قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

لعنة الأجداد الغامضة

بقلم مريم الحسن

بعد اكتشاف اسم "ليلى" والصورة التي تطابق تماماً الصورة التي وجدها في الصندوق، شعر الأمير تركي بأن خيوط القصة بدأت تتشابك ببعضها البعض، لكنها ظلت متناثرةً وغير واضحة. رحلة البحث في الأرشيفات القديمة للقصر، التي كانت أشبه بالغوص في غياهب التاريخ، لم تسفر عن الكثير من المعلومات المباشرة عن اختفاء ليلى أو سبب عدم إتمام زواجها. كانت الوثائق نادرة، والكثير منها قد اهترأ بفعل الزمن، أو فُقد إلى الأبد.

كان أركان، بذكائه وفطنته، يحاول ربط النقاط ببعضها. "يا أمير، قصة اختفاء ليلى غريبة. لم يُذكر أي سببٍ واضحٍ لذلك. لم يكن هناك مرض، ولا حادث. مجرد اختفاءٍ مفاجئ. هذا يثير الشكوك."

"ولكن لماذا تركت لي رسالةً وصورة؟" تساءل تركي، وهو يقلب الرسالة القديمة في يديه. "لماذا شعرت بضرورة إرسال هذا الصندوق عبر الزمن؟"

كانت الرسالة تبدأ بـ "إلى من ضل طريقه في دروب الحياة..."، وهذه الجملة كانت تتردد في ذهن تركي كصدىً. هل كان ضلاله هو السبب في وصول الرسالة إليه؟ أم أن الرسالة نفسها كانت السبب في ضلاله؟

بدأ الأمير يشعر بعبءٍ ثقيلٍ يقع على كاهله. لم يعد الأمر مجرد فضولٍ لمعرفة سرٍ قديم، بل تحول إلى شعورٍ بالمسؤولية. شعر بأن عليه أن يكشف الحقيقة، ليس فقط من أجل نفسه، بل من أجل روح ليلى المفقودة، وربما من أجل عائلته.

في أحد الأيام، وبينما كانا يتفحصان سجلاتٍ أخرى تتعلق بزيجاتٍ قديمة، وجدا إشارةً مبهمةً إلى "تدخلٍ خارجيٍ" منع إتمام زواج ليلى. لكن تفاصيل هذا "التدخل" كانت غامضةً تماماً، كما لو أن أحداً قد حرص على إخفاء أي معلوماتٍ تدل عليه.

"تدخل خارجي؟" تنهد تركي. "من يمكن أن يكون ذلك؟ ولماذا؟"

كانت العائلة المالكة في ذلك الوقت معروفةً بنقاء دمها، وحرصها على الحفاظ على سلالتها. أي زواجٍ خارج العائلة كان يُنظر إليه بعين الريبة، لكن ليلى كانت تنتمي إلى عائلةٍ كريمةٍ ومحترمة، وكان زواجها سيعتبر شرفاً لها.

بدأ تركي يفكر في الأجداد. هل يمكن أن يكون أحد أجداده قد تسبب في اختفاء ليلى؟ هل كان هناك سرٌ دفينٌ يتعلق بالعائلة المالكة، سرٌ كان لابد من إخفائه بأي ثمن؟

قرر تركي أن يبحث في سجلات العائلة الأقدم. كانت هذه السجلات محفوظةً في غرفةٍ سريةٍ في أعماق القصر، غرفةٌ لم يدخلها إلا قلةٌ من المقربين. كان المدخل مخفياً خلف لوحةٍ جداريةٍ قديمة، ولم يكن يعرف بوجوده إلا السلطان والوريث المباشر.

"أركان، يجب أن نذهب إلى غرفة السجلات السرية. أعتقد أن هناك ما يمكن أن نفهمه هناك." قال تركي.

كانت الغرفة مظلمةً وباردة، تفوح منها رائحة الورق القديم والغبار. الأرفف كانت تمتد إلى السقف، مليئةً باللفائف والمخطوطات القديمة. قضيا ساعاتٍ في البحث، وكأنما يبحثان عن إبرةٍ في كومة قش.

وفجأة، وجدا لفيفةً ذات غلافٍ أسودٍ غريب، لا يشبه أي غلافٍ آخر. كانت تحمل ختم العائلة القديم، ولكنه كان مختوماً بطلاءٍ أسودٍ داكن، كما لو أنه حاول إخفاء هوية صاحبه.

