قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
خيوط الحقيقة في متاهة الخداع
بقلم مريم الحسن
ارتسمت على وجه الأمير فهد علاماتُ التفكير العميق، وهو يتصفح بصره وثيقةً قديمةً عثر عليها بين أوراق والده. لم تكن مجرد وثيقة، بل كانت شهادةً صامتةً على صراعٍ كان يدور في الخفاء، صراعٌ لم يدرك فهد حجمه الحقيقي إلا في الآونة الأخيرة.
"يا رئيس الحراس،" قال فهد بصوتٍ حاكم، "هذه الوثيقة تتحدث عن لقاءٍ سريٍّ بين والدي وتاجرٍ يدعى 'سليمان'. هل وجدت أي معلوماتٍ تربط هذا التاجر بـ 'أبو صالح'؟"
نظر رئيس الحراس إلى الورقة، ثم إلى فهد. "مولاي، بحسب سجلاتنا، فإن تاجر سليمان هذا اختفى فجأةً بعد وفاة الأمير بدر. ولا يوجد أي أثرٍ له. ولكن، الاسم 'أبو صالح' ورد في بعض الملاحظات القديمة، وكان يُشار إليه كشخصٍ غامضٍ كانت له علاقاتٌ ببعض التجار الذين كانوا يترددون على البلاط في تلك الفترة."
"هذا يعني أن 'أبو صالح' موجودٌ منذ زمنٍ طويل،" قال فهد وهو يفرك ذقنه. "وأن اختفاء سليمان قد يكون مرتبطاً به."
"نحن نحاول ربط الخيوط، مولاي. المعلومات المتوفرة قليلةٌ ومتفرقة، ولكننا نعمل بجد."
في قصر آل شهاب، كان الأمير سلطان وابنه خالد يخططان بدقة. لقد وصلتهما معلوماتٌ تفيد بأن فهد بدأ يكشف خيوطاً من الماضي.
"يا بني،" قال الأمير سلطان، "يبدو أن فهد بدأ يشعر بأن هناك شيئاً مريباً. علينا أن نتحرك بسرعة. إذا اكتشف الحقيقة، فقد يؤثر ذلك على مستقبلنا."
"ما هي خطتك، أبي؟" سأل خالد، وعيناه تلمعان بالطموح.
"علينا أن نثبط من عزيمته، وأن نجعل الأمور تبدو أكثر تعقيداً مما هي عليه. سنقوم بنشر بعض الشائعات، وسنستخدم بعض الأشخاص الذين يمكننا الوثوق بهم لتقديم معلوماتٍ مضللةٍ له."
"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟"
"لدينا بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون في الظل لوالدك، والذين ما زالوا مدينين لنا بالولاء. سيقومون بإعادة توجيه مسار تحقيقاته."
في قصر الأمير فهد، كانت الأميرة نورة تزور جدتها. جلست معها في الحديقة، تتأمل الأزهار المتفتحة.
"يا جدتي،" قالت نورة، "لقد تحدثتُ مع الأمير فهد اليوم. كان يبدو مشغولاً جداً، وعيناه كانتا تحملان شيئاً من القلق."
"هل أخبركِ بشيءٍ؟"
"لا، لم يخبرني بشيءٍ محدد. ولكنه قال إنه يتعامل مع بعض الأمور الهامة المتعلقة بالماضي."
ابتسمت الأميرة الكريمة. "ربما حان الوقت ليكشف عن هذه الأمور. إن الماضي، يا ابنتي، له تأثيرٌ كبيرٌ على الحاضر والمستقبل. والصدق، مهما كان مؤلماً، هو أساسُ العلاقة القوية."
"ولكنني أشعر بالخوف عليه، يا جدتي. أشعر أن هناك من يحاول إلحاق الأذى به."
"هذا طبيعي، يا ابنتي. القوة الحقيقية ليست في عدم الخوف، بل في القدرة على مواجهة الخوف والقيام بما هو صحيح. والأمير فهد لديه من الحكمة والشجاعة ما يكفي لفعل ذلك."
