قلب طاهر
أسير الهوى والنَّدَم
بقلم سارة العمري
كانت ليالي شهرزاد، بقمرها السَّاكن ونجومها اللَّامعة، تنسج أحلامًا لطيفة لقلوبٍ تتوق إلى الوصال. لكنَّ قلبَ ليلى، لم يعد يستقبل سوى سُحبٍ داكنةٍ ترسمُ على وجهها شبحَ القلق. ما عادَ الأرقُّ مجرَّدَ رفقةٍ ليليةٍ، بل باتَ ضيفًا ثقيلَ الظِّلِّ، يُلْقِي عليها أثقالَ همومٍ لا تعرفُ لها نهاية. كانت تحدِّقُ في السَّقفِ، تتتبَّعُ خطوطَ الضَّوءِ الباهتِ المنبعثةِ من نافذتها، وكأنَّها تبحثُ فيها عن خيطِ أملٍ يُعيدُ إليها سكينةَ روحها.
التعلقُ الذي تغلغلَ في أعماقِها، لم يعدْ يظهرُ في ابتسامتها العذبةِ، أو في نظراتها المتفائلة. لقد تحوَّلَ إلى قيدٍ لا تراهُ العيون، لكنَّها تشعرُ بثقلِه في كلِّ لحظة. تلكَ الرَّسائلُ الإلكترونيةُ التي كانت تتلقاها، كانت كالسُّمِّ الحلوِ، تغذي روحَها بالوهمِ، وتُبعدُها عن حقيقةِ واقعٍ لم تعدْ تحتملُ مواجهته. كانَ "عمر" يمثلُ لها عالماً آخر، عالماً من الأحلامِ الورديةِ، حيثُ لا وجودَ للمسافاتِ، ولا حاجزَ أمامَ المشاعر. ولكنْ، في قرارةِ نفسها، كانتْ تعلمُ أنَّ هذا العالمَ مجردُ سرابٍ، وأنَّ العودةَ إلى الواقعِ ستكونُ مؤلمةً، بل موجعةً.
كانتْ تجلسُ أمامَ حاسوبها، يدها ترتجفُ قليلاً وهي تفتحُ صندوقَ البريدِ الإلكتروني. تنتظرُ تلكَ الكلماتِ الرَّنَّانة، تلكَ الوعودِ المعسولةِ التي تُطمئنُ شغفَها. وعندما تصلُ، تشعرُ بانتصارٍ زائفٍ، سرعانَ ما يتبدَّدُ ليتركَ مكانَهُ فراغاً أكبر. لم تعدْ تقدرُ على السَّيطرةِ على هذا التَّعلُّق. لقد استحالَ إدماناً، يلتهمُ وقتَها، يسرقُ راحةَ بالها، ويُعيدُها إلى دائرةِ مفرغةٍ من الانتظارِ والأملِ الزَّائف.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ تتصفحُ أخبارَ الجامعةِ، وقعَ بصرُها على إعلانٍ بسيطٍ لندوةٍ ثقافيةٍ عن "العلاقاتُ الإسلاميةُ السَّليمةُ وبناءُ الأسرةِ". في البدايةِ، شعرتْ ببعضِ السُّخرية. كيفَ يمكنُ لندوةٍ كهذهِ أنْ تُصلحَ ما أفسدتهُ رغباتٌ جامحةٌ؟ ولكنْ، شيئاً ما في أعماقِها، شعورٌ دفينٌ بالندمِ، دفعَها إلى تسجيلِ اسمها. ربما، مجردُ حضورهِ، قدْ يُعطيها بصيصَ أملٍ، أو على الأقلِّ، يُذكِّرُها بما يجبُ أنْ تكونَ عليهِ.
