قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

ثمن الحرية

بقلم مريم الحسن

في قلب ضباب شلالات الهمس، حيث يلتقي الماء بالصخر، والصوت بالحس، شعر سيف الدين بأنه قد وصل إلى نهاية المطاف، وبداية رحلة أخرى. لم يكن الأمر مجرد البحث عن أخته، بل كان استكشافاً لأعماق النفس، ولكنه هو، ولنور، ولعالم الحب الذي يتجاوز كل الحدود.

كان ضجيج الشلالات يصم الآذان، لكنه لم يكن ضجيجاً عشوائياً. كان يحمل إيقاعاً، لحناً، صدى لحكايات قديمة. بدأ سيف الدين يمشي ببطء، يتبع مصدر الهمسات التي كانت تتردد في عقله. كانت همسات غريبة، تحمل في طياتها كلمات لم يفهمها في البداية، لكنها بدأت تتضح تدريجياً، كأنها تتشكل من خيوط الندى والضباب.

"الحب... ليس قيداً، بل جناحاً. والحرية... ليست منفذاً، بل مسؤولية."

"من يظن أنه يمتلك روحاً، يرتكب أعظم خطأ."

"السعادة... ليست وجهة، بل رحلة. رحلة مع من تحب."

كانت هذه الكلمات تتشابك مع بعضها البعض، تشكل نسيجاً من الحكمة، يجعل قلب سيف الدين يرتعش. لم يكن يتوقع أن يجد هذا العمق في هذا المكان. بدأ يشعر بأن الحرب التي خاضها، وكل ما فعله، كان مجرد قشور خارجية. الحقيقة الأعمق كانت تختبئ هنا، في هذه الأصوات، في هذا المكان.

فجأة، رأى ضوءاً خافتاً بين الصخور، بالقرب من قاعدة الشلال. كان الضوء يأتي من حيث يبدو أن الماء يتكون. تقدم بحذر، وشعر بأن الهواء أصبح أكثر دفئاً. وعندما وصل إلى مصدر الضوء، وجد حجرة صغيرة، منحوتة في الصخر.

في وسط الحجرة، كانت هناك امرأة. كانت تجلس على حجر أملس، وشعرها ينسدل حولها كوشاح من الليل. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً، لكنه كان يبدو وكأنه مصنوع من نور الشمس. كانت ترتدي قلادة تحمل حجراً كريماً، يتلألأ ببريق فريد.

كانت الأميرة نور.

توقف سيف الدين، قلبه يخفق بعنف. لم تكن تبدو خائفة، أو أسيرة. بل كانت تبدو هادئة، وراضية. كان هناك نور يشع من عينيها، نور لم يره من قبل.

"نور!" نادى بصوت يحمل كل ما في قلبه من شوق وألم.

رفعت نور رأسها، ونظرت إليه. كان في عينيها مزيج من المفاجأة، والحزن، والحب.

"سيف الدين؟" قالت بصوتها الرقيق، الذي عرفه سيف الدين جيداً.

تقدم سيف الدين نحوها، لكنه توقف قبل أن يصل إليها. كان هناك شيء ما في وقفتها، في نظرتها، يمنعه.

"لقد... لقد بحثت عنك طويلاً." قال. "ظننت أنكِ... اختُطفتِ."

ابتسمت نور ابتسامة حزينة. "لم أُختطف، سيف الدين. لقد اخترت."

"لكن... لماذا؟ ولماذا لم تقولي لي؟"

"لأنني كنت بحاجة لأن أفهم. أن أفهم ما أريد حقاً. ولأنني كنت بحاجة لأن أجد نفسي. وأن أجد... حقيقتي."

"وما هي حقيقتك؟" سأل سيف الدين.

"حقيقتي... هي أنني لا أريد أن أكون أميرة محبوسة في قلعة. حقيقتي هي أنني أريد أن أحب، وأُحب. حقيقتي هي أنني وجدت هنا... ما لم أجده في عالمي."

"ماذا وجدتِ؟"

"وجدتُ... قلباً. قلباً ينبض بحبي، وقلباً عرف كيف يفهمني. قلباً... جعله الحب أقوى، وأكثر رحمة."

