تثقلُ كاهلَ أبي؟"

تنهدَ الشيخُ سليمانُ بعمقٍ، وأشارَ إلى صورةٍ معلقةٍ على الحائطِ لوالدها، كانَ يبتسمُ فيها ابتسامةً واسعةً. "لم يكنْ في الأمرِ خيارٌ سهلاً يا ابنتي. والدكِ كانَ رجلاً طيباً، ولكنهُ كانَ أيضاً عنيداً. عندما واجهَ صعوباتِهِ، أقسمَ لي أنهُ سيتجاوزُها بنفسهِ، وأنهُ لنْ يدعَ أحداً يتدخلُ في شؤونهِ. ولمْ يرغبْ في تحميلكِ أعباءً تفوقُ طاقتكِ في صغرِك."

ثم أضافَ بصوتٍ أكثرَ جديةً: "والآن، الرجلُ الذي كانَ شريكَ والدكِ، السيدُ قيس، عادَ ليطالبَ بحقوقه. وقدْ طلبَ مني تسويةً نهائيةً، تسويةً لا يمكنُ رفضها، وإلا فإنَّ العواقبَ ستكونُ وخيمةً على كلِّ ما بناه والدكِ."

كانَ اسمُ قيسٍ قدْ ترددَ في منزلِ فجرٍ من قبل، ولكنْ كشخصيةٍ غامضةٍ، رجلٍ انتقلَ بعيداً منذُ زمنٍ بعيدٍ، دونَ أنْ يعرفَ أحدٌ تفاصيلَ رحيله. الآن، يبدو أنَّ هذا الرجلَ قدْ عادَ ليبحثَ عنْ ميراثهِ، أو ربما عنْ شيءٍ آخرَ أعمقَ.

"وما هيَ هذهِ التسويةُ يا عمي؟" سألتْ فجرُ، وقلبها يدقُّ بعنفٍ في صدرها، كأنها تخشى الإجابةَ.

أخرجَ الشيخُ سليمانُ ورقةً أخرى منْ درجِ مكتبهِ، وقدمها لها. كانتْ هذهِ الورقةُ عبارةً عنْ اقتراحٍ منْ السيدِ قيسٍ. لمْ يكنْ مجردَ مطالبةٍ بالمالِ، بلْ كانَ عرضاً أكثرَ تعقيداً. كانَ يتضمنُ زواجاً.

"السيدُ قيسٌ يطلبُ يدكِ للزواجِ، يا فجرُ،" قالَ الشيخُ سليمانُ، وعيناهُ مثبتتانِ على وجهها. "مقابلَ تنازلهِ عنْ كلِّ الديونِ، وإعادةِ بناءِ سمعةِ والدكِ. يقولُ إنهُ يحملُ احتراماً عميقاً لوالدكِ، وأنهُ يريدُ أنْ يحافظَ على إرثهِ. ويرى في هذا الزواجِ حلاً يرضي الجميعَ."

كانتْ الكلماتُ كالصواعقِ التي ضربتْ فجرَ. زواجٌ! منْ رجلٍ لا تعرفهُ، رجلٍ مرتبطٍ بماضي أبيها الغامضِ. نظرتْ إلى الورقةِ، إلى الخطِّ الأنيقِ، وإلى توقيعٍ غريبٍ لمْ ترهُ منْ قبل. شعرتْ بالغثيانِ يلفُّ معدتها.

"زواجٌ؟" كررتْ بصوتٍ يكادُ يكونُ همساً. "منْ هذا الرجلِ؟ لمْ أسمعْ بهِ منْ قبل!"

"هو ابنُ السيدِ مالكٍ، شريكِ والدكِ القديمِ،" أوضحَ الشيخُ سليمانُ. "لقدْ كانَ السيدُ مالكٌ رجلاً نبيلاً، ولكنهُ توفيَ منذُ سنواتٍ. السيدُ قيسٌ هوَ ابنُه الوحيدُ، وقدْ عادَ حديثاً إلى البلادِ بعدَ غيابٍ طويلٍ."

استندتْ فجرُ على ظهرِ الكرسي، تحاولُ استيعابَ ما تسمع. زواجٌ كصفقةٍ! زواجٌ لإنقاذِ سمعةِ أبيها، ولإغلاقِ ملفِّ ديونٍ قديمةٍ. لمْ يكنْ هذا هوَ الحلمَ الذي عاشتْ منْ أجله. لمْ تتخيلْ أبداً أنْ تكونَ جزءاً منْ صفقةٍ كهذهِ.