في تلكَ الندوةِ، جلستْ في الصفوفِ الخلفيةِ، متواريةً عن الأنظارِ. كانَ المتحدِّثُ، شيخٌ وقورٌ ذو لحيةٍ بيضاءَ وعينينِ تنضحانِ بالحكمةِ، يتحدَّثُ عن أهميةِ الحياءِ، وعن حدودِ العلاقاتِ بينَ الجنسينِ قبلَ الزواجِ. كانتْ كلماتهٌ تنفذُ إلى قلبِ ليلى كنبالٍ حادةٍ، تُعيدُ إليها وعياً غافلاً. تذكَّرتْ حديثَ والدتها عن صفاتِ الزوجِ الصَّالح، وعن قيمةِ الاستقامةِ. بدأتْ تشعرُ بثقلِ ما كانتْ تفعلُ. تلكَ السَّعادةُ المؤقتةُ التي كانتْ تمنحُها إيَّاها تلكَ الرَّسائلُ، كانتْ تمنعُها من رؤيةِ السَّعادةِ الحقيقيةِ، سعادةِ الارتباطِ الحلالِ، والمودةِ الرَّاسخةِ.
بعدَ الندوةِ، شعرتْ بدوارٍ غريبٍ. لم تكنْ مجرَّدَ كلماتٍ سمعتْها، بل كانتْ دعوةً لإعادةِ تقييمِ حياتها. عادتْ إلى منزلها، وشعرتْ بثقلِ العزلةِ. لم تستطعْ أنْ تخبرَ أحداً بما تشعرُ به. كيفَ تشرحُ لوالديها، اللذينِ وضعا فيها كلَّ ثقتهما، أنها ضلَّتْ الطريقَ؟ كيفَ تستطيعُ أنْ تنظرَ في عينِ أختها الصُّغرى، التي تتخذُ منها قدوةً، وهي تعلمُ أنها تخونها؟
في تلكَ الليلةِ، جلستْ في غرفتها، وقررتْ قراراً صعباً. كتبتْ رسالةً إلى "عمر". كانتْ الكلماتُ تخرجُ بصعوبةٍ، كلُّ حرفٍ يُمثِّلُ صراعاً داخلياً. "عمر، آملُ أنْ تجدَ هذهِ الرَّسالةَ بخير. أكتبُ إليكَ اليومَ بقلبٍ مثقلٍ. لقدْ أدركتُ أنَّ ما بيننا لم يكنْ سوى وهمٍ. أنا بحاجةٍ إلى أنْ أجدَ طريقي بنفسي، وأنْ أعودَ إلى الصَّوابِ. أتمنى لكَ كلَّ الخيرِ، ولكنْ، علينا أنْ نتوقفَ عن هذا. ليلى"
أرسلتْ الرَّسالةَ، وشعرتْ بفراغٍ كبيرٍ يعتريها. هلْ فعلتْ الصَّحيحَ؟ هلْ ستتحملُ عواقبَ قرارها؟ شعرتْ بالبردِ يتسربُ إلى عظامها، رغمَ دفءِ الغرفةِ. كانتْ تعرفُ أنَّ المعركةَ لم تنتهِ بعدُ. كانتْ هذهِ مجردُ البدايةِ. فقدانُ هذا الاتصالِ الذي استعبدَها، سيعني فراغاً هائلاً، وفراغٌ كهذا، يحتاجُ إلى شيءٍ ليملأه. شيءٌ حقيقيٌّ، وصحيحٌ، ومبارَكٌ.
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ على صوتِ هاتفها. ترددتْ قليلاً قبلَ أنْ تجيبَ. كانَ عمر. كانتْ نبرةُ صوتهِ مزيجاً من الدهشةِ والغضبِ. "ليلى! ما هذا الكلامُ؟ هلْ تمزحينَ؟" حاولتْ ليلى أنْ تبدوَ حازمةً، لكنَّ صوتَها كانَ يرتجفُ قليلاً. "عمر، لقدْ وضحتُ لكَ في الرَّسالةِ. لم يعدْ بإمكاني الاستمرارُ." "الاستمرارُ؟ أنتِ تدمرينَ كلَّ شيءٍ! كلَّ ما بنيناهُ! لماذا الآنَ؟" "لأنني أدركتُ أنَّ ما نبنيهِ ليسَ لهُ أساسٌ، عمر. إنهُ مجرَّدُ بناءٍ على رمالٍ متحركةٍ." "أساسٌ؟ حبُّنا هوَ الأساسُ!" "الحبُّ الحقيقيُّ، عمر، يحترمُ الحدودَ. يحترمُ الشَّرعَ. إنهُ يقودُ إلى الزَّواجِ، لا إلى الوهمِ." صمتَ عمرُ للحظةٍ، ثمَّ قالَ بنبرةٍ مختلفةٍ، فيها مسحةٌ من اليأسِ. "ولكنْ، ما ذنبي أنا؟ أنا أحببتُكِ حقاً، ليلى." "وأنا أيضاً، عمر. ولهذا السببِ، يجبُ أنْ ننتهيَ قبلَ أنْ نتورطَ أكثرَ. قبلَ أنْ نخسرَ أنفسنا." قطعتْ الخطَّ، وقلبُها ينبضُ بقوةٍ. شعرتْ بالرِّيحِ تدفعُها بقوةٍ، ولكنَّها كانتْ تعرفُ أنَّها تقفُ بثباتٍ. إنَّها تقفُ على أرضٍ صلبةٍ، وإنْ كانتْ الحقيقةُ قاسيةً.
