الفصل 19 / 25

قلب طاهر

رياحُ الماضي العاصفة

بقلم سارة العمري

كانتْ الأيامُ تمضي كالسحابِ، تحملُ معها ثقلاً لمْ تعتدهُ فجرُ. كلُّ كلمةٍ قالها السيدُ قيسٌ في لقائهما الأولِ كانتْ تدورُ في رأسها كالدندنةِ المزعجةِ. "الحبُّ يأتي معَ الوقتِ." هذهِ العبارةُ كانتْ تعني لها الكثيرَ، ولكنْ هلْ يمكنُ للحبِّ أنْ يولدَ منْ رحمِ صفقةٍ؟ هلْ يمكنُ لقلبٍ طاهرٍ أنْ يجدَ سكينةً في ظلِّ ماضيٍّ معقدٍ؟

في هذهِ الأثناءِ، لمْ يكفَّ الشيخُ سليمانُ عنِ البحثِ عنْ حلولٍ أخرى. كانَ يدركَ جيداً أنَّ زواجَ فجرٍ منْ قيسٍ قدْ يكونُ نهايةً لمشاكلٍ، ولكنهُ قدْ يكونُ بدايةً لمشاكلَ أكبرَ. تحدثَ معَ رجالٍ حكماءَ في العائلةِ، واستشارَ الأقاربَ، ولكنهُ وجدَ أنَّ الحلَّ الذي قدمهُ قيسٌ هوَ الأكثرُ أماناً، والأقلُّ ضرراً على سمعةِ العائلةِ.

في أحدِ الأيامِ، جاءَ السيدُ قيسٌ إلى منزلِ فجرٍ، وهذهِ المرةُ لمْ يكنْ اللقاءُ سرياً. جاءَ معَ والدتهِ، السيدةَ أمينةَ، وهيَ امرأةٌ وقورةٌ، تبدو عليها علاماتُ السنينِ، ولكنْ عيناها تحملانِ دفئاً وحناناً. كانَ مجيئهما بمثابةِ خطوةٍ جديةٍ نحوَ إتمامِ ما بدأتْ بهِ المفاوضاتُ.

استقبلتهمْ فجرُ وعمها بحفاوةٍ، ولكنْ كانَ قلبُ فجرٍ يخفقُ بعنفٍ. جلستْ السيدةُ أمينةُ بجوارِ فجرٍ، وتحدثتْ إليها بلطفٍ، وسألتها عنْ أحوالها، وعنْ دراستها، وعنْ أحلامها. كانتْ كلماتها كالدواءِ الباردِ على جرحٍ عميقٍ.

"يا ابنتي،" قالتْ السيدةُ أمينةُ، وهيَ تمسكُ بيدِ فجرٍ، "أنا أعرفُ أنَّ هذهِ الظروفَ ليستْ مثاليةً. ولكنْ، أرى فيكِ طيبةَ القلبِ، والنقاءَ الذي يحتاجهُ ابني. لقدْ عانى كثيراً في حياتهِ، وأنا أتمنى لهُ السعادةَ، وأرى أنكِ قدْ تكونينَ سبباً فيها."

نظرتْ فجرُ إلى السيدِ قيسٍ، الذي كانَ يجلسُ قبالتها، وكانَ وجههُ لا يزالُ يحملُ تلكَ الصرامةَ المعتادةَ، ولكنهُ كانَ ينظرُ إليها الآنَ بنظرةٍ مختلفةٍ. نظرةً فيها شيءٌ منْ التقديرِ، وربما، مجردَ أملٍ صغيرٍ.

"أنا لا أريدُ أنْ أُجبرَ أحداً على شيءٍ،" أكملتْ السيدةُ أمينةُ. "ولكنْ، أرجو أنْ تمنحي ابني فرصةً. وأنْ تمنحي هذهِ العلاقةَ فرصةً. ففي بعضِ الأحيانِ، تكونُ الأقدارُ أقوى منا، وتجمعنا بمنْ لمْ نتوقعهُ."

ثمَّ التفتتْ إلى ابنها، وقالتْ: "قيسٌ، أنتَ تعرفُ رغبتي. أتمنى أنْ تكونَ سعيداً، وأنْ تجدَ في فجرٍ الشريكةَ التي تستحقُّها."

ردَّ قيسٌ بنبرةٍ هادئةٍ: "أمي، أنا أفعلُ ما هوَ الأفضلُ. وأنا أرى في فجرٍ خيراً كثيراً."

بعدَ هذا اللقاءِ، أصبحتْ الأمورُ أسرعَ مما توقعتْ فجرُ. تحدثَ الشيخُ سليمانُ معَ والدةِ قيسٍ، وتمَّ الاتفاقُ على تحديدِ موعدٍ للخطبةِ. كانَ الأمرُ أشبهَ بدوامةٍ، تسحبها إلى مستنقعٍ لا تعرفُ كيفَ تخرجُ منهُ.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ فجرُ تتجولُ في سوقِ العطارينِ القديمِ، الذي اعتادتْ زيارتهُ معَ والدتها، شعرتْ بأنها تُراقبُ. نظرتْ حولها، فرأتْ رجلاً بلحيةٍ بيضاءَ، وعينينِ غائرتينِ، كانَ يراقبها منْ بعيدٍ. شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لمْ تكنْ تعرفُهُ، ولكنهُ كانَ يثيرُ فيها شعوراً غريباً بالخوفِ.

