قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
همسات الماضي المؤلم
بقلم مريم الحسن
كانت أصابع الأمير تركي ترتجف وهو يمسك بالرسالة القديمة. كلماتٌ بخطٍ غريبٍ لم ير مثله من قبل، بدت وكأنها تنساب من عصورٍ غابرة. الهواء في مكتبة القصر القديمة، التي كانت غالباً ما تبعث فيه شعوراً بالسكينة والتاريخ العريق، أصبح الآن ثقيلاً ومشحوناً بالترقب. كل رفٍ خشبيٍ عتيق، وكل كتابٍ بالغقدم، بدا وكأنها تشهد على سرٍ عظيمٍ على وشك الانكشاف.
قرأ تركي السطر الأول من الرسالة بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع: "إلى من ضل طريقه في دروب الحياة..." توقف للحظة، وكأن الكلمات أثقل من أن تحملها أذنٌ بشرية. هل كان يقصد هو؟ هل كان قد ضل طريقه فعلاً؟ حياته كأميرٍ كانت دائماً منظمة، محددة الأهداف، مفعمة بالمسؤولية. لكن هذا الشعور الجديد، هذا الفراغ الذي امتلأ بصورةٍ غريبة، بدأ يغير مفهومه عن "الطريق الصحيح".
تابع القراءة، وكل حرفٍ كان يغوص أعمق في روحه، يكشف عن طبقاتٍ من المشاعر لم يكن يعرف بوجودها. "لا تخف من الظلام الذي تراه، فهو ليس سوى انعكاسٌ للنور الذي تفتقده. لقد فقدت قطعةً من قلبك، قطعةٌ تنتظر منك أن تستردها."
هل كان يفتقد النور؟ هل كان قلبه ناقصاً؟ كان تركي قد تعود على اعتبار نفسه كاملاً، مملوءاً بالواجبات والإنجازات. لكن هذه الرسالة كانت تشير إلى نقصٍ جوهري، إلى فراغٍ عاطفيٍ لم يعترف به أبداً.
نقل تركي نظره إلى الصورة التي كانت بجوار الرسالة. كانت صورة فتاةٍ شابة، بملامحٍ حادةٍ لكن جميلة، وعينين سوداوين عميقتين تحملان حزناً قديماً. لم يعرفها، ولم يشعر بأنها من بيئته أو زمنه، ومع ذلك، كان هناك شيءٌ مألوفٌ فيها، شيءٌ يلامس وتراً حساساً في أعماقه.
"لقد مرت سنواتٌ طويلةٌ منذ أن وُضعت هذه الرسالة في هذا الصندوق، على أمل أن تصل إلى يدٍ تعرف قيمة الروح المفقودة. أنت لست وحدك في بحثك، فهناك من ينتظر إيجادك."
من كان ينتظر؟ ومن كانت هذه الفتاة؟ بدأت أسئلةٌ تتوالى في رأس تركي، كل سؤالٍ أكثر تعقيداً من سابقه. هل كانت هذه الفتاة روحاً تتحدث إليه من عالمٍ آخر؟ أم كانت حقيقةً ملموسةً، شخصيةً من الماضي، تركت هذه الرسالة كوصية؟
بعد أن أنهى قراءة الرسالة، شعر تركي بنوبةٍ مفاجئةٍ من الدوار. شعر بأن كل شيءٍ حوله يدور، وأن جدران المكتبة تقترب منه. وضع الرسالة والصورة بعنايةٍ فائقةٍ في الصندوق، ثم أغلقه بيدين ترتجفان. كان يجب عليه أن يحتفظ بهذا السر بعيداً عن أعين الجميع، حتى يكشف حقيقته بنفسه.
خرج تركي من المكتبة، متظاهراً بالهدوء، لكن عقله كان يعصف. توجه نحو غرفته، وجلس على طرف سريره، ينظر إلى الصندوق الخشبي الذي وضعه على طاولته. كان هذا الصندوق وبداخله رموزه، هو المفتاح إلى ما كان ينقصه.
في الأيام التالية، حاول تركي جادّاً أن يتجاهل الأمر. ركز على مهامه، على واجباته، على الحياة التي يعرفها. لكن كلما حاول، كلما عادت تلك الصورة، تلك الرسالة، إلى ذهنه. أصبح يتجنب النظر في المرايا، لأنه كان يخاف أن يرى انعكاس تلك الفتاة في عينيه. كان يشعر بالذنب عندما يبتسم، لأن ابتسامته لم تكن صادقة تماماً.