في الأيامِ التي تلتْ، لم يتوقفْ عمرُ عن محاولاتهِ. اتصالاتٌ، رسائلٌ، بلْ حتى محاولةُ اللقاءِ. كانتْ ليلى ترفضُ بشدةٍ، معتذرةً، ومتصلبةً في موقفها. كانتْ تشعرُ بالألمِ، بالفقدِ، ولكنَّها كانتْ تتمسكُ بقرارها. إنَّها تعرفُ أنَّ هذهِ الآلامَ مؤقتةٌ، وأنَّ الشفاءَ قادمٌ.
تسللَ شعورٌ جديدٌ إلى قلبِ ليلى. لم يعدْ مجردَ الندمِ، بلْ كانَ شعوراً بالأملِ، أملٌ في مستقبلٍ أفضلَ، مستقبلٍ يليقُ بحلمِ والدتها، ومستقبلٍ تفتخرُ بهِ. كانَ عليها الآنَ أنْ تجدَ القوةَ لتُصلحَ ما أفسدتهُ، وأنْ تستعيدَ ثقتها بنفسها. ولكنَّ التحديَّ الأكبرَ لم يكنْ في التخلُّصِ من أثرِ هذا الحبِّ الوهميِّ، بلْ في كيفَ ستُعيدُ بناءَ الثقةِ بينها وبينَ عائلتها، وكيفَ ستُقابلُ وجهاً لوجهٍ ما قدْ يأتي.
في المساءِ، بينما كانتْ تجلسُ في شرفتها، تتأملُ هدوءَ الليلِ، سمعتْ صوتاً يناديها. "ليلى؟" التفتتْ، فرأتْ والدتها تقفُ على عتبةِ بابِ الغرفةِ، تحملُ في يدها كوباً من الشَّايِ. "أراكِ مستيقظةً يا بنيتي. هلْ أنتِ بخيرٍ؟" ابتسمتْ ليلى ابتسامةً باهتةً. "الحمدُ للهِ يا أمي. مجردُ بعضِ الأفكارِ." جلستْ والدتها بجانبها، ووضعتْ يدها على كتفها. "عيناكِ لا تخفيانِ شيئاً يا ليلى. هلْ هناكَ ما يُقلقُكِ؟" نظرتْ ليلى إلى عيني والدتها الصَّافيتينِ. شعرتْ برغبةٍ جارفةٍ في الاعترافِ. ربما، الاعترافُ هوَ أولُ خطوةٍ نحوَ الشفاءِ. ولكنْ، هلْ ستكونُ مستعدةً لسماعِ كلماتها؟ وهلْ ستستطيعُ أنْ تتحملَ نظرةَ خيبةِ الأملِ في عينيها؟ "يا أمي،" بدأتْ ليلى بصوتٍ خافتٍ، "هناكِ شيءٌ أودُّ أنْ أتحدثَ معَكِ فيهِ. شيءٌ… يتعلقُ بي." لم تجبْ والدتها، بلْ اكتفتْ بالاستماعِ، تاركةً لليلى المساحةَ التي تحتاجُها. في هذهِ اللحظةِ، أدركتْ ليلى أنَّ الطريقَ أمامها ليسَ سهلاً، ولكنَّه مستحيلٌ. إنَّها تحملُ في قلبها أسيرَ الهوى والنَّدَمِ، وتحتاجُ الآنَ إلى رحمةِ اللهِ، وعونِ عائلتها، لتجدَ سبيلَ الخلاصِ.