قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

الفجر الذي لم يأتِ

بقلم مريم الحسن

كانت الأرض ترتجف تحت وقع خطواته الثقيلة، وصرخات الموت تتردد في أرجاء الوادي. لم تكن هذه أولى المعارك التي يخوضها الأمير سيف الدين، لكنها كانت الأكثر وحشية، والأكثر إيلاماً لروحه. استل سيفه المشبع ببريق الشمس الباهت، واندفع نحو قلب الفوضى، يصد طعنات الأعداء ببراعة، ويخترق صفوفهم ببأس لا يلين. كانت عيناه، اللتان عادة ما تشعّان بالحكمة والسكينة، تشتعلان الآن بنار الغضب والانتقام. لقد فقد الكثير في هذه الحرب، والأكثر من ذلك، فقد شيئاً لا يمكن تعويضه: غصن شجر حياته، أخته الأميرة نور.

تذكر بوضوح اللحظة التي وصل فيها الخبر. البرقية المشفرة، والرسول المنهك الذي بالكاد استطاع النطق بالكلمات. "لقد اختُطفت الأميرة نور... من قصرها... لا أثر للجانب الآخر...". كانت تلك الكلمات كالصواعق التي ضربت قلبه. سقط من على صهوة جواده، وتملكه الذهول. نور، تلك الروح الطيبة، والقلب النقي، والابتسامة التي كانت تبعث الدفء في أرجاء القصر، أصبحت أسيرة في أيادي الظلام.

مرت أيام وليالٍ لم يذق فيها طعم النوم أو الراحة. لقد حشد جيوشه، وحشد كل ما لديه من قوة وغضب، وانطلق في هذا المطارد الطويل، مدفوعاً بشعور بالذنب لا يغتفر، ورغبة جامحة في استعادة أخته. رأى في كل وجه يسقط أمامه صورة مشوهة لمن خطفها، وفي كل صرخة الألم صدى لفقدانه.

في تلك الليلة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأنها تحاكي سوداوية قلبه. كانت النجوم تختبئ خلف ستار كثيف، ولم تكن هناك قمر يلقي بنوره على ساحة المعركة. ضوء المشاعل المتراقصة كان يلقي بظلال غريبة على الجثث المتناثرة، ويجعل أصوات السيوف المتصادمة تبدو أكثر قسوة.

فجأة، لمع بريق معدني في الظلام. لم يكن بريق سيف، بل كان لمعان عين. عين غريبة، تختلف عن عيون المحاربين الذين اعتاد رؤيتهم. كانت عيناً تحمل بريقاً من الذكاء الماكر، وشيئاً من التحدي الخفي. رفع سيف الدين نظره، ورأى شخصاً يقف على تل قريب، يرتدي عباءة سوداء تغطي معظم جسده، ولا يظهر منها سوى وجه شاب، نحيل، ذو ملامح حادة، وعينين واسعتين داكنتين.

"الأمير سيف الدين!" صاح الصوت، ولكنه لم يكن صوت صيحة حرب. كان صوتاً هادئاً، لكنه يحمل قوة غريبة، كأنه ينساب عبر الظلام. "لقد طالت رحلتك، أليس كذلك؟"

وقف سيف الدين صامتاً، يراقب الرجل الواقف أمامه. كان هناك شيء في هذا الرجل يثير فضوله، وشيئاً آخر يثير حذره. لم يكن من المحاربين الاعتياديين.

"من أنت؟" سأل سيف الدين بصوت عميق، يحمل بقايا غضبه. "وماذا تريد؟"

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، تكشف عن أسنان بيضاء متناسقة. "اسمي 'ظل'. أنا لا أريد شيئاً سوى أن أريك الطريق."

"الطريق إلى أين؟" سأل سيف الدين، متقدماً خطوة.

"الطريق إلى حيث تريد أن تكون. إلى حيث تسعى. إلى أختك."

انتفض قلب سيف الدين. "هل تعرف أين هي؟"

"أعرف أكثر مما تتخيل. لكن المعرفة ليست مجانية، أيها الأمير."

"وما ثمنها؟" سأل سيف الدين، مستعداً لدفع أي شيء.

"ثمنها... أن تثق بي."

