قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
رياح الشك ووداد القلب
بقلم مريم الحسن
استيقظت الأميرة ياسمين على شعاع الشمس المتسلل خلسة عبر ستائر قصرها المخملية، لتمتزج أشعته الذهبية برذاذ الماء المتطاير من نافورتها الصغيرة، مرسمةً ألوان الطيف على جدران غرفتها. لم يكن نور الصباح كافيًا لتبديد الظلمة التي استقرت في حنايا روحها منذ ليلة أمس. لقد ألقت كلمات جدها، الأمير سيف، بظلالها الثقيلة على ما تبقى من سعادتها. "لا تفتحي قلبك إلا لمن هو أهلٌ له"، تردد صدى كلماته في أذنيها، وكأنها تحذيرٌ صريحٌ من مستقبلٍ غامض.
جلست على حافة سريرها، وشعرها الأسود الفاحم يتناثر على كتفيها كليلٍ ساجٍ. كانت تفكر في الأمير خالد. كيف يمكن أن تتهمه بشيءٍ كهذا؟ رغم كل ما رأته ورأته، رغم التحذيرات التي تتراكم فوق بعضها البعض، كان قلبها يرفض تصديق خيانةٍ منه. لقد بنى حوله سورًا من الثقة، سورًا لم يستطع أحدٌ اختراقه، باستثناء جدها الذي لطالما احترم حكمته، ولكن هذه المرة، شعرت ياسمين أن الشك قد زرع بذوره القاتمة في أرض روحها، وأنها بدأت تتساءل عما إذا كانت قد أخطأت في تقديرها.
طرقت الخادمة المخلصة، فجر، الباب بخفة. دخلت ومعها صينيةٌ تفوح منها رائحة الهيل والقهوة العربية الأصيلة. "صباح الخير يا مولاي،" قالت فجر بصوتٍ ناعم، وهي تضع الصينية على طاولةٍ قريبة. "سمعت أنكِ لم تنامي جيدًا."
نظرت ياسمين إلى فجر، ابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمت على شفتيها. "صباح النور يا فجر. لقد جلبتِ لي ما اعتادته روحي."
شربت ياسمين قهوتها ببطء، تلتقط كلمات فجر بحذر. كانت فجر، بخبرتها الطويلة في أروقة القصر، عينها وأذنها. "مولاي،" بدأت فجر، وهي ترتب الوسائد على السرير، "لقد سمعت بعض الأحاديث في أروقة المطبخ. يبدو أن هناك بعض التحركات المشبوهة حول القصر في الأيام الماضية. حراسٌ جددٌ لم نعهدهم، وجوهٌ غريبةٌ تتجول عند الأطراف."
اتسعت عينا ياسمين. "حراسٌ جدد؟ ومن أمر بذلك؟"
"لا أحدٌ يعلم على وجه اليقين يا مولاي. لكنهم يرتدون شاراتٍ غريبة، لا تشبه شعار مملكة أبي."
كان هذا مقلقًا. لقد أضاف هذا الخبر طبقةً جديدةً من التعقيد إلى ما كان يحدث. هل كان الأمير خالد يجهز لشيء؟ أم أن هناك قوىً أخرى تتربص؟ لم تكن قادرةً على تمييز الحقيقة من الزيف.
في تلك الأثناء، كان الأمير خالد في مكتبه، يتفحص تقارير الاستخبارات المرسلة إليه من رجاله الموثوقين. كانت الأخبار ليست مطمئنة. لقد أكدت تقاريرهم الشكوك التي كانت تراوده حول تحركات خفية داخل البلاط. كان هناك من يسعى لزعزعة استقرار المملكة، وزرع الفتنة بين الأمراء. وكان الدليل الأقوى يشير إلى الأمير فهد، الذي لطالما اعتبره خالد منافسًا على النفوذ، لا على العرش.
"يا لها من غدرٍ وخيانة،" تمتم خالد بصوتٍ مكتوم، وهو يمرر يده في شعره. لقد وثق بفهد، بل وكان يظن أن لديهما صداقةً مبنيةً على الاحترام. ولكن يبدو أن الطموح الأعمى قد أفسد قلب أخيه.
وصله خبرٌ آخر، أثار قلقه بشكلٍ أكبر. لقد وصلت رسالةٌ مشفرةٌ إلى الأمير فهد من شخصٍ مجهولٍ في مملكةٍ مجاورة، مملكةٍ عرفت دائمًا بطموحاتها التوسعية. كان مضمون الرسالة سرًا، ولكن التوقيت كان مشبوهًا بما يكفي لإشعال نيران الحذر في قلب خالد.
