قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
مدينة البياض
بقلم مريم الحسن
عندما غربت الشمس، وتركت خلفها زرقة باهتة في الأفق، قرر الأمير سيف الدين أن ينهي مطاردة الدم والدموع. كانت أرض المعركة الشاهد الصامت على وحشية الحرب، وعلى ثمن الحرية الذي دفعته أخته. لم يكن من السهل عليه ترك جنوده، أو ترك الأرض التي سالت عليها دماء الرجال الذين خدموه. لكن كلمات 'ظل' كانت ترن في أذنيه كقرع طبول قديمة، تدعوه إلى رحلة مختلفة، رحلة أعمق وأكثر تعقيداً.
استدعى قائده المخلص، أبا الفضل، والذي كان يقف بجانبه منذ البداية، في أحلك الظروف وأشدها قسوة. كان أبو الفضل رجلاً وقوراً، يتمتع بحكمة السنين، وولاء لا يتزعزع.
"يا أبا الفضل،" بدأ سيف الدين، وصوته يحمل نبرة التعب والإرهاق، "لقد تغيرت وجهة رحلتنا."
نظر إليه أبو الفضل بعينين متسائلتين. "ماذا تقصد يا مولاي؟ هل وجدتم أثراً للأميرة؟"
"وجدنا... طريقاً. طريق لم يكن في حسبان أحد. طريق يبتعد عن الانتقام، ويتجه نحو... الفهم."
شرح له سيف الدين كل ما حدث، عن الرجل الغامض 'ظل'، وعن ادعائه بأن الأميرة نور قد ذهبت طواعية. كان أبو الفضل يستمع بصمت، يحاول استيعاب هذه الرواية الغريبة. كان يعرف الأميرة نور جيداً، ويعرف مدى حبها لعائلتها. لكنه كان يعرف أيضاً أن الروح الشابة تحمل غالباً أحلاماً ورغبات خاصة بها.
"إذا كان هذا صحيحاً يا مولاي،" قال أبو الفضل أخيراً، "فإن سيفك لن يعيدها. ربما... ربما تحتاج إلى قلب مفتوح، وعقل متقبل."
أومأ سيف الدين برأسه. "هذا ما أشعر به. أريد أن أذهب إلى 'مدينة البياض'. حيث تشرق الشمس مرتين. وهناك، سأبحث عن دليل يقودني إلى حيث هي."
"مدينة البياض... مدينة الأساطير، يا مولاي. يقال إنها مدينة الأنبياء والتجار، حيث يجتمع العلم بالمال، والتقوى بالجمال. لكنها بعيدة، وعرة الطريق."
"لا يهم، يا أبا الفضل. مهما كانت المسافة، مهما كانت الصعاب، سأذهب. أعد لي الرجال الذين سيرافقونني، وأشرف على ترتيب الأمور هنا. سأسافر خفية، لأتجنب أي إثارة."
بدأ العمل فوراً. جهزت قافلة صغيرة، مزودة بما يكفي من الطعام والماء والمؤن. اختار سيف الدين معه عشرة من جنوده الموثوقين، ورجلين من حفظة الطريق، يعرفون دروب الصحراء. كان هدفه أن يصل إلى مدينة البياض دون أن يلفت الأنظار، وأن يبدأ بحثه بهدوء.
كانت الرحلة شاقة، لكنها كانت ملاذاً له. في صمت الصحراء، كان يتأمل كل شيء. كان يتأمل نوره، يتأمل اختياراتها، ويتأمل ماضيه. هل كان محيطاً بها بالحب، أم بالقيود؟ هل كان يراها شخصاً مستقلاً، أم مجرد أميرة يجب أن تُحفظ؟
بعد أيام من السير تحت الشمس الحارقة، وفوق الرمال الذهبية التي لا نهاية لها، بدأت تظهر علامات الحضارة. خيام متناثرة، ثم أراضٍ مزروعة، وأخيراً، أسوار مدينة عظيمة، تلوح في الأفق كجوهرة بيضاء. كانت "مدينة البياض".
عندما دخل سيف الدين المدينة، شعر وكأنه دخل عالماً آخر. لم تكن مدينة صاخبة أو فوضوية، بل كانت مدينة منظمة، نظيفة، ومرتبة. البيوت مبنية من الطين الأبيض، والشوارع مرصوفة بالحجارة الناعمة. كانت الأبنية تتشابك بأناقة، وتتخللها حدائق صغيرة تزهر بألوان زاهية. كانت رائحة الياسمين والورد تفوح في الهواء، ممزوجة بعطر البخور.
