قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
خيوط المؤامرة وشبح التهديد
بقلم مريم الحسن
بعد تلك الليلة المشحونة بالأسرار والاكتشافات، لم يعد فهد هو الشاب الذي كان قبلها. كانت كلماته تحمل ثقلاً جديداً، وكانت عيناه تعكسان عزمًا لم يكن موجوداً من قبل. كان يجلس في مكتبه، والغرفة التي كانت بالأمس ملاذًا لراحةٍ بالٍ، أصبحت اليوم مسرحًا لعمليةٍ بحثٍ مكثفة. الأوراق المبعثرة على الطاولة، الخرائط، المدونات، كلها كانت شواهد على ولادته الجديدة، وولادة مهمته.
"يا عمي،" نادى فهد، وهو يتوجه إلى الأمير خالد الذي كان قد أمضى معظم وقته في دعم ابن أخيه. "علينا أن نفهم هذه الشبكة جيدًا. لا يمكن أن نبدأ العمل دون معرفة الخصم."
أومأ الأمير خالد، وهو يضع أمام فهد ملفًا سميكًا. "هذه الوثائق التي وجدناها في الصندوق، بالإضافة إلى بعض التقارير السرية التي احتفظت بها. لقد قمتُ بتحليل مبدئي، ولكنه غير مكتمل. يبدو أن هذه الشبكة منظمة جدًا، وتعمل على عدة مستويات."
"المستويات؟"
"نعم. هناك مستوى سياسي، حيث يقومون بالتأثير على قراراتٍ مهمة، وتعييناتٍ نافذة. وهناك مستوى اقتصادي، من خلال التلاعب بالأسواق، والتهريب، وغسيل الأموال. وهناك مستوى أمني، وهذا هو الأخطر، حيث يستخدمون عناصر مأجورة، وقواتٍ خاصة، لتنفيذ عملياتٍ قذرة، وإسكات المعارضين."
"وأمي، عائشة، هل كانت لديها أسماء؟"
"لم تذكر أسماءً صريحة في معظم الوثائق، ولكنها أشارت إلى بعض الرموز، وإلى ألقابٍ مستخدمة. مثل 'الظل'، و'العقرب'، و'صانع القرار'. ويبدو أنهم يعملون تحت مظلةٍ وهمية، كشركةٍ استثمارية كبرى، ولكنها في الواقع واجهةٌ للعمليات غير القانونية."
"والقلادة؟ هل توصلنا لشيءٍ بشأنها؟"
"النقش الذي عليها، وجدته في إحدى مدونات والدتك. يبدو أنه كان رمزًا سريًا، أو جزءًا من مفتاحٍ لفك شيفرةٍ أكبر. لقد قمتُ بالبحث في الأرشيفات القديمة، وعثرتُ على إشاراتٍ لقلائد مشابهة، كانت تُستخدم في مناسباتٍ سرية، لتمييز أعضاءٍ معينين في جمعياتٍ قديمة. يبدو أن هذه الشبكة لها جذورٌ عميقة، أقدم مما نعتقد."
بينما كانا يتناقشان، دخلت عليهم الأميرة سلمى، بوجهٍ يحمل علامات القلق.
"فهد، هل أنت متأكدٌ من هذا؟" سألت، وهي تنظر إلى كومة الأوراق. "هذه الأمور خطيرة جدًا."
"نعم يا أمي، أنا متأكد،" قال فهد، بحزم. "لقد عرفتُ الآن الحقيقة. وأمي، عائشة، وضعت حياتها على المحك من أجلي، ومن أجل المملكة. لا يمكنني أن أقف مكتوف الأيدي."
"ولكن، ألا تخشى على نفسك؟ على عائلتك؟"
"بالطبع أخاف،" اعترف فهد. "ولكن الخوف لن يمنعني من فعل ما يجب فعله. سأتعلم، وسأكون حذرًا، وسأحميكم."
"نحن معك، يا فهد،" قال الأمير خالد، وهو يضع يده على كتف فهد. "مهما كان الثمن."
"ولكن،" قالت الأميرة سلمى، بلهجةٍ تحمل قلقًا أكبر. "لقد شعرتُ مؤخرًا بأن هناك من يراقبنا. في القصر، في المدينة. هناك شعورٌ غريبٌ بأننا لسنا وحدنا."
"مراقبة؟" تساءل فهد، وهو ينظر إلى عمه.
"ربما اكتشفوا أن لدينا شيئًا،" قال الأمير خالد. "أو ربما بدأوا يشعرون بأن هناك خطرًا يهددهم. لقد قمتُ بتعزيز الحراسة، ولكنهم بارعون جدًا."
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب، ودخل أحد الجنود المكلفين بالحراسة.
"سمو الأمير،" قال الجندي، بصوتٍ مرتجف. "هناك... هناك رسالةٌ غريبة. أُلقيت عند البوابة الخارجية. لا نعرف من ألقاها."
تقدم الجندي، وقدم ورقةً مطوية. كانت مكتوبةً بخطٍ غريب، أشبه بالوشم.
"لا تبحثوا فيما لا يعنيكم،" قرأ فهد بصوتٍ عالٍ، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه. "الحقيقة، مؤلمة. وبعض الأسرار، يجب أن تبقى مدفونة. توقفوا، أو ستندمون."
