قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

المواجهة الحاسمة وثمن الخيانة

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً مظلمةً، والنجوم تختبئ خلف غيومٍ رماديةٍ كئيبة، وكأنها تخشى أن تشهد ما سيجري. في قصر الأمير سيف، ساد جوٌ من التوتر الشديد، يكسره فقط صوتُ خطواتٍ سريعةٍ ووشوشاتٌ خافتة. اجتمع الأمير خالد، والأميرة ياسمين، والسيدة زينب، بالإضافة إلى عددٍ قليلٍ من الحراس الموثوقين، في قاعةٍ جانبيةٍ قريبةٍ من قاعة العرش. كانوا يستعدون لمواجهةٍ حاسمة.

"زينب،" قال خالد بصوتٍ هادئ ولكن حازم. "هل أنتِ مستعدةٌ للإدلاء بشهادتك؟"

نظرت زينب إلى خالد، ثم إلى ياسمين، وإلى بقية الحضور. رفعت رأسها بشموخٍ رغم خوفها. "نعم يا مولاي. أنا مستعدةٌ لأقول الحقيقة، مهما كان الثمن."

"الثمن باهظٌ يا زينب. ولكن الحقيقة أغلى. لقد خاطرّتِ بحياتكِ لتأتي إلينا، وهذا دليلٌ على شجاعتكِ وولائكِ."

"ولائي لسيدتي وللعدل يا مولاي."

"أنا واثقٌ من أن الأمير سيف سيقدر شجاعتكِ. ولكن علينا أن نكون حذرين. فهد قد يكون مستعدًا لأي شيءٍ الآن، وقد يحاول أن يسكِتَكِ قبل أن تتحدثي."

"لن أسمح له بذلك يا مولاي."

"حسنًا. إذن، لنذهب. هذه هي اللحظة."

توجه الأمير خالد، والأميرة ياسمين، وزينب، ومعهم الحراس، نحو قاعة العرش. كانت الأبواب الضخمة مفتوحةً على مصراعيها، ويكشف عن هول القاعة التي كانت شبه ممتلئةٍ بالأمراء والوزراء والضيوف. بدا وكأن الجميع قد اجتمع بطلبٍ غامضٍ من الأمير سيف.

في وسط القاعة، على عرشه المهيب، جلس الأمير سيف، وتبدو عليه علاماتُ الحزن والقلق. وبجانبه، وقف الأمير فهد، يبتسم ابتسامةً متكلفة، ونظراته تلتف حول الحضور، وكأنه ينتظر بدء العرض.

تقدم الأمير خالد بخطواتٍ واثقة، وتوقف أمام والدته. "يا جدي،" قال بصوتٍ عالٍ وواضح، "لقد طلبتَ منا جميعًا الاجتماع هنا، وأنا أعلم السبب. لقد جئتُ لأكشف لكَ وللجميع مؤامرةً خطيرةً تُحاك ضد مملكتنا."

تجمعت الأنظار حول خالد، وارتسمت علاماتُ الدهشة والفضول على وجوه الحاضرين. نظر الأمير فهد إلى خالد، وشعر بالشر يشتعل في عينيه.

"مؤامرة؟" قال فهد بسخرية. "يا خالد، هل بدأتْ أحلام اليقظة تتلبسك؟"

"لا، يا فهد. إنها ليست أحلام يقظة. إنها حقيقةٌ مرةٌ ستجعل الجميع يدركون خبثك وطمعك."

"وما هي هذه الحقيقة، يا ابن أخي؟ هل لديك دليلٌ على ما تدعيه؟"

"نعم. لدي دليلٌ أقوى من أي كلام. ولدي شاهدٌ رأى كل شيءٍ بأم عينيه."

التفت خالد إلى زينب، التي وقفت بجانبه، بثباتٍ ورعبٍ في آنٍ واحد. "زينب،" قال لها. "تفضلي. احكي ما رأيتِ."

بدأت زينب تتحدث، بصوتٍ يرتعش في البداية، ثم أصبح أكثر قوةً وثباتًا كلما استرسلت في سرد الحقائق. تحدثت عن أوامر الأمير فهد، وعن الحراس الغرباء الذين جمعهم، وعن اختفاء الخدم، وعن إجبارهم على التوقيع على وثائق كاذبة.

"لقد أجبرني الأمير فهد،" قالت زينب، وعيناها مثبتتان على فهد، "على توقيع وثيقةٍ تزعم أن الأمير خالد هو من يخطط للانقلاب. وأخبرني أنه سيتخلص من عائلتي إذا لم أتعاون معه."

هتف بعض الحضور بالاستنكار. أما الأمير فهد، فقد بدا عليه الصدمة والغضب. احمر وجهه، وشعر بأن دم عروقه يتجمد.

"هذه أكاذيب! أكاذيبٌ ملفقة!" صرخ فهد. "هذه المرأة مجرد خادمةٍ حقيرة، تم استئجارها لتشهد زورًا ضدي!"