"هذه اللفيفة تبدو غريبة، يا أمير." قال أركان. "الختم الأسود لم أره من قبل."

فُتحت اللفيفة بيدين مرتجفتين. كانت تحتوي على قصةٍ مأساويةٍ عن جدٍ بعيدٍ للأمير، كان يُعرف بـ "السلطان الغاضب". كانت القصة تتحدث عن حسده الشديد، وعن خوفه من أن تزداد قوة عائلاتٍ أخرى داخل البلاط.

"كان السلطان الغاضب شديد الغيرة على سلطته، وكان يخشى أن يتجاوز أي شخصٍ حدود طموحه. قرر أن يمنع أي زواجٍ يمكن أن يقوي عائلةً منافسة، أو يقرب شخصاً يراه خطراً على عرشه." قرأ تركي من اللفيفة.

"يبدو أن ليلى كانت جزءاً من هذه المؤامرة." قال أركان. "ربما كانت مخطوبةً لشخصٍ قوي، أو ربما كان زواجها سيمنح عائلتها نفوذاً كبيراً، مما أثار خوف السلطان الغاضب."

ثم اكتشفا في اللفيفة تفاصيل صادمة. لم يكن الأمر مجرد منعٍ للزواج، بل كان هناك ما هو أعمق. "خشيةً من أن تُنجب ليلى ابناً قد يصبح منافساً مستقبلياً، قرر السلطان الغاضب أن يتخلص منها. لم يقتلها مباشرةً، بل قام بتدبير عملية اختفائها، ونفيها إلى مكانٍ بعيدٍ جداً، حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعرف شيئاً عنها."

شعر تركي ببرودةٍ تسري في جسده. هل كانت هذه هي لعنة الأجداد التي يتحدثون عنها في الأساطير؟ هل كان هذا الظلم الذي وقع على ليلى، سبباً في هذه الأحداث التي تحدث له الآن؟

"إذاً، ليلى لم تختفِ، بل تم نفيها؟" تساءل تركي. "لكن لماذا تركت لي الرسالة؟ ولماذا تظهر لي الآن؟"

"ربما كانت تعلم أن مصيرها سيُكشف يوماً ما، وأن هذه الرسالة هي وسيلةٌ لإنصافها." أجاب أركان. "وربما كان الضياع الذي تشعر به يا أمير، هو صدىً لهذا الظلم الذي وقع عليها."

بدأ تركي يفهم. كان شعوره بالفراغ، وشبح تلك الفتاة، هما رسالةٌ من الماضي، نداءٌ للمساعدة. كان عليه أن يكمل ما بدأته ليلى. لم يكن مجرد أميرٍ يبحث عن سرٍ قديم، بل كان محققاً في قضيةٍ مظلمةٍ تعود لقرون.

"يجب أن نعرف أين تم نفي ليلى." قال تركي بحزم. "يجب أن نجد أي أثرٍ لها، أو لعائلتها. هذه مسؤوليتنا الآن."

كانت رحلة البحث قد بدأت تأخذ منعطفاً خطيراً. لم يعد الأمر يتعلق بتاريخٍ غامض، بل أصبح يتعلق بالعدالة، وبالتعويض عن ظلمٍ وقع قبل قرون. شعر تركي بأنه يسير على حافة هاوية، وأن كل خطوةٍ يخطوها تقربه أكثر من الحقيقة، لكنها قد تجلبه أيضاً إلى مواجهةٍ مع أشخاصٍ لا يزالون يفضلون بقاء هذا السر مدفوناً.

كان يخشى أن يكون هذا الاكتشاف قد أيقظ قوىً لم يكن يتوقعها. قوىً ربما تكون قد تضررت من كشف هذه الحقيقة. هل كان عليه أن يتحرك بحذرٍ أكبر؟ أم أن شجاعته هي وحدها ما ستمنحه القوة؟

مع كل معلومةٍ جديدة، كان الشعور بأن حياته لم تعد ملكه وحده يزداد. كان جزءاً من قصةٍ أكبر، قصةٍ ربما تمتد آثارها إلى وقته الحالي، تهدد استقراره، وربما استقرار مملكته. كان يدرك أن الطريق أمامه طويلٌ وشاق، وأن عليه أن يستعد لمواجهة ما هو أبعد من مجرد لفائفٍ قديمةٍ ورسائلٍ منسية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%