قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
شباك الماضي المغلقة
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات الفجر الأولى تخترق نوافذ قصر الأمير تركي، تحمل معها برودة لطيفة لا تكاد تلامس جبين النائم. لكن هذه البرودة لم تشفع له في إيقاظه من كوابيس كانت قد اعتادت على زيارته كل ليلة. كان يتقلب في فراشه الوثير، وعرق بارد يتصبب من مسام جسده، وصورٌ مشوشة تتراقص أمام عينيه المغمدتين. صورة ابتسامةٍ باهتة، وكلماتٌ تقطر ألماً، ونداءٌ خافتٌ يتردد صداه في دهاليز روحه.
أميرٌ كبركي، ذو هيبةٍ وسلطان، تقوده الأقدار في دروبٍ لم يكن يتوقعها. كان يعيش حياته وفق ما رسمته له التقاليد والمُثل العليا، يسعى لخدمة شعبه، ويحرص على إرضاء والده السلطان، ويدعو الله أن يرزقه الزوجة الصالحة التي تضيء له حياته. لكن في أعماقه، كان هناك فراغٌ كبير، فراغٌ لم يستطع أي من إنجازاته أو مهامه الملحة أن يملأه. كان يدرك هذا الفراغ، لكنه لم يكن يملك مفتاحاً له، ولم يكن يجرؤ على البحث عنه.
في تلك الليلة، كان الكابوس أكثر إلحاحاً. رأى نفسه في غرفةٍ مظلمة، يحيط به ضبابٌ كثيف. كان يبحث عن شيءٍ ما، شيءٌ ثمينٌ فقده. وفجأة، لمع بريقٌ في نهاية الضباب، فاندفع نحوه بكل ما أوتي من قوة. اكتشف أنه صندوقٌ خشبي قديم، تزينه نقوشٌ عربيةٌ بالغة الجمال. انتزع الصندوق وفتحه بيدين مرتعشتين، ليجد داخله رسالةً قديمة، وصورةً لفتاةٍ غريبة. كانت الصورة باهتة، لكن ملامح الفتاة كانت واضحة بما يكفي ليراها بوضوح. عيناها كانتا سوداوين كليلٍ بلا قمر، وشعرها أسودٌ كالليل أيضاً، ينسدل على كتفيها كشلالٍ من الظلام. وفي تلك اللحظة، سمع صوتاً خافتاً يقول: "هذه هي روحك المفقودة."
استيقظ تركي فجأة، وقلبه ينبض بعنف. شعر بأن الهواء ثقيلٌ في الغرفة، وأن الجدران تضيق عليه. نظر حوله، فوجد نفسه في سريره الفخم، والشمس قد بدأت في إلقاء أشعتها الذهبية على أثاث الغرفة. لكن هذا المشهد المعتاد لم يجلب له الطمأنينة. كان يشعر بثقلٍ غريبٍ في صدره، وكأن جزءاً من روحه قد استُلب منه.
نهض تركي من سريره، وتوجه نحو نافذته الكبيرة المطلة على حدائق القصر. كانت الحدائق قد استيقظت هي الأخرى على نسائم الصباح، بألوانها الزاهية وروائحها العطرة. لكن هذه الروعة لم تغمر حواسه. كان عقله مشغولاً بتلك الصورة، بتلك الفتاة المجهولة. من تكون؟ ولماذا شعر بهذا الارتباط الغريب بها؟ هل كانت حقاً جزءاً من روحه؟
كان تركي رجلاً عملياً، لم يعتد على الانجراف وراء الخيال أو الأوهام. كان مؤمناً بالأسباب والمسببات، وبالمنطق والعقل. لكن هذه التجربة كانت تفوق كل ذلك. شعر بأن هناك قوةً خفيةً تسحبه نحو المجهول، قوةٌ تتغذى على رغباتٍ دفينةٍ لم يكن يعرف بوجودها.
مرت الأيام، ولم يغب شبح الصورة عن ذهن الأمير. كان يحاول جادّاً أن يشغل نفسه بمهامه، بالاجتماعات الرسمية، بالتدريبات العسكرية، لكن عقله كان يتسلل دائماً إلى تلك الغرفة المظلمة، إلى ذلك الصندوق، إلى تلك الفتاة. بدأ يشعر بفقدانٍ غريب، بفراغٍ يتسع يوماً بعد يوم. كان يتناول طعامه دون شهية، ويتحدث مع الآخرين دون تركيز، ويتعامل مع مسؤولياته بفتور.