شعر سيف الدين بالبرد يتسلل إلى عظامها. "هل تقصدين... هل تقصدين أنكِ... مع رجل آخر؟"

نظرت نور إلى عيني سيف الدين، ولم تخفِ شيئاً. "نعم، سيف الدين. لقد وجدتُ الحب. الحب الذي يرضي الله، والذي يجعلني أسعد إنسانة على وجه الأرض."

انهمر الدم من وجه سيف الدين. كل ما فعله، كل ما عاناه، بدا وكأنه بلا معنى. لقد أتى ليأخذها، ليحميها، ليُعيدها إلى حياتها. لكنها لم تكن تريد العودة.

"من هو؟" سأل بصوت متقطع. "من هو هذا الرجل الذي سلبكِ؟"

"لم يسلبني أحد، سيف الدين. بل أعطاني. أعطاني الحب، وأعطاني الأمان. أعطاني... كل شيء."

"لكن... ألم تفكري في العائلة؟ في الملك؟ في الواجب؟"

"فكرت، سيف الدين. فكرت كثيراً. لكن الحب... الحب لا يعرف الواجبات التي تقيّد الروح. الحب هو أن ترى سعادة من تحب، وأن تسعى إليها. وأن تجد سعادتك في سعادته."

بدأ سيف الدين يشعر بأن العالم ينهار حوله. لقد أتى ليجد أخته، ليُعيدها إلى حضن العائلة، ليُعيدها إلى واجباتها. لكنه وجد روحاً تحررت، ووجدانًا اختار طريقه.

"هل... هل هو أمير؟" سأل، متشبثاً بخيط أمل.

ابتسمت نور ابتسامة هادئة. "إنه أمير. أمير لقلبي، أمير لروحي. ولست بحاجة لأن يعرف العالم ذلك. يكفيني أن أعرف أنا."

"لكن... ما الذي حدث لكل هذا؟" سأل، مشيراً إلى ما وراء الحجرة، إلى ضباب الشلالات، إلى الهمسات. "لماذا هذه الحجرة؟ لماذا كل هذا؟"

"هذه الحجرة، يا سيف الدين، هي مكان مبارك. هنا، وجدتُ ما كنت أبحث عنه. هنا، فهمتُ معنى الحرية. معنى أن تحب بقلبك، لا بقلوب الآخرين. وأن تعيش لنفسك، لا لأجل ما يقوله الناس."

"لكنكِ... لكنكِ تخلّيتِ عن كل شيء."

"لم أتخلّ عن كل شيء، سيف الدين. بل اخترتُ الأفضل. اخترتُ السعادة الحقيقية. السعادة التي تأتي من الداخل، والتي لا تهتز أمام تقلبات الدهر."

جلس سيف الدين على صخرة، منهكاً. كان يشعر بخيبة أمل عميقة، لكنه كان يشعر أيضاً بشيء آخر. بشيء يشبه... الاحترام. احتراما لجرأة أخته، لاختيارها، ولشجاعتها.

"إذا كنتِ سعيدة، يا نور..." قال بصوت منخفض. "فهذا هو كل ما يهم."

نظرت إليه نور بعينين ملؤهما الحب. "وأنت، سيف الدين؟ هل أنت سعيد؟"

تردد سيف الدين. لم يكن يعرف ما إذا كان سعيداً. كان يشعر بالألم، وبالوحدة. لكنه كان يشعر أيضاً بأمل خافت. أمل بأن يجد طريقه هو الآخر.

"سأكون، يا نور." قال. "عندما أجد ما أبحث عنه."

"وستجده، سيف الدين." قالت نور. "لكل روح، طريق. ولكل طريق، نهاية سعيدة. إذا صدقت روحك، وسرت فيها بقلب مفتوح."

"هل... هل يمكن أن أراكِ مرة أخرى؟" سأل سيف الدين.

"متى ما أردت، يا أخي. متى ما احتجت إلى رؤية وجه سعيد، أو سمعت همساً من القلب. لكن تذكر، أن الحب الحقيقي، هو أن تسمح لمن تحب، بأن يكون سعيداً، حتى لو كان ذلك بعيداً عنك."

كانت هذه الكلمات كلسعات في قلبه، لكنها كانت أيضاً بلسماً. لقد فقد أخته، لكنه كسب فهماً جديداً. فهماً للحب، وللحياة، وللروح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%