قلب طاهر
همسات في زقاق الظل
بقلم سارة العمري
عاد أحمد إلى دكانه، محملاً بأكياسٍ من البضائع الفاخرة، ورائحة العطر الجديد الذي بدأت تتسلل إلى ثيابه. كانت حياته تسير على وتيرةٍ متسارعة، مزيجٌ من العمل الشاق، ومسؤوليات العائلة الكبيرة، والبحث الدائم عن التميز في مجاله. لقد أراد زيت الورد لوالدته، لكنه وجد في ليلى ما هو أكثر من مجرد بائعة. وجد فيها نقاءً، وصدقاً، وروحاً شرقيةً أصيلة، تذكرته بماضي عائلته العريق، وبأصوله التي كاد أن ينساها في زحام الحياة العصرية.
في أثناء سيره في أزقة القاهرة، وتحديداً في زقاقٍ جانبيٍ لم يكن يعتاد المرور به، انتبه أحمد إلى حركةٍ مريبة. كان هناك رجلٌ يقف متوارياً خلف عمودٍ حجريٍ قديم، يرتدي ملابس داكنة، ويغطي وجهه بوشاحٍ أسود. كانت وقفته توحي بالترقب، وعيناه، التي كانت بالكاد تظهر من بين طيات الوشاح، كانت تلمعان بنظرةٍ حادةٍ وغير ودية.
"هل أنتَ أحمد بن السيد؟" همس الرجل بصوتٍ أجش، وكأنه قادمٌ من عالمٍ آخر.
توقف أحمد، وشعر ببرودةٍ غريبةٍ تسري في أوصاله. لم يكن هذا السؤال عادياً، ولم يكن هذا الرجل مألوفاً. "ومن أنتَ؟ وماذا تريد؟" سأل أحمد بحذر.
"هذا ليس مهماً،" قال الرجل. "المهم هو أنني أعرف أنك زرتَ دكان العطار، ليلى. وأعرف أنك اشتريتَ منها زيت الورد، والعطر الخاص."
ازداد قلق أحمد. كيف يمكن لهذا الرجل أن يعرف كل هذه التفاصيل؟ "وما شأنك أنتَ بهذا؟" سأل أحمد، وقد بدأ يشعر بالغضب يتسلل إلى أعصابه.
"شأني كبير،" قال الرجل، واقترب خطوةً. "هذه الأمور لا تخصك. وهي تخص أشخاصاً آخرين، لا يحبون أن يتم التدخل في شؤونهم."
"من تقصد بهؤلاء الأشخاص؟" سأل أحمد، وقد استشعر الخطر. "هل تهددني؟"
ضحك الرجل ضحكةً خافتةً، خاليةً من المرح. "ليست تهديداً، بل تحذيراً. هذا العالم له قوانينه الخاصة، ولكل شيءٍ ثمنه. وأنتَ، بزياراتك المتكررة لـ"ليلى"، بدأتَ تثير انتباه بعض الجهات."
"وما علاقة هذه الجهات بـ"ليلى"؟" سأل أحمد، وقد فهم الآن أن ليلى، الفتاة البريئة، قد تكون متورطةً في شيءٍ أكبر مما كان يتخيل.
"هذا لا يهمك،" قال الرجل. "فقط اعرف أن بعض الأشخاص يرون في "ليلى" شيئاً ثميناً، شيئاً لا يريدون لأحدٍ أن يقترب منه. وأنك، ببرائتك، قد تكون سبباً في مشاكلك."
"وماذا تريد مني؟" سأل أحمد، وقد استوعب أن هذا اللقاء ليس مصادفة.
"ببساطة،" قال الرجل، "انسَ أمر "ليلى". اتركها وشأنها. وإلا، فسترى ما لا يسرّك. لا تتعلق بها، ولا تقترب منها. أنتَ في طريقٍ خطير."
