قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
خيوط المؤامرة وظلال الشك
بقلم مريم الحسن
عادت الأميرة ياسمين إلى جناحها، وقد استقر في صدرها خليطٌ غريبٌ من الراحة والقلق. كانت كلمات الأمير خالد قد جلبت لها بعض الطمأنينة، ولكنها لم تمحِ تمامًا الظلال التي رسمتها تحذيرات جدها. لقد شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، وأن قرارها بمن تثق به سيحدد مسار مستقبلها ومستقبل مملكتها.
جلست على مقعدها المفضل بجوار النافذة، تتأمل السماء الصافية التي بدأت تغيب شمسها، تاركةً وراءها وهجًا برتقاليًا ورديًا. فكرت في الأمير فهد. لطالما كانت علاقته بالأمير خالد متوترة، لكن لم يصل الأمر إلى حد الخيانة العظمى. هل يمكن أن يكون طموح فهد قد دفعه إلى هذا الحد؟
"مولاي،" سمعت صوت فجر الهادئ. كانت تحمل صينيةً عليها بعض الحلوى الشرقية الشهية وماء الورد. "تبدين شاردة الذهن."
ابتسمت ياسمين ابتسامةً خفيفة. "نعم يا فجر. أفكر في أمورٍ كثيرة."
"هل يمكن أن أساعد؟" سألت فجر، وهي تضع الصينية أمامها.
ترددت ياسمين للحظة، ثم قررت أن تشارك فجر بما في قلبها. كانت فجر أقرب إليها من أي شخصٍ آخر في هذا القصر، وكانت دائمًا نعم المستشار. "يا فجر، هل أنتِ على درايةٍ بأي شيءٍ غريبٍ يحدث في القصر؟ أي تحركاتٍ غير طبيعية؟"
أومأت فجر برأسها ببطء. "نعم يا مولاي. منذ بضعة أيام، لاحظتُ أن بعض الخدم القدامى بدأوا يختفون. يسألون عنهم، فيقولون إنهم مرضوا وغادروا. وهذا غريب، فمعظمهم خدمٌ أوفياء لم يمرضوا قط."
اشتد قلق ياسمين. "يختفون؟ هل تعرفين أسماءهم؟"
"بعضهم يا مولاي. منهم الحاج سالم، الذي كان مسؤولًا عن مخازن الحبوب، والسيدة زينب، التي كانت تشرف على المطبخ الرئيسي."
كان هذا مقلقًا حقًا. لم يكن الأمر مجرد حراسٍ جدد، بل اختفاءٌ غامضٌ لخدمٍ موثوقين. "هل تم إبلاغ الأمير خالد بذلك؟"
"لا أعتقد يا مولاي. لم أسمع شيئًا عن ذلك. هم يقولون إنهم رحلوا طواعيةً، ولكن قلوبهم لا تصدق ذلك."
شعرت ياسمين بأن الخيوط بدأت تتجمع، وإن كانت الصورة النهائية لا تزال ضبابية. إذا كان الأمير فهد متورطًا، فربما يكون هذا جزءًا من خطته للسيطرة على القصر من الداخل، بإقصاء كل من يشكل خطرًا عليه.
في تلك الأثناء، كان الأمير خالد في اجتماعٍ سريٍ مع قائده الأيمن، الحارث. كانت الغرفة معتمة، ولا ينيرها سوى شمعةٌ وحيدةٌ تتمايل ألسنتها في الهواء.
"الحارث،" قال خالد بصوتٍ خفيض، "هل تأكدت من هوية الشخص الذي يتواصل معه فهد؟"
"نعم يا مولاي. إنه مستشارٌ في بلاط مملكة الشرق، وهو معروفٌ بطموحه ونفوذه. يبدو أن هناك اتفاقًا سريًا بينهما لزعزعة استقرار مملكتنا."
"ولماذا الآن؟ ما الذي يدفعهما لهذا؟"
"المعلومات تشير إلى أنهم يسعون للاستفادة من أي ضعفٍ في القيادة. ولربما يعتقد فهد أنه سيتمكن من السيطرة على الوضع بعد ذلك، ومن ثم فرض سيطرته على مملكة الشرق بالتحالف مع مستشارها."
"هذا جنون. إنه لا يدرك حجم الخطر الذي يجلبه على نفسه وعلى مملكتنا."
"الأمير فهد لطالما كان مدفوعًا برغبته في السلطة يا مولاي. وقد أعمى الطمع بصره."