في منزلها المتواضع، كانت زينب تتلقى زيارةً غير متوقعة. لم تكن الأميرة الكريمة هذه المرة، بل كانت سيدةٌ غريبةٌ لم ترها زينب من قبل. كانت السيدة ترتدي ملابس أنيقة، وتحمل حقيبةً جلديةً فاخرة.
"يا زينب،" قالت السيدة بصوتٍ رقيق، "اسمي 'فاطمة'. لقد سمعتُ الكثير عنكِ، وعن معرفتكِ بتاريخ الأميرة ليلى."
"ومن أنتِ؟ وماذا تريدين؟" سألت زينب بحذر.
"أنا ابنة تاجرٍ يدعى 'سليمان'. لقد سمعتُ أنكِ كنتِ قريبةً منه، وأنكِ قد تعرفين شيئاً عن مصيره."
اتسعت عينا زينب. لقد تذكرت اسم سليمان، التاجر الذي كان يدعم الأميرة ليلى. "تاجر سليمان؟ لقد اختفى منذ زمنٍ طويل."
"نعم، لقد اختفى. ولكنني أملك بعض الوثائق التي تركها لي. وثائقٌ قد تكشف عن الحقيقة. ولكنني بحاجةٍ إلى مساعدةٍ منكِ."
شرحت فاطمة لزينب أنها وجدت في مذكرات والدها إشاراتٍ إلى شخصٍ يدعى "أبو صالح"، وأنه كان لديه صفقةٌ خطيرةٌ مع سليمان. كانت فاطمة تعتقد أن "أبو صالح" هو من تسبب في اختفاء والدها.
"لقد سمعتُ اسم 'أبو صالح'،" قالت زينب، "وهو رجلٌ خطيرٌ جداً. لا أظن أننا نستطيع مواجهته وحدنا."
"أنا أعلم ذلك،" قالت فاطمة. "ولكنني أؤمن بأن الحقيقة يجب أن تظهر. لقد سمعتُ أن الأمير فهد يحاول كشف هذه الأسرار. هل تستطيعين أن تساعديني في الوصول إليه؟"
شعرت زينب بمسؤوليةٍ كبيرة. لقد كانت تعلم أن هذه القضية قد تكون خطيرةً جداً، ولكنها شعرت أيضاً بأنها فرصةٌ لتصحيح خطأٍ قديم.
"سأحاول،" قالت زينب. "ولكن الحذر واجب. الأمور معقدةٌ جداً."
في إحدى الحانات المظلمة في طرف المدينة، كان الأمير خالد يلتقي بأحد رجاله. كان خالد يتلقى تقريراً عن تحركات الأمير فهد.
"يا سيدي،" قال الرجل، "لقد علمتُ أن الأمير فهد قد بدأ يتواصل مع بعض الأشخاص الذين لديهم معلوماتٌ قديمةٌ عن الأميرة ليلى. ومن بينهم، خادمتها السابقة، زينب."
"زينب؟" قال خالد بابتسامةٍ ماكرة. "هذه السيدة قد تكون مفتاحاً مهماً. إذا استطعنا الحصول على ما لديها قبل فهد، فسيكون ذلك في صالحنا."
"ولكن، سيدي، هناك سيدةٌ أخرى تدعى فاطمة، تدعي أنها ابنة تاجرٍ يدعى سليمان. وهي أيضاً تبحث عن 'أبو صالح'."
"فاطمة؟ سليمان؟" قال خالد وهو يفكر. "هذه السيدة قد تكون خطرةً أيضاً. علينا أن نتأكد من أنها لا تصل إلى فهد قبلنا."
عاد الأمير فهد إلى مكتبه، وعيناه ما زالتا تتنقلان بين الوثائق. لقد بدأ يشعر أن كل الخيوط تقوده إلى شخصٍ واحدٍ، أو ربما إلى مجموعةٍ تعمل في الخفاء.
"إذا كانت قصة الأميرة ليلى مرتبطةً بعائلتنا،" قال فهد لنفسه، "فإنني ملزمٌ بكشفها. لا يمكنني أن أسمح بأن تبقى الأسرار مدفونةً إلى الأبد."
كان يشعر بحرارةٍ في قلبه، حرارةٌ نابعةٌ من إصرارٍ على كشف الحقيقة. وكان يعلم أن طريقه لن يكون سهلاً.