"مدينة البياض"، همس سيف الدين، متأملاً الأبنية العالية التي تصل إلى السماء. "حيث تشرق الشمس مرتين."
بحث عن مكان هادئ، واستقر هو ورجاله في خان متواضع، لكنه نظيف ومريح. بدأ سيف الدين بالاستطلاع، مستغلاً هويته كتاجر مسافر. سأل عن أي شيء غير عادي، عن أي قصص غريبة، عن أي أمراء غرباء. كان يتحدث مع الناس في الأسواق، ومع أصحاب المقاهي، ومع التجار.
كانت إجاباتهم غالباً متشابهة: "مدينة البياض مدينة مباركة، لا يحدث فيها إلا ما يرضي الله." لكن بعضهم كان يتحدث عن وجود "حكماء" و "علماء" يتواجدون في أماكن معزولة، ويعرفون أسرار الماضي والمستقبل.
تتبع سيف الدين إحدى هذه الإشارات، فقادته إلى مكتبة قديمة، عظيمة، تفوح منها رائحة الورق المعتق. كان صاحب المكتبة رجلاً عجوزاً، وجهه محفور بحكمة السنين، وعيناه تلمعان بذكاء حاد.
"يا سيدي،" قال سيف الدين، مقدمًا له هدية من التمور الفاخرة، "أبحث عن معرفة. معرفة عن طريق. طريق قد يكون مخفياً."
نظر إليه الرجل العجوز مطولاً، وكأنه يقرأ في روحه. "كل طريق يبدأ بخطوة، يا بني. وماذا تطلب؟ هل تبحث عن طريق المال؟ أم طريق الشهرة؟ أم ربما... طريق القلب؟"
تردد سيف الدين للحظة. "أبحث عن طريق... أختي."
لم يبدُ على الرجل العجوز أي دهشة. "الأميرة نور؟"
اتسعت عينا سيف الدين. "هل تعرفها؟"
"كل من يسأل عن الطريق الصحيح، يعرف القليل عن نور. هي روح فريدة، جاءت إلى هنا بحثاً عن... حقيقة. حقيقة عن نفسها، وحقيقة عن العالم."
"أين هي الآن؟" سأل سيف الدين بلهفة.
"ذهبت إلى مكان أبعد. مكان تتجمع فيه المياه الصافية، وتتردد فيه الأصداء. مكان يسمى... شلالات الهمس."
شعر سيف الدين بأن قلبه قفز. "شلالات الهمس! نعم، هذا ما قاله لي 'ظل'."
"لكن الطريق إليها ليس سهلاً، يا بني. إنها منطقة معزولة، تحرسها الطبيعة بجمالها وقسوتها. يجب أن تكون حذراً، وأن تكون على استعداد لمواجهة ما هو أبعد من مجرد طبيعة."
"وماذا يعني ذلك؟"
"يعني أن الطريق إلى قلب شخص، وأحياناً إلى قلبك أنت، يتطلب منك أن تتخلى عن أشياء. أن تتخلى عن الأحكام المسبقة، وأن تتخلى عن الغضب. وأن تتخلى عن فكرة أنك تعرف كل شيء."
كانت كلمات الرجل العجوز تخترق دفاعاته. كان يعرف أن عليه أن يجد أخته، لكنه لم يكن يفكر في الأمر بهذه الطريقة. لم يكن يفكر في نفسه، وفي طريقة تفكيره.
"كيف أصل إلى هناك؟" سأل سيف الدين.
"اتبع نهر الأنهار. إنه أكبر نهر في هذه البلاد، يتدفق من الجبال الشرقية. اتبع مجراه، حتى تسمع صوت الماء العظيم. وكن على استعداد، لأن الطبيعة لها أسرارها، ولها حراسها."
شكر سيف الدين الرجل العجوز، وخرج من المكتبة، يشعر بمزيج من الأمل والقلق. لقد وجد دليلاً. لقد وجد وجهة. لكنه كان يعرف أن الطريق لن يكون مجرد رحلة جغرافية، بل رحلة داخلية. رحلة لاستكشاف نفسه، ولاستكشاف حب أخته، ولاستكشاف معنى الحرية والسعادة.
عزم على الانطلاق فوراً. جهز رجاله، وخطط للمسير. لم يعد الهدف هو إيجاد أخته فحسب، بل كان الهدف هو فهمها، وفهم اختيارها. كان يعرف أن ما سيجده في شلالات الهمس قد يغير حياته إلى الأبد.