بعد أن قال كلماته، استدار الرجل، واختفى بسرعةٍ في ظلام الزقاق، كشبحٍ خرج من العدم. ترك أحمد واقفاً في مكانه، قلبه يخفق بشدة، وعقله يعج بالأسئلة. من هو هذا الرجل؟ ومن هي "الجهات" التي يتحدث عنها؟ وما هو سر "ليلى" الذي لا يعرفه؟
عاد أحمد إلى دكانه، لكن الهدوء قد تبدد. أصبح يفكر في ليلى، في بريق عينيها، في صوتها الرخيم، وفي ابتسامتها الهادئة. لقد كان يرى فيها ملاذاً من ضغوط حياته، لكن يبدو أن هذا الملاذ نفسه يحمل في طياته أخطاراً لم يكن يتصورها.
في نفس الوقت، في سوق العطارين، كانت ليلى تشعر بشيءٍ من القلق. لقد لاحظت في الآونة الأخيرة أن هناك عيوناً تتبعها. كانت تلمح أحياناً وجوهاً غريبةً تتجول بالقرب من دكانها، تلتفت حولها بنظراتٍ غريبة. في البداية، كانت تعتقد أنها مجرد أوهام، لكن بعد لقائها بأحمد، وزيارة ذلك الرجل الغريب لها، بدأت تشعر بأن هذه المراقبة ليست مجرد صدفة.
في ذلك المساء، وبينما كانت ليلى تغلق دكانها، انتبهت إلى رجلٍ يرتدي ملابس داكنة، يقف على مقربةٍ من الدكان، وينظر إليها بتمعن. عندما التقت نظراتهما، شعر الرجل بشيءٍ من الارتياح، وكأنما كان ينتظر هذه اللحظة.
"مساء الخير،" قال الرجل، بصوتٍ منخفضٍ لا يكاد يُسمع.
"مساء النور،" ردت ليلى، وهي تشعر بالتوتر. "هل تحتاج شيئاً؟"
"أتيتُ لأتحدث معكِ،" قال الرجل. "بخصوص أحمد بن السيد."
فوجئت ليلى. "من أنتَ؟ وما علاقتك بأحمد؟"
"أنا هنا لأحميكِ،" قال الرجل. "وأحذرِكِ. أحمد ليس الشخص الذي تظنينه. لديه أسرارٌ، وأنتِ قد تكونين في خطرٍ إذا اقتربتِ منه أكثر."
"هذا غير صحيح،" قالت ليلى، وقد بدأت تشعر بالغضب. "أحمد رجلٌ محترم، ولطيف. وهو يأتي إلى هنا فقط ليشتري ما يحتاجه."
"ربما،" قال الرجل، "لكن هذا العالم مليءٌ بالمفاجآت. وهناك أشخاصٌ لا يريدون هذه العلاقة أن تستمر. هناك من يراقب كل تحركاتكِ. وأنصحكِ بالابتعاد عنه، قبل أن تتورطي في أمورٍ أكبر منكِ."
"من أنتَ حقاً؟" سألت ليلى، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. "ومن هم هؤلاء الأشخاص؟"
"أنا مجرد رسول،" قال الرجل. "ورسالتي واضحة: ابتعدي عن أحمد. هذا هو الحل الوحيد لسلامتكِ."
استدار الرجل، واختفى في زحام المارة، تاركاً ليلى واقفةً في الظلام، وقد تملكها الخوف والارتباك. هل كان هذا الرجل صادقاً؟ هل كانت أحمد في خطرٍ حقيقي؟ وهل هي نفسها في خطر؟
عادت ليلى إلى بيتها، وقلبها مثقلٌ بالهموم. جلست في غرفتها، وفتحت كتاب مذكراتها، وبدأت تكتب بخطٍ مرتجف:
"اليوم، زرتني امرأةٌ عجوزٌ، لا أعرفها. أتت لتخبرني أن أحمد قد يكون خطراً عليّ. قالت إن هناك من يراقبني، وإن علاقتي به قد تعرضني للخطر. لماذا؟ ما الذي يحدث؟ هل كان أحمد يخدعني؟ أم أن هناك صراعاً خفياً يدور حولي، وأنا مجرد بيدقٍ فيه؟"
نظرت ليلى إلى قارورة العطر التي أعطتها لأحمد، ثم إلى يدها، التي كانت تحمل أثر عطر الورد. تساءلت في نفسها، هل هذا العطر الذي كان يجب أن يجلب السكينة، قد أصبح رمزاً للخطر؟