الفصل 2 / 25

قلب طاهر

خيوط القدر في بيت الأجداد

بقلم سارة العمري

انعقد ليل القاهرة، فألبس أزقتها ثوباً من الظلام المتلألئ بنور الفوانيس المتناثرة. عادت ليلى إلى بيتها القديم، الذي يقع في حيٍ عريق، بعيداً عن صخب السوق، حيث تتنفس الأبنية عبق التاريخ، وتشهد الجدران على قصص الأجيال. كان البيت تحفةً معماريةً تقليدية، بسقفه المرتفع، وفنائه الرحب، وحديقته الغناء التي تزينها أشجار الليمون والياسمين. هنا، ترعرعت ليلى، هنا تعلمت أسرار حرفة الأجداد، وهنا عاشت أحلامها الهادئة.

بعد تناول وجبة العشاء مع أسرتها، توجهت ليلى إلى غرفتها، حيث تفوح رائحة البخور الممزوجة بعبير الكتب القديمة. جلست على سجادةٍ فارسيةٍ عتيقة، وفتحت دفتر مذكراتها، علها تجد فيه ملاذاً لتفكر فيما حدث في ذلك اليوم. خطت أناملها كلماتٍ قليلةً، ترسم فيها انطباعاتها الأولى عن أحمد، الرجل الغامض الذي دخل حياتها كنسيمٍ عليل.

"اليوم، دخل رجلٌ غريبٌ إلى دكاننا،" كتبت ليلى. "كان اسمه أحمد. طلب زيت الورد لوالدته. كانت عيناه تحملان شيئاً من اللطف، وحديثه كان يحمل احتراماً. ولكن، هل كان هناك شيءٌ آخر؟ شيءٌ أعمق؟"

توقفت عن الكتابة، وتساءلت في نفسها. لماذا تثير هذه الزيارة الصغيرة كل هذه التساؤلات؟ ربما كان ذلك بسبب شعورها بأن هناك ما هو أبعد من مجرد بيع وشراء. ربما كان شعوراً بوجود قدرٍ ما، يتشكل في أروقة الحياة، ويرسم خيوطه دون أن ندري.

في تلك الليلة، لم يغمض ليلى جفنٌ لها. كانت صور أحمد، وصوت كلماته، ورائحة زيت الورد، تتناوب في مخيلتها. وفي زاويةٍ بعيدةٍ من ذاكرتها، عادت صورة الرجل الغريب الذي رأته عند خروج أحمد من السوق، تلك اللمحة العابرة التي أثارت فيها قلقاً غير مبرر.

في صباح اليوم التالي، كان ليلى كعادتها في دكانها، تستقبل الزبائن بابتسامتها الدافئة. لكن قلبها كان ينتظر. انتظر طويلاً، حتى بدأت الشمس تميل نحو الغرب مرةً أخرى. وفجأة، انفتح باب الدكان، ودخل أحمد.

"مساء الخير يا آنسة ليلى،" قال أحمد، وبدا وجهه أكثر سعادةً هذه المرة. "جئتُ لأطمئنك، والدتي أحبت الزيت كثيراً. شكرتكِ كثيراً، ودعت لكِ بالخير."

شعرت ليلى بارتياحٍ كبير. "الحمد لله، سرني ذلك كثيراً. أتمنى لوالدتكِ الشفاء العاجل."

"آمين،" قال أحمد، ثم نظر حوله، وكأنه يبحث عن شيء. "لمعت هذه القارورة في عينيكِ،" قال، مشيراً إلى قارورةٍ زجاجيةٍ صغيرةٍ مزينةٍ بالنقوش الفضية. "ما هذا؟"

"هذه،" قالت ليلى، وناولته القارورة. "هذا عطرٌ خاص، من أعشابٍ نادرةٍ جداً، تُجمع في ليلةٍ معينةٍ من السنة، وتُعصر بطريقةٍ تقليدية. رائحته منعشةٌ، تبعث على الهدوء والتركيز."

أخذ أحمد القارورة، وشمها. كانت رائحتها مختلفةً تماماً عن زيت الورد. كانت تحمل عبق الطبيعة البرية، مع لمسةٍ من الغموض. "رائع،" قال. "كأنكِ تحملين فيه أسرار الطبيعة."

"تقريباً،" ابتسمت ليلى. "إنه عطرٌ لا يُباع في السوق، بل هو هديةٌ لمن يقدرون الجمال الحقيقي."

"وهل يمكنني الحصول عليه؟" سأل أحمد، وبدا فضوله يتزايد.

ترددت ليلى قليلاً. هذا العطر كان له قصةٌ أخرى، قصةٌ تتعلق بجدها، وبوعدٍ قطعته له. "هذا العطر،" قالت ليلى، "هو هديةٌ خاصة، لمن يستحقها. وإذا كنتَ تبحث عن هديةٍ لوالدتك، فأنا أنصحك بزيت اللافندر، فهو ممتازٌ للاسترخاء."

"لا، ليس لوالدتي،" قال أحمد، وعيناه لمعتا بجديةٍ أكبر. "أعتقد أنني أنا من أحتاجه. أشعر أن هناك ضغوطاً كبيرةً في حياتي، وأحتاج إلى شيءٍ يعيد لي التوازن."

نظرت ليلى في عينيه، ورأت فيهما صدقاً، ورغبةً صادقةً في إيجاد السكينة. "حسناً،" قالت ليلى، "سأحضر لكَ منه. ولكن، أود أن أسألكَ شيئاً. هل أنتَ متزوجٌ يا أستاذ أحمد؟"

تفاجأ أحمد بالسؤال، لكنه أجاب بصدق. "لا، لم أتزوج بعد. أعتقد أن الوقت المناسب لم يأتِ بعد."

"هل لكَ خطيبةٌ؟" تابعت ليلى.

"لا، ليس لدي خطيبةٌ حالياً،" أجاب أحمد. "أهتم بعملي، وبوالدتي، وببعض المسؤوليات العائلية."

"تمام،" قالت ليلى، وعادت ليلى إلى مخزنها، حيث أحضرت قارورةً أخرى من العطر. "هذا العطر، يا أستاذ أحمد، له استخداماتٌ خاصة. يُفضل أن يُستخدم بعد الوضوء، وبقصدٍ حسن. هو ليس مجرد عطر، بل هو وسيلةٌ للتقرب من النفس، ومن الخالق."

أعطت ليلى القارورة لأحمد. "أتمنى أن تجد فيه ما تبحث عنه."

"شكرًا جزيلاً، يا آنسة ليلى،" قال أحمد، وبدا عليه الامتنان. "لقد أصبحتِ بالنسبة لي أكثر من مجرد صاحبة دكان. أنتِ روحٌ طيبةٌ، ونفسٌ صافية."

غادر أحمد، تاركاً ليلى في حيرةٍ جديدة. لم تفهم لماذا سألت عن زواجه، ولماذا شعرت بالراحة عندما علمت أنه غير مرتبط. هل كان هناك شعورٌ خفيٌ يتكون في قلبها؟ شعورٌ تجاه هذا الرجل الذي يدخل حياتها بهذا الشكل المفاجئ؟

في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تتأمل قارورة العطر الفارغة على منضدتها، لم تفكر في أحمد فقط، بل عادت إلى صورة الرجل المشبوه الذي رأته في السوق. شعرت بأن هناك خيوطاً غير مرئيةً تتشابك، وأن حياتها، التي كانت تسير بهدوءٍ وسكينة، قد بدأت تنحو نحو منحنىً جديد، مليءٍ بالأحداث غير المتوقعة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%