لاحظ أركان، صديقه ورفيق دربه، هذا التغيّر الغريب في شخصية الأمير. كان أركان رجلاً حكيماً، يفهم طبيعة الأمير جيداً، ويعرف أن خلف واجهته الهادئة، تختبئ روحٌ متقدة. ذات مساء، بينما كانا يجلسان في شرفة القصر، يستمتعان بسكون الليل، قال أركان: "يا أمير، أرى في عينيك شبحاً يطاردك. ما الأمر؟ هل هناك ما يقلقك؟"
نظر تركي إلى أركان، وشعر بأن هذا هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يفضي إليه بما في قلبه. بعد لحظةٍ من الصمت، قال تركي بصوتٍ خافت: "يا أركان، لقد رأيت شيئاً غريباً في المنام. صورةٌ لفتاةٍ لا أعرفها، وشعرت بشيءٍ عميقٍ يربطني بها. منذ ذلك الحلم، وأنا أشعر بفقدانٍ لا أفهمه، وكأن جزءاً مني قد ضاع."
استمع أركان إلى كلام الأمير باهتمام، وتأمل في كلماته. كان يعرف أن الأمير لم يكن من النوع الذي يبالغ في وصف مشاعره، وأن ما يشعر به هو حقيقةٌ لا يستهان بها. قال أركان: "الأحلام أحياناً تحمل لنا رسائل، أو ربما هي انعكاسٌ لرغباتٍ دفينةٍ لم نعترف بها لأنفسنا. هل فكرت في احتمال أن يكون هذا الارتباط مجرد وهمٍ؟"
أجاب تركي: "لا أعرف يا أركان. عقلي يصر على أنه وهم، لكن قلبي يشعر بأن هناك شيئاً أعمق. أشعر وكأنني أبحث عن شيءٍ فقدته، وأخشى أن أظل أبحث عنه إلى الأبد."
زاد هذا الحديث من قلق أركان. كان يخشى أن يكون هذا الفراغ العاطفي الذي يشعر به الأمير قد فتح باباً لنوعٍ من التعلق غير الصحي. عرف أن الأمير لم يكن لديه ارتباطٌ عاطفيٌ قويٌ مع أي امرأةٍ بعد، وأن هذا الشعور الغريب قد يكون بدايةً لانجرافٍ خطير.
تفاقم الوضع حين بدأت الصورة تظهر له في يقظته. كان يراها في انعكاس المرآة، في زوايا الغرفة، بل حتى في وجوه الغرباء. كان يشعر وكأنها تراقبه، وتدعوه إلى عالمٍ مجهول. بدأ يبتعد عن مسؤولياته، وعن لقاءاته الاجتماعية، مفضلاً الانفراد بنفسه، والتأمل في هذه الظاهرة الغريبة.
في إحدى الليالي، بينما كان تركي يتصفح مكتبة القصر القديمة، وبينما كانت يداه تتحركان بين الكتب المتربة، لمحت عيناه غلافاً قديماً، أشبه بالغلاف الذي رآه في منامه. انتزعه من الرف، ووجد نفسه أمام صندوقٍ خشبيٍ بالتمام. كانت النقوش العربية المزينة له مألوفةً جداً، وتلك الهالة الغامضة التي أحاطت به في الحلم. اهتزت يداه وهو يحاول فتحه.
وفجأة، سمع صوتاً خافتاً يهمس في أذنه: "أهلاً بك في عالمك المفقود."
شعر تركي ببرودةٍ تسري في عروقه، وبدوارٍ غريب. فتح الصندوق، ليجد بداخله نفس الصورة التي رآها في منامه، بجانبها رسالةٌ قديمة، بخطٍ أنيقٍ وجميل. كانت الرسالة تبدأ بعبارة: "إلى من ضل طريقه في دروب الحياة..."
توقف تركي عن التنفس، وشعر بأن الأرض تميد به. هذه الظاهرة لم تعد مجرد حلم، بل أصبحت واقعاً ملموساً. كان يخشى أن يكون قد سقط في فخٍ نصبته له الحياة، فخٌ سيقوده إلى أعماقٍ مظلمة، بعيداً عن كل ما يعرفه ويقدره. لكن في نفس الوقت، كانت هناك رغبةٌ ملحةٌ في كشف السر، في فهم هذا الارتباط الغريب. كانت قد بدأت رحلةٌ محفوفةٌ بالمخاطر، رحلةٌ سيحدد فيها ما إذا كان سينتصر على هذا الشبح، أم ستسلمه روحه إليه إلى الأبد.