"وماذا عن هؤلاء الخدم الذين اختفوا؟ هل لديك أي معلومات؟"
"بعض التقارير الأولية تشير إلى أنهم اختفوا بعد أن بدأوا يلاحظون أشياءً مريبة. يبدو أن فهد يقوم بتصفية كل من قد يبلغ عن تحركاته."
كانت هذه الأخبار تزيد من ثقل المسؤولية على كاهل خالد. كان عليه أن يتحرك بسرعة، قبل أن يتسع الخطر ويصبح من الصعب احتوائه.
"يجب أن نتأكد من سلامة الأميرة ياسمين أولًا،" قال خالد بحزم. "وأريدك أن تكثف المراقبة على الأمير فهد. أريد أن أعرف كل تحركاته، وكل من يلتقي به."
"تحت أمرك يا مولاي."
عاد خالد إلى جناح ياسمين، وقلبه يثقل بالأحداث. وجدها لا تزال جالسةً عند النافذة، ولكن وجهها كان أكثر قتامةً مما كان عليه.
"ياسمين،" قال خالد، وهو يقترب منها. "هل تحدثتِ مع فجر؟"
"نعم. أخبرتني عن اختفاء بعض الخدم. هذا مقلقٌ حقًا يا خالد."
"إنه كذلك. يبدو أن فهد يتخلص من أي شخصٍ قد يعترض طريقه أو يكشف أسراره."
شعرت ياسمين بالخوف يتسلل إلى قلبها. "وماذا سنفعل؟"
"سأحميكِ. ولن أدع لأحدٍ أن يمسك بـِ."
"ولكن، إذا كان فهد هو المسؤول، فكيف لنا أن نواجهه؟ إنه أمير، وله نفوذه."
"سأحتال عليه. سأتظاهر بأني لا أعرف شيئًا، بينما أجمع الأدلة اللازمة. يجب أن يكون لدينا دليلٌ قاطعٌ أمام الجميع."
"ولكن، إلى متى؟ ومتى سنعرف الحقيقة كاملة؟"
"هذا ما أحاول معرفته. ولكن أريدكِ أن تكوني حذرةً في هذه الفترة. ولا تصدقي كل ما تسمعين. خاصةً إذا جاء من الأمير فهد."
نظرت ياسمين إلى خالد، ورأت في عينيه تصميمًا لا يتزعزع. "سأحاول يا خالد. ولكن قلبي لا يزال يرتجف."
"قلبكِ قويٌ يا ياسمين. وأنا أؤمن بكِ. أؤمن بنا."
قبل خالد يدها، وقبلها برفق. كانت تلك قبلةٌ تحمل معها وعدًا بالأمان، وحزنًا على ما قد يحدث. كانت خيوط المؤامرة تتشابك، وظلال الشك تخيم على أجواء القصر، ولم يكن لديهما سوى بعضهما البعض ليواجهوا هذا الظلام.
فجر، من جانبها، لم تكن راضيةً عن اختفاء الخدم. كانت تعرفهم جيدًا، وتعرف ولاءهم. كانت تشك بأن الأمر أكبر مما يبدو. فبدأت تتحدث مع الخدم القدامى الذين بقوا، وتحاول استخلاص أي معلومةٍ منهم، مهما كانت صغيرة. لقد لاحظت أن بعض الحراس الجدد كانوا يراقبون الخدم بشكلٍ مستمر، وأنهم يجمعون أسماء وأوصاف كل من يدخل ويخرج من أروقة القصر.
"هناك شيءٌ خاطئ،" همست فجر لنفسها، وهي تراقب أحد هؤلاء الحراس الجدد. "وهذا الخوف الذي أراه في عيون بعض الخدم ليس خوفًا طبيعيًا."
كانت فجر، بعفويتها وحسها المرهف، ترى ما لا يراه الآخرون. وقد بدأت تدرك أن الأميرة ياسمين في خطرٍ حقيقي، وأن على عاتقها مسؤوليةً كبيرة لمساعدة سيدتها.
في تلك الليلة، لم ينم الأمير خالد ولا الأميرة ياسمين. كانت أحلامهما مزعجة، مليئةً بصورٍ باهتةٍ من الخيانة والمؤامرات. كانا يعلمان أن الوقت ينفد، وأن المعركة الحقيقية قد بدأت للتو، وأن عليهم أن يكونوا أقوى وأكثر يقظةً من أي وقتٍ مضى.