قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

رياح التغيير العاتية

بقلم مريم الحسن

كانت الليالي الأخيرة في قصر الأمير فهد أشبه بسحابة ثقيلة تخيّم على سماء صافية، تحمل في طياتها غيوماً من القلق والترقب. بعد الجلسة العائلية المُلتبسة، التي فُتحت فيها أوراق طالما كانت مطوية بعناية، وجد فهد نفسه في دوامة من التفكير. حقيقة أن والدته، الأميرة سلمى، كانت على علمٍ بتفاصيل معينة بشأن خلفية والدته البيولوجية، كان له وقعٌ أشد من أي اتهامٍ صريح. لم يكن الأمر مجرد سرٍ، بل كان إخفاءً لواقعٍ شكل هويته.

في تلك الليلة، تحت ضوء القمر الشاحب الذي تسلل عبر النوافذ المزخرفة، كان فهد يسير في أروقة القصر الصامتة. كل خطوة كانت تدوي في فراغٍ يملأه صدى الأفكار المتضاربة. ذكريات طفولته، دفء حضن والدته التي ربته، ابتسامة والدها الراحل، كل ذلك بدأ يتداخل مع صورةٍ جديدةٍ لوالدةٍ لم يعرفها، وأسرارٍ نسجت حولها حجبٌ كثيفة.

صوتٌ هادئٌ اخترق صمت الليل، قائلاً: "لا تبحث عن إجاباتٍ في الظلام، يا بني."

استدار فهد ليجد عمه، الأمير خالد، واقفاً على عتبة أحد الأروقة، يرتدي جلباباً بسيطاً، وفي عينيه حكمة السنين وتعبها.

"عمي،" قال فهد، وقد اعتلت وجهه علامات الحيرة. "لم أستطع النوم. ما زلت أحاول استيعاب كل ما سمعته."

تقدم الأمير خالد وجلس على إحدى الأرائك الفخمة، وأشار لفهد بالجلوس بجانبه. "بعض الحقائق تأتي متأخرة، ولكن هذا لا ينفي قيمتها. والدتك، الأميرة سلمى، كانت في موقفٍ صعب. حمايةٌ، والخوف من فقدانٍ آخر، قد يدفعان الإنسان لارتكاب أفعالٍ تبدو قاسية في ظاهرها."

"لكنها أخفت عني جزءاً أساسياً من هويتي! كيف لي أن أتقبل ذلك؟" سأل فهد، ومرارةٌ بدأت تتسلل إلى صوته.

"الهوية ليست مجرد نسبٍ، يا فهد. إنها ما تصنعه بأفعالك، وما تحمله من قيمٍ ومبادئ. والدتك أحبتك، وربتك، وقدمت لك كل ما استطاعت. هذا الحب هو أصدق ما في هويتك."

"ولكن لو عرفت أمي الحقيقية... هل كانت ستبحث عني؟ هل كانت لي مكانٌ في حياتها؟"

صمت الأمير خالد برهة، ثم قال بنبرةٍ تحمل وزناً ثقيلاً: "هذا السؤال هو ما يدور في ذهنها أيضاً، منذ سنواتٍ طويلة. ولكن الظروف، يا فهد، الظروف كانت أكبر منها، ومن والدك، ومني."

"ما هي هذه الظروف، عمي؟" تساءل فهد، شعورٌ قويٌ بأن هناك شيئاً أعمق وأكبر مما يُقال له بدأ يتملكه.

"دعنا نبدأ من البداية،" قال الأمير خالد، وهو يبتسم بأسى. "قصة والدتك، الأميرة عائشة، ووالدك، الأمير سعود، لم تكن قصة حبٍ تقليدية. كانت قصةً نسجتها أقدارٌ معقدة، وحيكت خيوطها بدماءٍ أُريقت، ووعودٍ قُطعت."

بدأ الأمير خالد يروي، والصوت الهادئ للقصص ينساب كجدولٍ في ليلٍ طويل. تحدث عن الأيام التي سبقت زواج فهد، عن الاضطرابات السياسية التي كانت تعصف بالمملكة، وعن التحالفات الهشة التي كانت تُبرم وتُنقض.

"والدتك، عائشة، لم تكن مجرد أميرة. كانت تمتلك عقلاً استراتيجياً، وقلباً شجاعاً. كانت تملك أسراراً، وعلاقاتٍ، وقوةً لا يدركها الكثيرون. والدك، سعود، كان شاباً يافعاً، مليئاً بالشغف، ولكن أيضاً كان تحت ضغطٍ هائل. لم يكن زواجهما مجرد قرارٍ شخصي، بل كان جزءاً من خطةٍ أكبر لحفظ الأمن والاستقرار."

"ولكن كيف دخلت أمي، سلمى، في هذه القصة؟" سأل فهد، يشعر بأن خيوط الحكاية تتشابك أمامه.