"هل هذا ما لديك لتقوله؟" قال الأمير خالد. "هل تملك أي دليلٍ لدحض شهادة زينب؟"

"شهادة خادمةٍ لا تعني شيئًا!" قال فهد. "أين الأدلة الأخرى؟ أين الاتهامات التي أدعيتَ بها؟"

"هذه هي الأدلة!" قال الأمير سيف، الذي كان يصغي بصمتٍ حتى تلك اللحظة. نهض من عرشه، ويده ترتجف. "لقد وصلتني رسالةٌ من الملك عزام، ملك مملكة الظلال. إنها رسالةٌ عرضٌ لـِـ"تحالفٍ" مقابل تنازلنا عن أراضينا. هذه الرسالة جاءت بعد أيامٍ قليلةٍ من وصول شحنةٍ غريبةٍ من الأسلحة إلى مستودعاتك يا فهد. أسلحةٌ لا نعرف مصدرها، ولا علاقة لها بمخزون مملكتنا."

صُدم الأمير فهد. لم يتوقع أن تكون الأدلة قد وصلت بهذه السرعة، وبهذه القوة. لقد ظن أنه قد نسج خطته بإحكام.

"وكيف لك أن تربط كل هذا بي؟" تمتم فهد.

"لأنني أعرفك يا فهد،" قال الأمير سيف بحزنٍ عميق. "لطالما عرفتُ أن طمعك في السلطة سيفسد قلبك. ولكنني لم أتوقع أن تصل بك الأمور إلى هذا الحد."

"وهل أنتِ هنا لتؤكدي كلام خالد؟" قال فهد، موجهًا كلامه إلى الأميرة ياسمين. "هل أنتِ مجرد بيدقٍ في لعبته؟"

نظرت ياسمين إلى فهد، بعينين قويتين، وخاليتين من الخوف. "لقد أحببتُ خالد، يا فهد. ولكن حبي له لم يعمِ عيني عن الحقيقة. لقد رأيتُ المؤامرات بعيني، وسمعتُ الوشوشات. لقد أثبتَ خالد جدارته، بينما أثبتَّ أنتَ خبثك."

"وماذا عنكِ يا زينب؟" قال فهد، وقد طرقت رأسه. "هل كنتِ تعرفين عن هذه الشحنات؟"

"لم أعرف عن الشحنات يا مولاي. ولكنني عرفتُ أن هناك شيئًا مريبًا يجري. وأنك تخطط لشيءٍ ضد الأمير خالد. وقد حاولتُ أن أبلغ الأمير سيف، ولكنك كنتَ دائمًا تمنعني. ولهذا، اضطررتُ أن أهرب، لأرى الأمير خالد وأخبره بكل شيء."

تجمعت الأدلة، وتناثرت الأكاذيب. وقف الأمير فهد وحيدًا، تحيط به نظراتُ الازدراء والاستنكار. لقد سقط قناعه، وظهر وجهه الحقيقي.

"أنتَ خائن!" صرخ أحد الوزراء.

"لقد بعتَ مملكتنا!" هتف آخر.

"يجب أن يعاقب!" صرخ الجميع.

تقدم الأمير سيف، ببطءٍ وثبات. "يا فهد، لقد خنتَ الثقة. لقد حاولتَ أن تمزق هذه المملكة. لقد حكمتَ بنفسك. وبسبب طمعك، وبسبب خيانتك، حكمتَ على نفسك."

"ما هو حكمك يا جدي؟" قال فهد، وقد بدأ وجهه يرتعش.

"بسبب خيانتك العظمى، وبسبب محاولتك إيذاء أخيك، وبسبب اتفاقك مع أعداء مملكتنا، سأحرمك من لقبك، ومن كل ما تملك. وسينفى خارج البلاد. ولن تطأ قدماك هذه الأرض مرةً أخرى."

"النفي؟" صاح فهد. "هذا ليس عدلاً!"

"العدل هو أن يعاقب الخائن،" قال الأمير خالد. "لقد كانت لديك فرصةٌ لتكون جزءًا من هذه المملكة. ولكنك اخترتَ طريق الظلام."

بدأ الحراس الموثوقون، بقيادة الحارث، في أخذ فهد بعيدًا. كان يقاوم، ويصرخ، ويلعن، ولكنه كان بلا قوة.

نظرت ياسمين إلى خالد، ورأت في عينيه راحةً مختلطةً بالحزن. لقد كانت هذه نهايةٌ مريرة، ولكنها كانت نهايةٌ ضرورية.

"لقد فعلناها يا خالد،" قالت ياسمين بصوتٍ هامس.

"نعم يا حبيبتي. لقد فعلناها. ولكن الثمن كان مرتفعًا."

التفت الأمير سيف إلى الحاضرين. "اليوم، علمنا درسًا قاسيًا. أن الثقة هي أثمن ما نملك، وأن خيانة الثقة أشد إيلامًا من أي سلاح. ولكننا أيضًا تعلمنا أن الحقيقة، مهما كانت قاسية، ستنتصر في النهاية. وأن الأمل، مهما بدا بعيدًا، يكمن في قلوبٍ صادقةٍ لا تخشى الحق."

تنهدت ياسمين، وشعرت بأنها قد أزاحت حملًا ثقيلًا عن صدرها. لقد انتصر الحب، وانتصرت الحقيقة. ولكنها كانت تعرف أن هذه المعركة كانت مجرد بدايةٍ لما هو قادم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%