لاحظ أركان، صديقه المقرب، هذه الانتكاسة الجديدة في حالة الأمير. كان تركي يعود إلى نفسه، ثم ينتكس مرة أخرى، وكأنه في صراعٍ داخليٍ لا ينتهي. سأله أركان مرة أخرى: "يا أمير، أرى أن شبحك قد عاد ليطاردك. هل هناك ما تود أن تشاركني به؟"
نظر تركي إلى أركان، وشعر بالامتنان لصديقه الذي لم يكف عن دعمه. بعد تفكيرٍ طويل، قرر أن يثق به. في تلك الليلة، فتح تركي الصندوق أمام أركان، وأراه الرسالة والصورة.
"لقد وجدت هذا في مكتبة القصر، يا أركان. أشعر بأن هذا له علاقةٌ بكل ما أمر به. هل تعرف شيئاً عن هذه الفتاة، أو عن هذه الرسالة؟"
نظر أركان إلى الصورة، وإلى الرسالة، ثم إلى الأمير. قال بصوتٍ متأنٍ: "يا أمير، هذه الأمور غريبة. لكن إذا كنت تشعر بأن هناك علاقة، فعلينا أن نبحث. ربما كانت هذه الرسالة جزءاً من أرشيفٍ قديمٍ، أو ربما تخص عائلةً قديمةً من العائلة المالكة. من يدري؟"
بدأ تركي وأركان رحلة البحث. قضيا أياماً في تقليب أوراق الأرشيف القديم، في استجواب كبار السن في القصر، في البحث عن أي خيطٍ قد يقودهما إلى حل. كان البحث شاقاً، ومليئاً بالمعلومات المتناقضة والتفاصيل المنسية.
ذات يوم، وبينما كانا يبحثان في سجلات زواجٍ قديمة، لفتت انتباه أركان صورةٌ لفتاةٍ شابةٍ بنفس ملامح الفتاة في رسالة الأمير. كانت تحمل اسماً، "ليلى". كانت ليلى ابنة أحد حاشية السلطان في الماضي البعيد، والتي اختفت فجأةً دون أن يُعرف لها أثر.
"يا أمير، انظر إلى هذا. هل هذه هي الفتاة التي تراها في أحلامك؟"
نظر تركي إلى الصورة، وشعر بأن قلبه يخفق بشدة. كانت هي. كانت ليلى. لكن كيف؟ ولماذا؟
ثم وجدا في السجلات إشارةً إلى أن ليلى كانت مخطوبةً سراً لأحد أفراد العائلة المالكة، لكن الزواج لم يتم بسبب ظروفٍ غامضة. بدأت الصورة تتضح، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً.
"يبدو أن ليلى لم تكن مجرد فتاةٍ عادية، يا أمير. كانت هناك قصةٌ وراء اختفائها، وقصةٌ ربما لم تكتمل." قال أركان.
كان تركي يشعر بأنه يغوص في بحرٍ من الأسرار، وأن كل معلومةٍ جديدةٍ تزيد من تعقيد الأمر. كان يعلم أن هذا البحث ليس مجرد استعادةٍ لماضٍ منسي، بل هو صراعٌ مع قوىً خفيةٍ ربما لا يريد لها أحدٌ أن يُكشف. كان عليه أن يواجه حقيقة أن هذا الارتباط الغريب قد لا يكون مجرد وهمٍ، بل قد يكون له جذورٌ عميقةٌ في تاريخ عائلته، جذورٌ قد تحمل معها ألماً لم يكن يتوقعه.
بدأت تظهر له علاماتٌ أخرى. كان يسمع همساتٍ غريبةٍ في أماكن مهجورةٍ من القصر، ويرى ظلالاً تتحرك في زوايا الغرف. لم يكن يعرف ما إذا كان هذا جزءاً من التأثير النفسي للبحث، أم كان هناك شيءٌ ما يحاول التواصل معه. كان يشعر بأن ماضيه المؤلم، أو ماضي شخصٍ آخر، قد بدأ يتسرب إلى حاضره، مهدداً بإغراقه في دوامةٍ من الحزن والألغاز.