"هنا تكمن العقدة، يا فهد. الأميرة سلمى، ابنة عم والدك، كانت تحب الأمير سعود حباً عميقاً. كانت تراقب علاقته بعائشة بقلقٍ متزايد. في الوقت نفسه، كان هناك أطرافٌ تسعى لاستغلال أي ضعفٍ في العائلة المالكة. هؤلاء الأطراف، الذين لا نريد أن نذكرهم بالاسم الآن، رأوا في زواج سعود من عائشة تهديداً لمصالحهم."

"ما علاقة هذا بوالدتي؟"

"عندما علمت الأميرة سلمى ببعض المخاطر التي تحيط بعائشة، وبأن عائشة تحمل في أحشائها روحاً جديدة، قررت أن تقوم بدورٍ حاسم. لم يكن الأمر انتقاماً، ولا حسداً، بل كان، كما فسّرته هي لي، محاولةً لحماية الجميع، بما في ذلك الطفل الذي لم يولد بعد، من مصيرٍ مجهول. لقد نسجت قصةً، بدعمٍ محدودٍ مني، لتأمين مستقبلٍ آمنٍ لك. أخفت حقيقة نسبك، وقدمت نفسها كأمٍ لك، لتبعد عنك الأعين التي كانت تبحث عن أي نقطة ضعف."

"ولكن أين ذهبت أمي الحقيقية؟" سأل فهد، بصوتٍ مختنق.

"هنا يكمن الجزء الأصعب، يا فهد. الأميرة عائشة... لم تعد موجودة."

كانت الكلمات كالصاعقة. وجد فهد نفسه يحدق في عمه، غير قادرٍ على النطق.

"اختفت،" تابع الأمير خالد، وعيناه تحملان حزناً عميقاً. "في ظروفٍ غامضة. قبل ولادتك بفترةٍ قصيرة، اختفت. لم نعثر لها على أثر. بعض الشهادات تشير إلى أنها ربما... ربما قُتلت. ولكن لا يوجد دليلٌ قاطع. لم نستطع تأكيد ذلك أبداً. لقد كان اختفاؤها، ومعه أسرارها، ضربةً قويةً لوالدك، ولنا جميعاً."

انتاب فهد شعورٌ باردٌ يجتاح أطرافه. والدته لم تمت، بل اختفت. والأكثر من ذلك، أن هناك احتمالاً مؤلماً بأنها قُتلت. كيف يمكن لشابٍ أن يتعامل مع هذه الحقائق دفعة واحدة؟

"أمي، سلمى،" قال فهد، بضعف. "هي التي ربتني. هي التي عرفتها. هل كان كل ذلك كذباً؟"

"لم يكن كذباً، يا فهد. لقد كان حباً، ولكن بطريقته الخاصة. كانت تحميك. ولكن بالطبع، لم تكن تعرف كل شيء. والدتك، عائشة، تركت وراءها وصية، ورسالة. وصيةٌ لم نجدها إلا مؤخراً، بعد سنواتٍ طويلة، في مكانٍ لم نتوقعه. والرسالة... تتحدث عنك، وعن مستقبلٍ أرادته لك."

"رسالة؟ وصية؟"

"نعم. في البداية، اعتقدنا أن الأميرة عائشة قد تخلت عن مسؤولياتها، أو أنها اختفت بفعل فاعل. ولكن الوصية تكشف عن أمرٍ آخر. كانت تخطط، بطريقةٍ ما، لإعادة الظهور، ولكن في وقتٍ مناسب. وكانت هذه الوصية، وهذه الرسالة، هما مفتاح فهم كل شيء."

"وأين هي هذه الوصية والرسالة الآن؟" سأل فهد، بقلبٍ يدق بعنف.

"لديها. في مكانٍ آمن. ولم يسمح لي الظرف، ولا الحكمة، بإعطائها لك إلا الآن. لأن ما ستقرأه، يا فهد، قد يغير كل شيء. قد يكشف لك عن حقيقةٍ قديمة، وقد يعيد فتح جروحٍ لم تندمل. ولكن لا مفر من ذلك. فالحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للشفاء."

نظر فهد إلى عمه، يرى في عينيه عزماً صامتاً، وإصراراً على كشف الستار عن ماضٍ بدأ يتكشف أمامه قطعةً قطعة. شعر بأن هذه الليلة لم تكن مجرد ليلةٍ عادية، بل كانت نقطة تحولٍ لا رجعة فيها في حياته. رياح التغيير كانت قد بدأت تهب، قويةً وعاتية، تحمل معها مصيراً لم يكن فهد يتوقعه أبداً.

"أنا مستعد، عمي،" قال فهد، وصوته اكتسب قوةً جديدة، قوة المستكشف الذي يواجه مجهولاً. "أنا مستعدٌ لسماع كل شيء."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%