لم تكن تلك هي الإجابة التي توقعها. الثقة؟ في رجل غامض ظهر في وسط المعركة؟

"أنا لا أثق بالغرباء، خاصة أولئك الذين يظهرون في أشد اللحظات قتامة."

"لكنني لست غريباً، أيها الأمير. أنا نتيجة لهذه الظلمة التي تعيشها. أنا انعكاس لألمك. وأنا، ربما، الأمل الوحيد الذي لديك."

نظر سيف الدين إلى جنوده الذين كانوا ينهكون في قتال الأعداء. كان النصر قريباً، لكنه نصر فارغ بدون أخته. رأى في عيني 'ظل' شيئاً من الحقيقة، حتى لو كانت حقيقة مؤلمة.

"إذا كنت حقاً تعرف أين هي، فتكلم." قال سيف الدين، محاولاً أن يبقي صوته ثابتاً.

"الأميرة نور ليست بعيدة. لكنها ليست في المكان الذي تتوقعه. وليست وحدها. إنها مع... شخص له عينان مثل عينيها، وقلب ينبض بحبها."

تجمد الدم في عروق سيف الدين. "ماذا تقول؟"

"أقول إنها لم تُختطف بالمعنى الذي فهمته. لقد ذهبت. ذهبت طواعية، إلى جانب من اختارته. أو بالأحرى، إلى جانب من اختارها."

لم يستطع سيف الدين استيعاب ما سمعه. نور، أخته، الذهبة، لا يمكن أن تفعل شيئاً كهذا. كانت ملتزمة بالعائلة، ملتزمة بتقاليدهم.

"هذا مستحيل!" صاح. "لقد تم خداعها! لقد تم تضليلها!"

"هل أنت متأكد؟" سأل 'ظل' بهدوء. "هل سألت نفسك لماذا تركت والدك، الملك العادل، اختيار زوجة لمستقبل المملكة؟ هل سألت نفسك لماذا كانت هناك دائماً زيارات سرية، ورسائل متبادلة؟"

اشتدت قبضته على سيفه. كانت كلمات 'ظل' تنخر في عقله، تزرع بذور الشك والارتياب. كان يعرف أن نور كانت لديها روح حرة، وأنها كانت تتمتع بذكاء حاد، لكنه لم يتخيل أبداً أن تمتد حريتها إلى هذا الحد.

"قل لي من هو هذا الشخص!" أمر سيف الدين.

"هو... أمير من مملكة بعيدة. أمير، مثلما أنت، فقد الكثير. أمير، لديه سبب وجيه ليكون مختفياً. أمير، يملك من الشجاعة والعاطفة ما يكفي ليجذب روحاً مثل نور."

"وماذا عن الحرب؟ عن كل هذه الدماء؟"

"كانت هذه الحرب... ضريبة. ضريبة للطريق الذي سلكته نور. ضريبة لهروبها. وضريبة لرغبتها في الحرية. لكن الأهم من ذلك، أيها الأمير، أن الحرب قد تنتهي الآن. إذا أردت. إذا سمحت لنور بأن تجد سعادتها."

نظر سيف الدين إلى يديه المتلطخة بالدماء. كانت يداه قد خاضتا معارك كثيرة، ولكنهما الآن تشعران بثقل أكبر. ثقل المسؤولية، وثقل الاختيار. هل يلاحق أخته ليعيدها إلى مصير قد لا تريده؟ أم يتركها لتجد سعادتها، حتى لو كانت تلك السعادة بعيدة عن عالمه؟

"أين أجده؟" سأل سيف الدين أخيراً، وصوته بالكاد مسموع.

ابتسم 'ظل' مرة أخرى، ابتسامة تحمل فهماً عميقاً. "في مدينة البياض، حيث تشرق الشمس مرتين. اتبع نهر الأنهار، حتى تصل إلى شلالات الهمس. هناك، ستجد المفتاح."

ثم، وبنفس السرعة التي ظهر بها، اختفى 'ظل' في ظلام الليل، تاركاً سيف الدين وحيداً مع صدى كلماته، ومع قرار مصيري يلوح في الأفق. انتهت المعركة، لكن معركة سيف الدين الحقيقية كانت على وشك البدء. معركة لاستعادة روحه، وربما، لإعادة تعريف معنى العائلة والحب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%