"ولكنْ، يا عمي،" قالتْ وهيَ تحاولُ استعادةَ رباطةِ جأشها، "هلْ لي حقٌّ في الرفضِ؟ ألا يمنحني هذا القانونُ الشرعيُّ أو حتى العرفيُّ حقّ الاختيارِ؟"

ابتسمَ الشيخُ سليمانُ بأسى. "بالتأكيدِ يا ابنتي. أنتِ حرةٌ في الرفضِ. ولكنْ، علينا أنْ ندركَ عواقبَ ذلكَ. السيدُ قيسٌ يبدو أنهُ رجلٌ لا يمزحُ في أمورِهِ. إنْ رفضتِ، فإنَّ العائلةَ قدْ تتعرضُ لأزمةٍ ماليةٍ كبيرةٍ، وقدْ تُباعُ بعضُ ممتلكاتِنا التي ورثناها عنْ أجدادنا. وهذا ما لا أرغبُ فيهِ أبداً."

تغلغلَ الخوفُ في عروقِ فجرٍ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ رفضٍ شخصيٍّ، بلْ كانَ قراراً سيؤثرُ على مستقبلِ عائلتها بأكملها. نظرتْ إلى عمها، إلى وجههِ المنهكِ، وإلى اليأسِ الذي بدأَ يرتسمُ على ملامحه. لقدْ كانَ يضعُ كلَّ رجائهِ فيها.

"هلْ قابلتِ هذا الرجلَ منْ قبل؟" سألتْ فجرُ، وعيناها تبحثانِ عنْ أيِّ بصيصِ أملٍ أوِ إرشادٍ.

"لا،" أجابَ الشيخُ سليمانُ. "لقدْ كانَ غائباً منذُ أنْ كنتُ طفلاً صغيراً. ولكنْ، سمعتُ عنهُ الكثيرَ. يقولونَ إنهُ رجلٌ كريمٌ، ولكنهُ حازمٌ جداً. لهُ رؤيةٌ واضحةٌ لمستقبلهِ، ولا يحبُّ أنْ يعرقلَ أحدٌ خططَهُ."

أخذتْ فجرُ نفساً عميقاً، وشعرتْ بأنَّ الهواءَ أصبحَ ثقيلاً. كانتْ تقفُ على مفترقِ طرقٍ حاسمٍ. طريقٌ يؤدي إلى التضحيةِ، وطريقٌ يؤدي إلى الانهيارِ. لمْ يكنْ هناكَ حلٌّ سهلٌ.

"هلْ يمكنني،" قالتْ بصوتٍ مرتجفٍ، "هلْ يمكنني أنْ ألتقيَ بهِ؟ أريدُ أنْ أتحدثَ إليهِ قبلَ أنْ أتخذَ أيَّ قرارٍ."

ارتسمتْ ابتسامةٌ باهتةٌ على وجهِ الشيخِ سليمان. "هذا هوَ عينُ العقلِ يا ابنتي. سأرتبُ لقاءً بينكما. ولكنْ، كوني حذرةً، وافتحي قلبكِ وقلبكِ على حدٍّ سواءٍ. ففي بعضِ الأحيانِ، يكونُ ما يبدو مظلماً في البدايةِ، هوَ بدايةٌ لضوءٍ ساطعٍ."

وقفتْ فجرُ، تشعرُ بعبءِ العالمِ كلهِ على كتفيها. رائحةُ البخورِ في الغرفةِ، التي كانتْ تبعثُ على الطمأنينةِ دائماً، أصبحتْ الآنَ تنذرُ بسوءٍ. لقدْ غاصتْ في بحرٍ منْ الأسرارِ والديونِ، ولمْ يكنْ أمامها سوى السباحةِ نحوَ برِّ الأمانِ، مهما كانَ الثمنُ. الورقةُ القديمةُ بينَ يديها، والورقةُ الجديدةُ التي تحملُ مصيرها، كانتا تشهدانِ على أنَّ حياةَ قلبٍ طاهرٍ قدْ دخلتْ منعطفاً لا عودةَ فيهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%