عندما عادتْ إلى المنزلِ، حكتْ لعمها عنْ هذا الرجلِ. هزَّ الشيخُ سليمانُ رأسهُ بقلقٍ. "لا تقلقي يا ابنتي. ربما كانَ شخصاً عابراً."

ولكنْ، في المساءِ، بينما كانتْ فجرُ جالسةً في شرفتها، تنظرُ إلى نجومِ السماءِ، سمعتْ صوتاً خافتاً منْ الخارجِ. صوتٌ يناديها باسمها. خرجتْ بحذرٍ، ورأتْ نفسَ الرجلِ، يقفُ تحتَ ضوءِ القمرِ.

"يا فجرُ،" قالَ بصوتٍ متعبٍ، "يجبُ أنْ أقولَ لكِ شيئاً مهماً."

"منْ أنتَ؟ وماذا تريدُ؟" سألتْ فجرُ، وقلبها يرتجفُ.

"أنا رجلٌ قديمٌ، يا ابنتي،" قالَ الرجلُ، "شاهدتُ كلَّ ما حدثَ. وشهدتُ على الظلمِ الذي وقعَ. والدكِ لمْ يكنْ مذنباً كما يظنُّ الجميعُ."

"ماذا تقصدُ؟" سألتْ فجرُ، وبدأتْ تفهمُ أنَّ هذا الرجلَ قدْ يكونُ مرتبطاً بماضي والدها.

"لقدْ كانَ هناكَ رجلٌ آخرُ،" تابعَ الرجلُ، "كانَ شريكَ والدكِ، ولكنهُ كانَ أكثرَ طمعاً. لقدْ استغلَّ طيبةَ والدكِ، وخانهُ. وعندما حاولَ والدكِ أنْ يفضحَ أمره، فعلَ بهِ ما فعلَ."

"منْ هوَ هذا الرجلُ؟" سألتْ فجرُ، وعيناها تلمعانِ بالفضولِ والخوفِ.

"هو السيدُ قيسٌ،" قالَ الرجلُ، وكأنما ألقى بقنبلةٍ في وسطِ هدوءِ الليلِ. "والدهُ هوَ الذي خانَ والدكِ. وقيسٌ، بعدَ وفاةِ والدهِ، أرادَ أنْ يستردَّ ما يعتقدُ أنهُ حقٌّ لهُ، ولكنْ بطريقةٍ ملتويةٍ. لقدْ سمعتُ بكلِّ شيءٍ. لقدْ رأيتُ كلَّ شيءٍ."

كانتْ كلماتُ الرجلِ كالصدمةِ التي ضربتْ فجرَ. السيدُ قيسٌ؟ الرجلُ الذي اقتربَ منها، الرجلُ الذي وعدها بالاحترامِ والأمانِ، هوَ ابنُ الرجلِ الذي خانَ والدها؟ هلْ كانتْ كلُّ هذهِ السنواتِ منَ الغيابِ مجردَ غطاءٍ لخططٍ شيطانيةٍ؟

"ولكنْ،" قالتْ فجرُ، "لقدْ أخبرني عمي أنَّ السيدَ قيسٌ يريدُ الزواجَ مني ليعيدَ بناءَ سمعةِ والدي."

"هذا كلهُ كذبٌ، يا ابنتي،" قالَ الرجلُ بحزنٍ. "لقدْ تلاعبَ بكم. إنَّ والدَهُ هوَ منْ كانَ مديوناً لوالدكِ، وليسَ العكسُ. لقدْ كانَ يريدُ أنْ يستغلَّ طيبةَ قلبكِ، وأنْ يتزوجَكِ ليُبعدَ الشبهاتِ عنْ عائلتهِ. ولينتقمَ لوالدهِ، بالطريقةِ التي يعرفها."

بدأتْ الحقيقةُ المروعةُ تتكشفُ أمامَ فجرٍ. كلُّ ما سمعتْهُ عنْ السيدِ قيسٍ، عنْ كرمهِ، عنْ احترامهِ، تبينَ أنهُ مجردُ تمثيلٍ بارعٍ. شعرتْ بأنها وقعتْ في فخٍّ مظلمٍ، لا تعرفُ كيفَ ستخرجُ منهُ.

"يجبُ أنْ أذهبَ الآنَ،" قالَ الرجلُ. "ولكنْ، احذري يا فجرُ. لا تثقي بهِ. لقدْ رأيتُ في عينيهِ شيئاً لمْ أرهُ في وجهِ أيِّ إنسانٍ آخرَ. إنهُ الظلامُ."

اختفى الرجلُ في ظلالِ الليلِ، تاركاً فجرَ وحدها، معَ قلبٍ محطمٍ، وعقلٍ يضجُّ بالأسئلةِ. كانتْ قدْ اقتربتْ منْ نهايةِ فصلٍ، ولكنْ بدلاً منْ أنْ تجدَ راحةً، وجدتْ نفسها أمامَ فصلٍ أكثرَ سوداويةً. كانتْ رياحُ الماضي العاصفةُ قدْ بدأتْ تهبُّ، ولمْ تعدْ تعرفُ إلى أينَ ستقودها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%