"لا بد أن أكون يقظًا،" قال خالد لنفسه، وهو ينهض من مقعده. "ياسمين، يجب أن أطمئنها. لقد شعرت بتأثرها من حديث جدي، ولا يمكنني تركها فريسةً للشكوك."
قرر خالد أن يزور ياسمين في جناحها. لم يكن يملك رفاهية الانتظار. لقد شعر بقرب الخطر، وشعر بالحاجة الملحة لتوحيد جهودهما قبل فوات الأوان.
وصل خالد إلى جناح ياسمين. وجدها جالسةً عند شرفتها، تتأمل الحديقة الممتدة أمامها، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ في أوراق الأشجار المتمايلة. بدا جمالها أخاذًا، حتى في حزنها.
"ياسمين،" قال خالد بصوتٍ هادئ، اقترب منها بخطواتٍ مترددة.
التفتت ياسمين، وارتسمت الدهشة على وجهها. "خالد! لم أتوقع رؤيتك."
"وأنا لم أستطع الانتظار أكثر. رأيتُ الحزن في عينيكِ، وأردتُ أن أطمئن عليكِ."
وقفت ياسمين، وتلاقت عيناهما. "لقد أثقلت عليّ كلمات جدي يا خالد."
"أعلم. ولكني أريدكِ أن تعلمي أني أثق بكِ. وأن قلبي لم ولن يتزعزع في حبكِ."
شعرت ياسمين ببعض الطمأنينة وهي تسمع كلماته. ولكن الشكوك كانت كالنمل تتسلق جدار روحها. "ولكن، ما الذي يحدث؟ لماذا كل هذه التغييرات؟"
نظر خالد إليها بعينين صادقتين. "ياسمين، هناك من يسعى لتمزيق هذه المملكة. هناك مؤامراتٌ تحاك في الظلام. وأنا على يقينٍ بأن الأمير فهد هو في قلب هذه المؤامرات."
تفاجأت ياسمين. "فهد؟ لا أصدق ذلك."
"لقد رأيتُ الأدلة بنفسي. ويبدو أنه على تواصلٍ مع أطرافٍ خارجية تسعى لزعزعة الاستقرار. ولهذا السبب، هناك حراسٌ جددٌ حول القصر. إنها إجراءاتٌ احترازيةٌ لضمان سلامتكِ وسلامة الجميع."
لم تكن ياسمين متأكدةً مما يجب أن تشعر به. هل كان هذا جزءًا من المؤامرة، أم أنه يكشف لها الحقيقة؟ كان عليها أن توازن بين ثقتها في خالد وحكمة جدها.
"خالد،" قالت ياسمين بصوتٍ مرتجف، "أنا لا أعرف بمن أصدق. قلبي يخبرني شيئًا، والعقل يخبرني شيئًا آخر."
"إن كنتِ تشعرين بالشك، فابحثي عن الحقيقة بنفسكِ. ولكن لا تدعي الشك يدمر ما بيننا. ثقي بي، يا ياسمين. إن قلبي لكِ وحدكِ."
مد خالد يده، ولمست يد ياسمين يده. كانت دفء يده يبعث فيها شيئًا من الأمان. ولكن القلق ظل ينهش قلبها. هل كانت هذه اللحظة من الهدوء مجرد سكونٍ قبل عاصفةٍ أكبر؟ هل كانت ثقتها في الأمير خالد في مأمنٍ من رياح الشك التي تهب من كل صوب؟
نظرت ياسمين إلى عيني خالد، محاولةً قراءة ما وراءهما. رأت فيهما حبًا صادقًا، ورأت فيهما عزيمةً قوية. ولكنها رأت أيضًا عبئًا ثقيلًا يثقل كاهله. "سأثق بك يا خالد،" قالت بصوتٍ هامس، "ولكن أرجوك، كن حذرًا."
"وأنتِ أيضًا يا حبيبتي. لا تخرجي وحدكِ، وأناسا على يقينٍ أننا سنجتاز هذه المحنة معًا."
شعر خالد بأن شيئًا ما قد تغير. لقد أزال جزءًا من الضباب الذي كان يلف علاقتهم، ولكنه أدرك أن المعركة الحقيقية قد بدأت للتو. كان عليه أن يكشف المؤامرة، وأن يحمي ياسمين، وأن يستعيد الاستقرار للمملكة. وكان يعلم أن ياسمين، بقوة إيمانها وعمق مشاعرها، ستكون شريكته في هذه الرحلة الشاقة. بقيت الرياح تهب، حاملةً معها وعدًا بالأمل، ولكن أيضًا تحذيرًا من الخطر القادم.