"هذا تهديدٌ مباشر،" قال الأمير خالد، بصرامة. "لقد وصلوا إلينا."
"ولكنهم لم يذكروا اسمًا،" قالت الأميرة سلمى. "كيف عرفوا؟"
"هم يعرفون،" قال فهد، وهو يمسك بالقلادة في جيبه. "هم يعرفون أننا نقترب من الحقيقة. هذه القلادة... ربما هي مفتاحٌ لكشف أحدهم."
"وماذا سنفعل الآن؟" سألت الأميرة سلمى، وهي تنظر إلى فهد بعينين مليئتين بالخوف.
"سنستمر،" قال فهد، بصوتٍ اكتسب قوةً جديدة. "هذا التهديد، لن يوقفني. بل سيزيدني إصرارًا. يجب أن نعرف من هم، وماذا يفعلون. والدتي لم تخاطر بحياتها، ولم تسلمني هذه الأدلة، لتتوقف الأمور عند هذا الحد."
"ولكن،" قاطعهم الأمير خالد. "هناك معلومةٌ قديمة، تربط هذه الشبكة بالولاءات القديمة. كان هناك تحالفٌ سري، في الماضي، بين بعض العائلات النافذة، وكانوا يستخدمون رموزًا معينة للتواصل. بعض هذه الرموز، رأيتها في وثائق والدتك."
"ما هي هذه العائلات؟" سأل فهد.
"هنا تكمن المشكلة،" قال الأمير خالد. "كانوا يحافظون على سرية تامة. ولكن، أحد هذه الرموز، أو ربما جزءٌ من رمز القلادة، كان مرتبطًا بعائلةٍ كانت تُعرف باسم 'آل القصر الداخلي'، وهي عائلةٌ كانت مقربة جدًا من العرش في عصورٍ سابقة، ولكنها اختفت فجأةً من السجلات الرسمية."
"آل القصر الداخلي؟" تكرر فهد. "لم أسمع بهم من قبل."
"لأنهم كانوا يعملون في الظل،" قال الأمير خالد. "كان لديهم نفوذٌ كبير، ولكنهم لم يسعوا للظهور. ربما هم من يقفون خلف هذه الشبكة. ربما هم من يسعون لاستعادة ما يعتقدون أنه حقهم."
"ولكن لماذا الآن؟"
"ربما رأوا فرصةً، يا فهد. ربما استغلوا ضعفًا ما، أو فراغًا في السلطة، ليعيدوا بناء نفوذهم. وما فعلته والدتك، بعملك على كشف هذه المؤامرة، قد يكون أكبر تهديدٍ لهم."
"إذاً، نحن نواجه عدواً قديماً، له جذورٌ عميقة، ولا يخشى التهديد المباشر."
"بالضبط،" أكد الأمير خالد. "وعلينا أن نكون أشد حذرًا. يجب أن نكشف هويتهم، قبل أن يتمكنوا من إسكاتنا، أو من إلحاق الأذى بمن نحب."
"لقد تحدثت والدتي عن 'أطراف' معينة،" قال فهد. "هل يمكن أن يكون هؤلاء 'آل القصر الداخلي' هم هؤلاء الأطراف؟"
"من المحتمل جدًا،" أجاب الأمير خالد. "ولكن، لا يمكننا التأكيد. الأدلة لا تزال غير كافية. ولكن، يجب أن نعمل على هذا الخيط."
"إذاً، خطوتنا التالية،" قال فهد، وهو يمسك بالقلادة بيده، "هي فك رموز هذه القلادة، والكشف عن هوية 'آل القصر الداخلي'. وعلينا أن نفعل ذلك بسرعة، قبل أن يتمكنوا من تنفيذ تهديدهم."
نظر فهد إلى عمه، وإلى والدته. كانت عيناهما تحملان مزيجًا من الخوف، والأمل، والثقة. كان يعرف أنه ليس وحده في هذه المعركة.
"لقد أخبرتني والدتي، بأنني أملك شيئًا ما، يكفي لفتح بابٍ جديد،" قال فهد، وهو يتذكر كلمات عائشة. "ربما هذه القلادة، وهذا الصندوق، هما المفتاح. ربما ما بداخلهم، سيساعدنا على فك هذه الشيفرة، وكشف الحقيقة."
"علينا أن نكون أذكياء، يا فهد،" قال الأمير خالد. "لا يمكننا مواجهتهم مباشرةً الآن. يجب أن نفكر مثلهم، أن نعمل في الظل، حتى نجمع كل الأدلة، ونكون مستعدين لمواجهةٍ حاسمة."
"وخلال كل هذا،" قالت الأميرة سلمى، بقلبٍ مثقل. "علينا أن نحمي أنفسنا. يجب أن نكون يقظين، وأن نمنعهم من الوصول إلينا."
"سأكون حذرًا، يا أمي،" وعد فهد. "ولكن، لا يمكنني أن أسمح لهم بتدمير كل ما بنته والدتي، وكل ما نسعى إليه. سأقاتل، وسأكشفهم."
شعر فهد بالخيوط تتشابك من حوله، خيوط مؤامرةٍ قديمة، تهديداتٍ حديثة. كان شبح التهديد يلوح في الأفق، ولكنه في نفس الوقت، كان يشعر بقوةٍ جديدة، قوة الحقيقة، وقوة الانتقام.